بيان تلبيس التيمية، آية ﴿لما خلقتُ بيديَّ﴾ نموذجًا

ذكر ابنُ تيمية في «الرسالة المدنية» مناظرةً جرت بينه وبين أحد الأشاعرة، وأراد من سردِه لهذه المناظرة أن يوضح الأسبابَ الأربعةَ التي يجب عندها صرفُ الكلام من الحقيقة إلى المجاز. وكانت القضايا الخلافية بين المتكلمين وأهل الحديث التي اتفق هو ومناظرُه عليها ثلاثًا: (١) وصف الله بالعلو على العرش. و(٢) مسألة القرآن. و(٣) مسألة تأويل الصفات.

فاختار ابنُ تيمية أن يبدأ المناظرةَ في المسألة الثالثة وهي تأويل الصفات؛ «فإنها الأم والباقي من المسائل فرع عليها».1 ومن هنا انطلق ابنُ تيمية في سرد «الأسباب الأربعة التي لا بد منها في صرف الكلام من حقيقته إلى مجازه».2

وبعد أن سلّم الأشعريُ بهذه المقدمات، اختار ابنُ تيمية «صفةَ اليد» ليناظر فيها. ثم أكمل ابنُ تيمية سردَ الآيات التي تذكر اليدين لله، وبعدها ذكر تأويلات المتأولين لها، فمن تأويلاتهم لليد أنها تأتي:

  • «بمعنى النعمة والعطية، تسميةً للشيء باسم سببه، كما يسمى المطر والنبات سماء»،
  • «وقد تكون اليد بمعنى القدرة، تسمية للشيء باسم مسببه؛ لأن القدرة هي [التي] تحرك اليد، يقولون: فلان له يد في كذا وكذا… ومنه قوله: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، والنكاح كلام يقال، وإنما معناه أنه مقتدر عليه.»
  • «وقد يجعلون إضافة الفعل إليها إضافة الفعل إلى الشخص نفسه؛ لأن غالب الأفعال لما كانت باليد جعل ذكر اليد إشارة إلى أنه فعل بنفسه… والعرب تقول: يَدَاك أوْكَتَا، وفُوكَ نَفَخ؛ توبيخًا لكل من جَرَّ على نفسِه جريرةً؛ لأن أول ما قيل هذا لمن فعل بيديه وفمه.»

*****

الحجة الأولى: التثنية

يكمل ابن تيمية ويقول إنه لا ينكر المجاز في لغة العرب، ولا ينكر أنها تحتمل هذه التأويلات لليد، لكن ابن تيمية لديه إشكال خاص في صيغة معينة وردت بها الآيات، ويدعي أن تلك الصيغة اللغوية الواردة في القرآن لا يمكن أن تحتمل هذه التأويلات التي ذكروها. يقول ابن تيمية:

المقام الأول: أن لفظ اليدين بصيغة التثنية لم يُستعمل في النعمة ولا في القدرة؛ لأن مِن لغة القوم استعمال الواحد في الجمع، كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، ولفظ الجمع في الواحد كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ، ولفظ الجمع في الاثنين كقوله: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا. أما استعمال لفظ الواحد في الاثنين، أو الاثنين في الواحد فلا أصل له؛ لأن هذه الألفاظ عدد وهي نصوصٌ في معناها لا يُتجَوَّز بها، ولا يجوز أن يُقال: عندي رجل، ويعني رجلين، ولا عندي رجلان، ويعني به الجنس؛ لأن اسم الواحد يدل على الجنس والجنس فيه شياع، وكذلك اسم الجمع فيه معنى الجنس، والجنس يحصل بحصول الواحد.
فقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ لا يجوز أن يُراد به القدرة؛ لأن القدرةَ صفةٌ واحدة، ولا يجوز أن يُعبَّر بالاثنين عن الواحد. ولا يجوز أن يُراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى، فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية.

ولتلخيص هذا الكلام نقول: يدعي ابن تيمية أن اللفظ بصيغة المفرد قد يدل على الجمع، واللفظ بصيغة الجمع قد يدل على المفرد، واللفظ بصيغة الجمع قد يدل على التثنية. أما اللفظ المُثنَّى فلا يدل إلا على التثنية وفقط، فالواحد لا يدل على الاثنين بتاتًا، والاثنان لا يدلان على أيِّ شيءٍ إلا الاثنين وفقط.

إذن نعيد ونكرر، يقول ابن تيمية «أما استعمال لفظ الواحد في الاثنين، أو الاثنين في الواحد فلا أصل له». وبالتالي إذا قال الله إنه خلق آدم بيديه، فمن المستحيل أن نجد كلامًا يُقال فيه إنه خلق آدم بيده. بل لغة العرب لا تحتمل إلا شيئًا واحدًا فقط، وهو ذكر اليد مثناة دائمًا في خلق آدم . وإنما أراد ابنُ تيمية استخدام المثنى هنا لكي ينفي قول من يقول إنها قدرة؛ إذ القدرة لا تُثنَّى. وينفي كذلك قول من يقول إنها نعمة؛ إذ نعم الله كثيرة ولا تعد ولا تُحصى. فهدفه من كلامه في التثنية هو إبطال القول بالقدرة وإبطال القول بالنعمة.

لكن إذا رجعنا إلى كلام الله نفسه، وجدنا أن نفس هذه الآية التي أتى فيها التعبير بالمثنى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، جاءت بقراءة أخرى مفردة ﴿بِيَدِي، ففي قراءة عاصم الجحدري يقول الله: ﴿يا إبليس ما منعك أن تسجد لَمَّا خَلَقْتُ بِيَدِي﴾، بفتح اللام وتشديد الميم، وإفراد اليد.3 وهذه وإن كانت قراءة شاذة، إلا أنه يحتج بها في لغة العرب. فإن قائل قائل إن اليد بالإفراد مقصود بها الجنس، قلنا هذا هو محل النزاع. فلا يصح الاستدلال به؛ لأنها مصادرة ابتداءً على أن هذا هو المعنى الوحيد لها.

وإذا كان «استعمال لفظ الواحد في الاثنين… لا أصل له»، فما بال النبي ﷺ قد استعمله وقاله! ففي صحيحي البخاري ومسلم وفي حديث الشفاعة الشهير، يُروى أن رسول الله ﷺ قال: «فَيَأْتُونَ ‌آدَمَ عليه السلام فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ».4

وفي صحيح البخاري، رُوي أن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك.»5 هكذا بالتثنية، مع أن الله تعالى يقول في كتابه العزيز ﴿بيدك الخير بالإفراد.

ورُوي كذلك في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي، لا يدان لأحدٍ بقتالهم»6 والمعنى واضح وهو أن «اليدان» بالتثنية يُراد بها شيء واحد وهو القدرة أو القوة. قال القاضي عياض في شرح هذا الحديث: «وقوله: «لا يَدَانِ لأحد بقتالهم» أي: لا طاقة ولا قدرة7 وقال ابن الأثير: «وفي حديث يأجوج ومأجوج «قد أخرجتُ عبادًا لي، لا يدان لأحد بقتالهم» أي: لا قدرة ولا طاقة. يُقال: ما لي بهذا الأمر يدٌ ولا يدان، لأن المباشرة والدفاع إنما يكون باليد».8 وقال الأزهري في تهذيب اللغة: «والعرب تَقول: «مَا لي يَدٌ»: أَي مَا لي بِهِ قوَّة. «وَمَا لي بِهِ يدان» «وَمَا لَهُم بذلك أيْدٍ»: أَي قوَّة».»9 وقال القرطبي في شرحه لهذا الحديث: «وقوله: «إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم» أي: لا قدرة لأحد على قتال يأجوج ومأجوج. يقال: لا يد لفلان بهذا الأمر؛ أي: لا قوة.»10 وفي لسان العرب: «وقوله …: «قد أخرجتُ عِبادًا لي، لا يدانِ لأحدٍ بقتالهم» أي: لا قدرة ولا طاقة. يُقال: ما لي بهذا الأمر يَدٌ وَلَا يَدانِ لأَن المُباشرة والدِّفاع إِنما يكونان باليد، فكأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه.»11

وبدلًا من نقل الأحاديث من كتب الصحاح، دعونا ننقل الأحاديث من كتب ابن تيمية التي خطها هو بيديه، كي لا يحتج محتجٌ ويقول: لعل ابن تيمية لا يدري هذه الأحاديث الموجودة في البخاري ومسلم! يقول ابن تيمية: «والمقصود هنا: أنه قد ثبت في الصحيحين حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «احتج ‌آدم وموسى: فقال موسى: يا ‌آدم؟ أنت أبو البشر الذي خلقك الله ‌بيده ونفخ فيك من روحه».12

هذا وقد التزمنا في الأمثلة السابقة بصحيحي البخاري ومسلم فقط، أما إذا أردنا التوسع خارج الصحيحين، فإليك ما رواه ابن ماجة في سننه أن رسول الله ﷺ قال: «ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شُحًّا مُطاعًا، وهوًى مُتبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرًا لا يدان لك به، فعليك خويصة نفسك».13 فهذه اليدان بالتثنية ويراد بها شيء واحد وهو القدرة.

وإذا ذهبنا إلى الصحابة رضوان الله عليهم، سنجد قول أبي بكر الصديق — رضي الله عنه — فيما يُروى عنه أنه «قام فخطب الناس واعتذر إليهم وقال: واللهِ ما كنت حريصًا على الإمارة يومًا ولا ليلةً قط، ولا كنت فيها راغبًا ولا سألتها اللهَ في سرٍ ولا علانية، ولكني أشفقت من الفتنة ومالي في الإمارة من راحة ولكن قُلدت أمرًا عظيمًا ما لي به طاقة ولا يدان إلا بتقوية الله».14 والمقصود هنا من كلام الصديق باليدين على التثنية شيء واحد وهو القوة أو القدرة.

وكذلك زوجة أبي ذر الغفاري، وكانت صحابيةً جليلة، فإنه «لما حضر أبا ذرّ الموتُ، بكت، فقال لها: ما يُبْكيك؟ قالت: أبكي لأنّه لا يدان لي بتغييبك، وليس لي ثوب يسعك».15 فهذه اليد مُثناة، والمقصود منها القدرة.

وفي تفسير مقاتل بن سليمان، أن آية ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم﴾ قال مقاتل إن هذه الآية حين نزلت، قُرأت على بني عمرو بن عمير، فقالوا: «بل نتوب إلى الله — عز وجل — ونذر ما بقي من الربا فَإنَّهُ لا يدان لنا بحرب اللَّه ورسوله».16

وإذا تركنا كلامَ الله وكلامَ رسوله وكلام الصحابة وعدنا إلى كتابٍ آخر لابن تيمية الذي يقول هنا: «ولا يجوز أن يقال: عندي رجل، ويعني رجلين، ولا عندي رجلان، ويعني به الجنس»، سنجده يقول في مجموع الفتاوى: «والتثنية يراد بها: جنس التعديد من غير الاقتصار على اثنين فقط».17 وهذا تناقض ظاهرٌ بَيِّنٌ، فتارةً في كتابٍ يقول: إن التثنية لا يُراد بها الجنس، وتارة أخرى يقول: التثنية يراد بها الجنس من غير اقتصار على اثنين فقط.

بل إن هذا يبطل استدلاله بنفي تأويل اليدين بالنعمة؛ لأن ابن تيمية يقول: «لا يجوز أن يُراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى، فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية»، فإن كانت التثنية لا تقتصر على اثنين فقط، بنص كلام ابن تيمية، فلنجعل الآن ابن تيمية هو الذي يرد على نفسه، ونقول: «والتثنية يراد بها: جنس التعديد من غير الاقتصار على اثنين فقط». فالتثنية هنا يراد بها جنس النعمة من غير اقتصار على نعمتين فقط.

ثم ما المشكلة أن يُخلق آدم بنعمتين يختص هو بهما بشكل يميزه عن باقي المخلوقات؟ كـ (١) القدرة على التعلم التي تميز بها عن الملائكة، و(٢) الاستخلاف في الأرض الذي خُص هو به، أو غيرها؟ فيمكننا حمل التثنية كما يريد هو، وفيها إثبات الفضيلة لآدم ﷺ،  فبماذا يمنعونه؟ هذا ولا علاقة بكون نعم الله لا تعد ولا تحصى بخلق آدم ؛ فلم يُخلق آدم (ولا أي مخلوق غيره) بجميع نعم الله، وإنما سيختص كلُ مخلوق ببعض النعم دون بعض، فحجته في إبطال تأويل اليدين بالنعمتين لا تستقيم على أي وجه.

بل لماذا نذهب إلى كتاب آخر لنبين تناقضَ الرجل في هذه المسألة؟ إنه قد تناقض في هذه الرسالة نفسها؛ فإذا كان ابن تيمية يقول في هذه الرسالة: إن «استعمال لفظ الواحد في الاثنين… لا أصل له» فإنك ستجده يقول قبلها بصفحة واحدة: «وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس». إذن ابن تيمية يقول: ليس من لغة العرب أن تستخدم لفظَ الواحد في الاثنين، ثم يأتي هو في نفس المسألة وهي خلق آدم ، وفي نفس استدلاله بأن الله خلقه بيديه الاثنتين، وفي عين حجته في استخدام التثنية، ثم يقول هو: «خلق آدم بيده»، هكذا بالإفراد دون التثنية. فإما أن ابن تيمية لا يكتب بلغة العرب ولا يحسنها، أو هو متناقض، يكتب عبارةً ثم يكتب نقيضها بعدها بصفحة، وينقض هو بيمينه هذه القاعدة التي خطها بشماله.

بل لماذا نعود إلى صفحة أخرى من الرسالة! إن ابن تيمية لا يناقض نفسَه في كتبه المختلفة فحسب، ولا يناقض نفسَه في نفس الكتاب فحسب، ولا يناقض نفسه في صفحتين من نفس الكتاب، بل إن هذا الرجل يناقض نفسَه في نفس الصفحة، بل في نفس السطر، إذ يقول في السطر نفسه: «فالمفهوم من هذا الكلام: أن لله تعالى يدين مختصتين به، ذاتيتين له، كما يليق بجلاله، وأنه سبحانه خلق ‌آدم ‌بيده دون الملائكة وإبليس».18

ومثال ثانٍ لتناقضه في نفس السطر قوله:

فيكون إضافته إلى اليد إضافةً له إلى الفعل، كقوله ﴿بما قدمت يداك19

فهو يقول «إضافته إلى اليد» بالمفرد، والمثال الذي أتى به كانت اليد فيه مثناة.

ومثال ثالث لتناقضه مرتين في نفس السطر قوله:

وعدى الفعل إلى اليد بحرف الباء كقوله ﴿لما خلقت بيديّ، فإنه نص في أنه فعل الفعل بيده.

هذا ولفظ «بيده» الأخير هنا هو الذي جاء في ثلاث من أربع نسخ لهذا الكتاب حققها الوليد بن عبد الرحمن الفريّان، ووقع في نسخة واحدة فقط «بيديه»، وهي المثبتة عند نقلنا لنفس هذا النص فيما بعد.

إذن، الرد الأول من كلام الله، والثاني من كلام رسوله ﷺ المروي في الصحيحين، البخاري ومسلم، والثالث من كلام الرسول ﷺ المروي خارج الصحيحين، والرابع من كلام الصحابة، والخامس من كلام ابن تيمية نفسه في كتاب آخر، والسادس من كلامه في نفس هذا الكتاب، والسابع من كلامه في نفس السطر. وسنأتي بالثامن الآن من علماء اللغة، والتاسع من علماء التفسير والعاشر من كلام الشعراء العرب لنرى ما قيمة ما ذكره ابن تيمية في ميزان اللغة.

ومن المعلوم أن للنحو مدرستين شهيرتين، مدرسة الكوفة ومدرسة البصرة. أما إمام مدرسة الكوفة، وهو أبو زكريا الفراء، فقد ذكر في تفسيره لهذه الآية بعينها ما يُكذِّبُ قاعدةَ ابن تيمية، فيقول:

وقوله: ﴿بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ اجتمع القُرَّاء على التثنية، ولو قرأ قارئٌ ﴿بيدِي يريد يدًا على واحدة كان صَوابًا؛ كقول الشاعر:

أيها المبتغي فناءَ قريشٍ … بيد الله عُمرها والفناء

والواحد من هذا يكفي من الاثنين، وكذلك العينان والرجلان واليدان تكتفي إحداهما مِن الأخرى؛ لأنَّ مَعْناهما واحد.20

تخيل أن يقول ابن تيمية إن «استعمال لفظ الواحد في الاثنين… لا أصل له» وإمام مدرسة الكوفة في النحو يقول إن اليدين بالتثنية، واليد بالإفراد، يجوز أن تكونا بمعنى واحد. وهذا الدليل وحده كافٍ للقضاء على فكرة ابن تيمية، يكفي فقط ذكر إمام مدرسة الكوفة في النحو، وتفسيره لهذه الآية، وإبطاله لقاعدة ابن تيمية، فلو لم يكن هناك دليل قط إلا كلام الفراء، وهو من هو، لكفى بكلامه كلامًا وبتفسيره تفسيرًا.

بل يذكر الإمام الفراء أمثلةً كثيرة على استخدام اللفظ بالمثنى والمقصود به واحد، فمن ذلك يقول:

وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما يقال كيف قال: فلا جناح عليهما، وإنما الجناح — فيما يذهب إليه الناسُ — على الزوج لأنه أخذ ما أعطى؟
ففي ذلك وجهان:
أن يراد الزوج دون المرأة، وإن كانا قد ذُكرا جميعًا. فى سورة الرحمن ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان من الملح لا من العذب. ومنه ﴿نَسِيا ‌حُوتَهُما وإنما الناسي صاحب مُوسَى وحده. ومثله فِي الكلام أن تقول: عندي دابتان أركبهما وأستقي عليهما، وإنما يركب إحداهما ويستقى على الأخرى وقد يمكن أن يكونا جميعا تُركبان ويُستقى عليهما. وهذا من سعة العربية التي يحتج بسعتها.21

ونأتي بتفسير نفس هذه الآية من أحد أئمة اللغة العربية الكوفيين، وهو الإمام أحمد بن يحيى بن زيد، المعروف بثعلب، وكان أستاذًا للأخفش الأصغر ونفطويه وابن الأنباري. قال في «مجالسه» في تفسير هذه الآية:

﴿لما خلقت بيديّ قال: يقال الشيء في يدي ويديّ، ونظرت إليه بعيني وبعينيّ، إذا كان الواحد يدل على الاثنين، والاثنان يدلان على الواحد، جاز هذا.22

وإليك تفسير آخر لهذه الآية من إمام من أئمة اللغة وهو أبو علي الفارسي، ويكفيك لمعرفة قدره أنه كان أستاذًا لابن جني، فقد ذكر في «المسائل الحلبيات» قوله:

فإن قلت: فإن اليد إنما استُعملت بمعنى القوة إذا أُفرد اللفظ بها، كقول القائل: لا يد لي بهذا الأمر ولا قوة، وما في الآي من ذكرها مثنى ومجموع.
فالقول في ذلك: إنها تستعمل مثنى ومجموعًا في هذا المعنى، كما تستعمل فيه في الإفراد؛ ألا ترى أن ما ذكرناه عن سيبويه في هذا المعنى تثنية، وأن الأصمعي قد أنشد فيما جاء «اليد» فيه على التثنية، والمراد بها القوة، وذلك فيما قاله علي بن الغدير الغنوي:

وإذا رأيتَ المرءَ يَشْعَبُ أَمرَهُ … شَعْبَ الْعَصَا وَيَلَجُّ فِي الْعِصْيَانِ

فَاعْمَدْ لِمَا تَعْلُو فَمَالَكَ بِالَّذِي … لَا تَسْتَطِيعُ مِنَ الأُمُورِ يَدَانِ

وفي التنزيل: ﴿مما عملت أيدينا أنعامًا، كما قال: ﴿لما خلقت بيديّ. فالتثنية والجمع في هذا بمنزلةٍ كالإفراد في هذا المعنى. والتقدير: لما خلقت بقوتي23

أما ابن سِيدَه، وهو من أعظم أئمة الأندلس في اللغة العربية، فيحكي عن سيبويه قوله:

«وَقَوْلُهُمْ لَا يَدَيْنِ لَكَ بها، معناه لا قُوّة لَكَ بِهَا، ‌لَمْ ‌يَحْكِهِ ‌سِيبَوَيْهِ إِلا مُثنى؛ وَمَعْنَى التَّثْنِيَةِ هُنَا الْجَمْعُ وَالتَّكْثِيرُ كَقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ:

فكُلُّ رَفِيقَي كُلّ رَحْلٍ، [وإنْ هما … تعاطى القَنَا قوماهُما، أَخَوَانِ].24

وهنا سيبويه يقول إن اليد مثناة معناها القدرة. وفي كتاب «طبقات فحول الشعراء» لابن سلام، الذي عاش في القرن الثاني الهجري، يقول:

فَإِن تزجراني يَا ابْن عَفَّان أزدجر … وَإِن تتركاني أحم عرضًا مُمنَّعا

 وَقَوله «تزجراني» و«تتركاني» وَإِنَّمَا يُرِيد وَاحِدًا. وَقد تفعل هَذَا الْعَرَب قَالَ الفرزدق:

عَشِيَّة سَالَ المِربدان كِلَاهُمَا … عجاجة موت بِالسُّيُوفِ الصوارم

وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب:

وَحَتَّى يؤوب القارظان كِلَاهُمَا … وينشر في الْقَتْلَى كُلَيْب لِوَائِل

وَهُوَ رجل وَاحِد من عنزة ذهب أَن يجتني الْقرظ فَلم يثبت أَنه رَجَعَ، وَقَول بشر بن أَبي خازم يدل على أَنه وَاحِد:

فرَجِّي الْخَيْرَ وانتظري إيابي … إِذا مَا القارظ العنزي آبا

وَقَالَ العجاج:

لَا تَحْسِبَنَّ الخَنْدَقَيْنِ والحَفَرْ …[آذِىَّ أوْراد يُغَيِّقْن البَصَرْ]

وَهُوَ خَنْدَق وَاحِد.

بل إن لابن عبد ربه الأندلسي فصلًا في كتابه «العقد الفريد» عنوانه «ما قالوه في تثنية الواحد»، وله باب آخر عنوانه «قولهم إفراد الجمع والاثنين».25 وقد ذكر الشاعر أبو علي الحاتمي، وكان يناظر المتنبي عند سيف الدولة، في كتابه «حلية المحاضرة» بابًا كان عنوانه «هذا باب ‌‌ما جُعل فيه الاثنان جمعًا» وله باب آخر عنوانه «هذا باب ‌‌لُفِظَ فيه بلفظِ الواحد يُراد به الاثنين».26 وأما ابن فارس فقد ذكر في كتابه «الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها» بابًا كان عنوانه «باب أمر الواحد بلفظ أمر الاثنين»27 وله باب آخر عنوانه «باب الاثنين يعبر عنهما بهما مرّة وبأحدهما مرة» قال فيه: «قال أبو زكريا الفراء: تقول العرب: «رأيته بعيني، وبعينَيَّ» و«الدار في يدِي، وفي يدَيَّ». وكل اثنين لا يكاد أحدُهما ينفرد فهو على هذا المثال، مثل: «اليدين»، و«الرِّجلين»».28 وكذلك علامة النحو واللغة أبو علي الفارسي، فإن له بابًا في «كتاب الشعر» عنوانه: «باب من التثنية يدل على الكثرة»،29 فهذا المثنى يراد به الجمع والكثرة. ولأبي علي الفارسي باب آخر في نفس الكتاب عنوانه: «باب الاسم المفرد الدال على التثنية»، فهذا اللفظ المفرد يدل على التثنية.30

هذا وهؤلاء العلماء الذين ذكرتهم كانوا جميعًا من القرون الأولى، لكنني أريد أن أذكر كلام ابن مالك صاحب الألفية في النحو، الذي عاش في دمشق معظم حياته، ومات ودُفن بها عام 672 هـ. وإذا علمنا أن ابن تيمية سافر إلى دمشق ليستقر بها عام 667 هـ، فهذا يعني أن ابن تيمية كان في دمشق وقت وجود ابن مالك بها. وهذا يعني أن ما يقوله ابن مالك كان معروفًا حتى زمان ابن تيمية، بل وفي مدينته. يقول ابن مالك في كتابه «شرح التسهيل»:

والمراد بتعاقب الإفراد والتثنية مطلقًا وقوع أحدهما موقع الآخر، وإن لم يكونا مما تقدم الكلام عليه كاليدين والخفين، ولا من المزال عن لفظ التثنية لأجل الإضافة، فمن وقوع المفرد موقع المثنى قوله تعالى: ﴿فاتيا فرعونَ فقولا إنا رسولُ ربّ العالمين وقوله تعالى: ﴿عن اليمين وعن الشمال قعيد، وشبيه به قول حسان رضي الله عنه:

إنَّ شَرْخ الشباب والشَّعَر الأسْـ … ـوَد ما لمْ يُعاصَ كان جُنونا

ومن وقوع المثنى موقع المفرد قول الشاعر:

إذا ما الغلامُ الأحمق الأم سامَني … بأطراف أنفيه استمر مقَارعًا

وقد تقدمت الإشارة إلى هذا، وذكرتُ أيضًا له شواهد.31

بل دعونا نفترض أن ابن تيمية لم يقرأ هذه الكتب، لم يقرأ تفسير الفراء، ولا لسان العرب لابن منظور، ولا لابن عبد ربه، ولا لأبي علي الحاتمي، ولا لابن فارس، ولا لثعلب النحوي، ولا لأبي علي الفارسي، ولا لابن مالك. فإنه قطعًا قد قرأ كتاب ابن قتيبة الدينوري، وهو من علماء اللغة وكذلك من أهل الحديث والأثر، أي أنه — نظريًا — ينتمي إلى نفس طائفة ابن تيمية، وقد استدل ابنُ تيمية كثيرًا بكلامه في كتاب «تأويل مختلف الحديث»، وذكر فقرات كثيرة من كتابه «تأويل مشكل القرآن»، وهذا يعني أن ابن تيمية قطعًا قد قرأ كتاب ابن قتيبة «تأويل مشكل القرآن»، يقول ابن تيمية: «وكذلك قال ‌ابن ‌قتيبة في (كتاب المشكل): أقسام الروح»32، إذن قد قرأ ابن تيمية الكتابَ، واستدل به في مواضع كثيرة، بل نصّ صريحًا على اسمه وعلى نقلِه منه، وإذا رجعنا إلى هذا الكتاب، وجدنا ابن قتيبة يقول في مقدمته:

وللعرب المجازات في الكلام، ومعناها: طرق القول ومآخذه. ففيها الاستعارة، والتمثيل، والقلب، والتقديم، والتأخير، والحذف، والتكرار، والإخفاء، والإظهار، والتعريض، والإفصاح، والكناية، والإيضاح، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، والجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الاثنين، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص مع أشياء كثيرة ستراها في أبواب المجاز إن شاء الله تعالى.33

بل إن ابن قتيبة ذكر في نفس هذا الكتاب في «باب مخالفة ظاهر اللفظ معناه»، فقال: «‌‌ومنه أن تأمر الواحد والاثنين والثلاثة فما فوق أمرك الاثنين: فتقول: افعلا.»34

أما الثعلبي، فذكر في تفسيره لقوله تعالى ﴿ألقيا في جهنم وقال:

«‌أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ قال الخليل، والأخفش: هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين، وهو جيد حسن، فيقول: ويلك أرحلاها، وازجراها، وخذاه واطلقاه للواحد.» 35

لقد ذكرنا أن هذه المسألة التي يدعي ابن تيمية أنها «لا أصل لها»، قد بُوبت لها الأبواب في كتب اللغة، وفي كتب المعاجم، وذُكرت في كتب التفسير، وذكرها النحاة والشعراء والمفسرون، والأدباء، وكل هذا قبل ابن تيمية بقرون، بل لقد قال بها الخليل بن أحمد، والأخفش، وسيبويه، والفراء، وابن فارس، وثعلب، وأبو علي الفارسي، وابن مالك. بل إن الفراء وهو إمام مدرسة الكوفة، وسيبويه وهو إمام مدرسة البصرة، وبينهما من الحروب والعداء ما الله به عليم، حتى إنهما لا يكادان يتفقان على شيء، إلا أن أكبر مدرستين في اللغة في تاريخ المسلمين قد اتفقتا كلتاهما على خطأ قاعدة ابن تيمية، وعلى عدم صدق دعواه.

لقد ذكرنا فقط أبوابَ هذه المسألة في كتب اللغة، ولم نذكر الشواهد لها، إذ لو ذكرناها لملئت مئات الصفحات بها. ولو أراد أحد الاستزادة فليرجع إلى المصادر التي ذكرناها. هذا ونستعيذ بالله من أن نقول إن كلامنا هو القول الأوحد الذي قال به جميع أئمة اللغة والتفسير، بل إن بعضهم قال بخلافه، كالطبري وغيره،36 لكن الزعم أن هذا القول «لا أصل له» كما يقول ابن تيمية، زعم باطل كما رأيتم، لكننا لا نجرؤ على القول إن هذا هو القول الأوحد، بل اللغة تحتمل الخلاف كما هو معلوم في أكثر هذه المسائل.

إذن نعود إلى استدلال ابن تيمية الذي قاله لهذا الرجل، يقول ابن تيمية: «فقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة، ولا يجوز أن يُعبَّر بالاثنين عن الواحد.»

ثم هاكم قول الشاعر الشهير عروة بن حزام، وهو من القرن الأول الهجري، وكان يحب ابنة عمه عفراء، ثم طلبت أمُّها مهرًا كبيرًا جدًا، فسافر إلى اليمن لطلب المال، فلما عاد وجدها قد تزوجت. فكتب ينشد شعرًا ويقول:

تحملتُ من عفراء ما ليس لي به …. ولا للجبال الراسيات يدان37

فأضاف اليدين بالمثنى إلى الجبال، وعبّر عنها بالقوة أو القدرة.

ومن ذلك المثل العربي الشهير: «باليدين ما أوردها زائدة»: والمقصود «بيدين» أي بالقوة والجلادة، و«ما» صلة، و«زائدة» اسم رجل، والمعنى: أورد زائدةُ إبلَه الماءَ بقوة وجدّ، لا بعجز وتراخٍ. وقد فسر الأصمعيُ اليدين ها هنا بالقوة،38 وقد عاش في القرن الثاني، وستجد هذا المثل بهذا المعنى في كل كتب أمثال العرب.

نقول: إذا كان استدلال ابن تيمية مبنيًا في أساسه على أن المُثنى لا يدل على الواحد، وأن القدرة صفةٌ واحدة، فإذا ثبت أن التثنية يصح أن تدل على الواحد، وبالتالي يصح حمل اليدين على القدرة، فقد بطل استدلاله واستوت على الجودي، وقيل بُعدًا للقوم الظالمين.

أما الخطأ الآخر الذي وقع فيه ابن تيمية وهو قوله «لأن هذه الألفاظ عدد وهي نصوص في معناها لا يُتجوّز بها» فليس نزاعنا في أن الأعداد والأرقام لا يصح فيها المجاز، بل النزاع في خصوصية الاثنين تحديدًا، هل يصح أن تستخدم التثنية للدلالة على الواحد؟ ولا نتحدث عن استخدام الأربعة أو الخمسة أو التسعة. ذلك أن للتثنية خصوصيةً كما رأينا. وليس هذا خاصًا بالتثنية فقط، بل إن قاعدته هذه لا تنطبق على السبعة ومضاعفاتها. ففي «‌تهذيب اللغة» للأزهري يقول:

والعرب ‌تضع ‌التسبيع ‌موضع ‌التضعيف ‌وإن ‌جاوز ‌السبع، والأصل فيه قول الله جل وعز: ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾، ثم قال النبيُ ﷺ: «الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة». قلتُ: وأرى قولَ الله جل ثناؤه لنبيه ﷺ ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم من باب التكثير والتضعيف لا من باب حصر العدد، ولم يُرِد اللهُ جل ثناؤه أنه إن زاد على السبعين غفر لهم، ولكن المعنى: إن استكثرت من الدعاء والاستغفار للمنافقين لم يغفر اللهُ لهم.39 

وقد قال إمامنا الزمخشري — رضوان الله عليه — في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾: «‌والسبعون ‌جار ‌مجرى ‌المثل ‌في ‌كلامهم ‌للتكثير».40

وكذلك قول الله ﴿يود أحدهم لو يُعمَّر ألف سنة﴾، مع أن أحدًا لا يود أن يُعمَّر ألف سنة فقط، وقد ذكر الطبري في تفسيره عن ابن عباس أن المقصود بالآية هو حبهم لطول الحياة.41 بل لقد نقل الطبري في تفسيره تحية هؤلاء المجوس بعضهم بعضًا بأن تمنوا: «عشرة آلاف عام» حرصًا منهم على الحياة.

إذن هذه القاعدة التي أطلقها ابن تيمية لا تجري على السبعين ولا تنطبق عليها؛ إذ يستخدم للدلالة على الكثرة وليس نصًا في العدد، وكذلك لا يستقيم كلام ابن تيمية في عدد سبعة؛ إذ السبعة كذلك تدل على الكثرة وليست نصًا في العدد. واقرأ إن شئت تفسير الحديث الذي رُوي عن النبي الذي أخرجه البخاري في صحيحه: «‌المؤمن يأكل في مِعًى واحدٍ، والكافرُ يأكل في سبعةِ أمعاءٍ.»42 إذ لو أخذنا الحديث على ظاهره وأخذنا أن رقم سبعة هو «‌نصٌ لا يُتَجوَّز به»، لكان الواقعُ والمشاهدةُ يكذِّبان النبيَّ ﷺ؛ إذ ليس للكفار سبعة أمعاء. فلا بد أن تدل هذه السبعة على الكثرة. بل حتى دلالة السبعة على الكثرة لا تكفي في المجاز؛ إذ الكافر ليس له أمعاء كثيرة، لا سبعة ولا أكثر من سبعة. لكن هذا الحديث يدل على أن الكافر يأكل بشهوةٍ وبتمتعٍ في الدنيا، أما المؤمن فهو متأدب بأدب الإسلام، لا يهمه كثرة النهم في الأكل ولا الانغماس في الملذات الدنيوية. فانظر إلى المجاز في استخدام الرقم سبعة، وانظر إلى المجاز الآخر في الدلالة على الكثرة بالشهوة وحب الدنيا. وبعد أن تتأمل هذا، ستعلم أن تطبيق قاعدة ابن تيمية في فهم النصوص لن يؤدي بك إلا إلى طريق واحد، وهو طريق الإلحاد وتكذيب النبي .

*****

الحجة الثانية: الباء

يقول ابن تيمية:

ولا يجوز أن يكونَ [المرادُ من ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ هو] لِما خلقتُ أنا؛ لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعلَ إلى اليد، فتكون إضافتُه إلى اليد إضافةً له إلى الفاعل كقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ و﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، ومنه قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾.

أَّما إذا أضاف الفعلَ إلى الفاعل، وعدَّى الفعلَ إلى اليد بحرف الباء، كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ فإنه نصٌ في أنه فَعَلَ الفعلَ بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلتَ هذا بيديك ويقال: هذا فعلَتْه يداك؛ لأن مجرد قوله: فعلتُ، كافٍ في الإضافة إلى الفاعل، فلو لم يُرِد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة، ولست تجد في كلام العرب ولا العجم إن شاء الله تعالى أن فصيحًا يقول: فعلتُ هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه، إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها.

نقول أولًا: هذه القاعدة التي أقرها هنا تتناقض مع حجة التثنية التي ذكرها، ففي نفس الوقت الذي يقول فيه إن ذكر اليد مثنّاة إنما يدل على شيئين، فإنه يقبل أن اليدين — بالتثنية — قد تدلان على النفس، والنفس واحدة. يقول: «لأنهم إذا أرادوا ذلك أضافوا الفعلَ إلى اليد، فتكون إضافتُه إلى اليد إضافةً له إلى الفاعل كقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾». أي إن قوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾، مع وروده بصيغة التثنية، يجوز أن يعود عند ابن تيمية على فاعل واحد ويكون معناه: بما قدمتَ أنت.

ونقول ثانيًا: إن صح هذا الكلام الذي يزعمه، وصحت هذه القاعدة التي نَظَّر لها، فإن أقصى ما تدل عليه أن الخلق وقع بواسطة، ولا يلزم من ذلك أن تكون هذه الواسطة هي اليدين حقيقة. وعليه، فلو قال قائل: إن المراد باليد ههنا القدرة، — وذلك بعدما أثبتنا في كلامنا السابق أن اليدين بالتثنية يصح أن تدل على القدرة —، لم يكن في كلام ابن تيمية ما يمنع هذا الاحتمال لغويا؛ إذ يمكن حينئذ أن يكون معنى الكلام هو أن الله خلق آدم ﷺ بقدرته، — هذا إن سُلِّم أصلًا أنه لا بد من إثبات واسطة للخلق — فحتى على هذا التسليم لا تدل الآية على إثبات اليدين حقيقية، ولا حتى على أن الخلق تم بهما. وقد أوردنا هذا ابتداءً لأنه ينسف كلامه من أوله إلى آخره.

ونقول ثالثًا: هذا تحكم بارد حريٌّ بألا يُعبأ به؛ لأن رمي الكلام ليس دليلًا كافيًا، فما الفرق بين قولي لمن جنى عليه فعله «يداك أوكتا وفوك نفخ» وقولي «بيديك ربطت وبفيك نفخت»، وما المانع أن يحتج المعتزليُ بأن دخول «ليس» على «مثل» بوجود «الكاف» ثم يأتي بعدها «شيء» كما في قوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ أن الصفات كلها منفية، حتى صفات المعاني، وأن التشبيه كله منفي من جميع الوجوه. وهذا هو الإلزام على أي شخص يتبنى قول ابن تيمية، فنقول: هات من كلام العرب شخصًا يقول: «ليس كمثله شيء» ويكون هناك وجه شبه من بعض الوجوه. فإن أراد إنسان أن يرد على هذا المقال، فليبدأ بالإجابة عن هذا السؤال للدلالة على جديته وقيمته العلمية. ونعيده مرة ثانية: هات من كلام العرب عبارةً فيها النفي بـ «ليس» وتكون نفيًا للـ «مثل» مع دخول حرف «الكاف» ثم يأتي بعدها «شيء»، ويكون هناك وجه شبه من بعض الوجوه؟ نريد التركيب بهذه الصيغة تحديدًا؛ إذ هذا التركيب يحتمل ما لا تحتمله باقي التراكيب.

رابعًا: ومن عجائب التيمية التي لا تنفك تتكثر، أن بعضهم تعلّق بياء المتكلم في قوله تعالى: ﴿بِيَدَيَّ﴾، فجعل اجتماع الباء وياء المتكلم دليلًا على أن الفعل لم يقع إلا باليد حقيقة. ولا ندري من أين جاءوا بهذا القيد، ولا أي أصل لغوي استندوا عليه، ولا كيف نسبوه إلى ابن تيمية. وأعجب منه تعلّقهم بتاء الفاعل في قوله: ﴿خَلَقْتُ﴾، مع أن ابن تيمية نفسه لم يجعل مناط حجته ياء المتكلم ولا تاء الفاعل المضمومة، بل ضرب أمثلة مختلفة فقال: «فعلتَ هذا بيديك»، و«فعلتُ هذا بيدي»، و«فلان فعل هذا بيديه». فتارة يستعمل المخاطب، وتارة المتكلم، وتارة الغائب.
فمناط حجته هو إسناد الفعل إلى الفاعل ثم تعديته إلى اليد بالباء، لا خصوص ياء المتكلم ولا تاء الفاعل. أما اختراع قيد زائد اسمه «الباء مع ياء المتكلم» أو «الباء مع تاء الفاعل»، ثم جعله دليلًا، فتخليط لا برهان.

وذلك أن ما يريده ابن تيمية هو أن يُفرّق بين نوعين من التعبير عند الكلام عن اليد.

النوع الأول هو أن يُسند الفعل إلى اليد نفسها، مثل قوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾، وقوله: ﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾. في هذه الصيغة يكون الفعل منسوبًا إلى اليدين أو الأيدي، ومع ذلك يقبل ابن تيمية أن يكون المقصود هو الفاعل نفسه، لا خصوص اليد. فمعنى ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ عنده يمكن أن يكون: بما قدمتَ أنت. ولذلك يصح في هذا النوع أن يُقال لمن كفر بلسانه: هذا بما قدمت يداك، مع أن الفعل لم يقع باليد حقيقة. وكذلك يصح أن يقال لمن ضرب غيره برجله فمات: هذا بما قدمت يداك، لأن المقصود هنا نسبة الفعل إلى الشخص نفسه، لا إثبات أن اليد باشرت الفعل.

أما النوع الثاني فهو أن يُسند الفعل أولًا إلى الفاعل نفسه، ثم تُذكر اليد بعد ذلك مقرونة بالباء، كما في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. وهنا يقول إن الصيغة اختلفت؛ لأن الفاعل قد ذُكر أصلًا في قوله: «خلقتُ»، فلو فُسّرت «بيدي» بمعنى «أنا» أو «بنفسي»، صار الكلام عنده تكرارًا بلا فائدة، كأن المعنى: خلقتُ أنا أنا، فيتعين أن يكون الفعل قد وقع باليد حقيقة. ومن هنا بنى اعتراضَه على تأويل اليد بالنفس أو الذات.

فمحل النزاع في هذه الحجة لا علاقة له بورود لفظ اليد مثنّى، بل هو في الفرق بين صيغتين: صيغة يُسند فيها الفعل إلى اليد ويُراد بها الفاعل، وهذه يقبل ابن تيمية فيها التأويل، وصيغة يُسند فيها الفعل إلى الفاعل ثم تُذكر اليد بالباء، وهذه يرفض فيها التأويل ويجعلها دالة على وقوع الفعل باليد حقيقة. وهذه النقطة لا بد أن يعيها القارئ جيدًا، فلا يمر عليها مرورًا عابرًا ولا يكمل القراءة دون التأكد من فهمها فهمًا تامًا حتى يستقيم فهمه لردنا عليه، فليعد قراءتها جيدا، ثم يعد قراءة كلام ابن تيمية.

وهذا التقرير يقوم عنده على أصلين:

(أ) أن ذكر اليد بعد إضافة الفعل إلى الفاعل لا بد أن يضيف معنى جديدًا غير مجرد إعادة نسبة الفعل إلى الفاعل نفسه، وإلا صار، على حد تعبيره، «زيادة محضة من غير فائدة».

(ب) أن الباء في هذا التركيب لا تُفهم عنده إلا على أنها باء الاستعانة أو المباشرة بآلة الفعل.

وكلا الأصلين هو منازَع فيه من وجوه كثيرة:

(١) أما الأصل الأول، فليس صحيحًا أن كل زيادة تعود إلى الفاعل بعد ذكر الفاعل تكون «زيادة محضة من غير فائدة». بل قد يُذكر ما يرجع إلى الفاعل بعد تمام الإسناد لفوائد معروفة في لسان العرب، منها التوكيد، ورفع احتمال إرادة غير ذات الفاعل، ورفع توهم حذف مضاف، والتعظيم، والتهويل، ودفع توهم الواسطة، وتقوية النسبة، وإفادة الحصر، وقطع الاشتراك أو اللبس. فالقول بأن ذلك «زيادة محضة من غير فائدة» دعوى لا تقوم إلا إذا ثبت امتناع هذه الوجوه كلها، ولم يثبت شيء من ذلك.

والقرآن نفسه يكثر فيه هذا الضرب من الزيادة التي فيها تقوية للمعنى بعد ذكر المعنى نفسه، كما في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾. فأصل السجود والإسناد إلى الفاعل قد ثبت بقوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ﴾، ثم جاء قوله: ﴿كُلُّهُمْ﴾ لدفع احتمال التبعيض، ثم جاء قوله: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ لزيادة توكيد الاجتماع والشمول. ولم يقل أحدُ إن هذه الألفاظ «زيادات محضة من غير فائدة»، مع أن أصل الخبر قد تم قبلها. فكذا هنا: لا يلزم إذا حُملت اليد على النفس، أو على ما يرجع إلى معنى الفاعل، أن يكون ذكرها لغوًا؛ إذ قد يكون المقصود تعظيم شأن خلق آدم ﷺ بتأكيد نسبته إلى الله، وإبراز أنه وقع بإرادة إلهية مخصوصة وعناية ظاهرة، ثم تخويف إبليس وتقريعه بعد ذلك لمخالفته؛ لأنه لم يترك السجود لمخلوق عادي، بل أبى السجود لمن عظّم اللهُ أمرَ خلقه وخصّه بهذا التشريف.

ومن قال إن ذكر ما يرجع إلى الفاعل بعد تمام الإسناد لا يقع بالباء تحديدا، وقد يقع بدونها كالمثال الذي ذكرناه ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ والذي ليس فيه باء، فهذه الدعوى يدفعها الاستعمال العربي الظاهر؛ فإنهم يقولون: حضر زيد بنفسه، وكتبتُ الكتاب بنفسي، وباشرتَ الأمر بنفسك. ففي هذه التراكيب قد تم الإسناد أولًا، ثم جاء المجرور بالباء عائدًا إلى نفس الفاعل، لا إلى أمر أجنبي عنه. ولا يصح أن يقال إن إعادة الإسناد إلى الفاعل بعد تمام الإسناد إليه زيادة محضة ووجه من اللغو، بل يقال بنحو ما ذكرنا من الأغراض فهو لتحقيق المباشرة، ونفي النيابة، وقطع احتمال الواسطة. فدلّ ذلك على أن رجوع المجرور بالباء إلى الفاعل بعد تمام النسبة أمر جار في اللسان، ولا يصح نفيه بإطلاق.

(٢) وأما الأصل الثاني، وهو حصر الباء في باء الاستعانة، فليس بلازم أيضًا. فالباء في العربية لا تنحصر في معنى الآلة، بل تأتي للاستعانة، وتأتي للسببية، وتأتي للمصاحبة والملابسة، وتأتي للظرفية، وتأتي للبدل، وتأتي للقسم، وتأتي للتوكيد، وتأتي لغير ذلك بحسب السياق. فإذا قيل: إن اليد هنا بمعنى النعمة، أمكن أن تكون الباء للمصاحبة أو الملابسة، فيكون المعنى: لما خلقتُه مصحوبًا محفوفًا بنعمتي وتشريفي، أو لما خلقت مُنعَمًا عليه. ومثال هذا في القرآن قوله تعالى: ﴿لكن الله يشهد بما أنزل إليك، أنزله بعلمه﴾، فهذا فعل أضيف إلى الله ﴿أنزله﴾، وعُدي بالباء إلى العلم ﴿بعلمه﴾، ومعنى هذه الآية أنه أنزله وهو عالم به. وهذا الوجه يصح حتى مع التسليم بأصله الأول وهو إضافة معنى زائد، بل هذا المعنى أظهر في التشريف من دعوى الخلق باليد مباشرة، كما أنه يقبل التثنية لمن تعلّق بها، كما بيناه سابقًا.

(٣) ثم هب أننا سلَّمنا له جدلًا أن ذكر اليد بعد إضافة الفعل إلى الفاعل لا بد أن يفيد معنى زائدًا، وأن الباء هنا باء استعانة، فكيف انتقل من ذلك إلى الجزم بأنها نص في وقوع الفعل باليد حقيقة بالمعنى المخصوص الذي عنده؟ فغاية ما يُثبت بذلك أن الخلق له تعلق بما دل عليه لفظ اليد، ولفظ اليد في اللغة له أكثر من ثلاثين معنى وليس منها معناه أصلا! والنزاع هنا في معنى لفظ اليد في هذا الموضع فلا يجوز أن يجعل الآية دليلًا على أن المراد باليد هو اليد الحقيقية بالمعنى المخصوص الذي يعتقده، ثم يجعل هذا المعنى الذي يعتقده مقدمةً في فهم الآية؛ فإن هذا مصادرة على المطلوب.

وقد قدمنا كيف أنه إن صح هذا الكلام الذي يزعمه، وصحت هذه القاعدة التي نَظَّر لها، وسُلِّم له كلا الأصلين فإنه يجوز لنا أن نقول: إن المراد باليد ههنا القدرة. ونزيد هنا بيانًا للتدليل على أن هذا القول هو الأصوب والأولى من قوله إن اليدين يدان حقيقيتان، فنقول: ما الذي يثبت له أن اليد التي أثبتها لله هي آلة الخلق؟ فالفعل الذي ضربنا به المثل سابقا كان «كتب الأميرُ إلى عاملِه رسالة»، والكتابةُ فعلٌ تباشره الأيدي عادة، فإذا قيل: «كتب بيده»، تبادر إلى الذهن معنى المباشرة باليد؛ لأن الفعل نفسه من جنس ما يقع باليد في الشاهد. أما الخلق فليس فعلًا معروفًا في الشاهد أنه يقع باليد حتى يقاس على الكتابة أو نحوها. بل أصل الخلق عندنا وعند ابن تيمية إنما يكون بقدرة الله أو بقوله: ﴿كُنْ﴾. فإذا كان الفعل نفسه لا يُعرف وقوعه باليد في أصل معناه، لم يصح أن يجعل ذكر الباء فيه دليلًا مستقلًا على أن اليد آلة الخلق حقيقة. بل الأقرب من جهة المعنى أن يقال: إن الخلق وقع بقدرة الله، لا أن تُثبت آلة مخصوصة للخلق غير القدرة بمجرد دعوى أن الباء لا تكون إلا للاستعانة.

وهذا أصل مهم فلو كان لله عز وجل صفتان تخلقان هما القدرة واليدان، فلماذا لم يذكر ذلك صراحةً في كتاب الله، أو في سنة نبيه ، ولماذا يترك الأمر معلقا لأذهان الناس، يقول بعضهم بالقدرة وحدها وبعضهم بالقدرة واليدين، فالله عز وجل يقول ﴿أوليس الذي خلق السماوات  والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم، بلى وهو الخلاق العليم ۝ إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ ويقول ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ ويقول في حق أدم ﷺ ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ فإذا ثبت أن الله خلقه بـ ﴿كُنْ﴾ فكان، فلم يبق للمجسمة غير أن يقولوا إن اللهَ شكَّل هذا الطين بيديه مسيسًا، وقد صرّح به بعضُهم مثل ما جاء في نقض عثمان الدارمي على بشر المريسي، إذ قال له: «فَأَكَّدَ اللَّهُ لِآدَمَ الْفَضِيلَةَ الَّتِي كَرَّمَهُ وَشَرَّفَهُ بِهَا، وَآثَرَهُ عَلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ إِذْ كُلُّ عِبَادِهِ، خَلَقَهُمْ بِغَيْرِ مَسِيسٍ بِيَدٍ، وَخَلَقَ آدَمَ بِمَسِيسٍ».43 تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

(٤) فالحاصل أن حجة الباء لا تنهض لإبطال التأويل؛ لأنها مبنية على تضييق دلالة الباء بلا دليل، وعلى افتراض أن كل تأكيد راجع إلى الفاعل لغو، وعلى قياس الخلق على أفعال الجوارح في الشاهد. وكل واحد من هذه الأصول محل نزاع، بل ممنوع في نفسه. فإذا سقطت هذه المقدمات، لم يبق في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، من جهة الباء وحدها، ما يَلزم منه إثبات اليد بالمعنى الذي أراده ابن تيمية.

ونقول ختامًا لهذا التعليق: إن على ابن تيمية أولًا أن يثبتَ أن لله يدًا حقيقية بالمعنى الذي يذكره، ثم أن يثبتَ أن هذا الدليل الذي سيقدمه سالم من المعارض، ثم أن يثبتَ أن هذه اليد يقع بها الخلق كما يقع الخلق بالقدرة، ثم أن يثبتَ أن الخلق بها أشرف من الخلق بالقدرة، ثم أن يثبت أن تشريف آدم ﷺ لا يتحقق إلا بهذا الوجه بعينه، ثم بعد ذلك يأتي ليستدل بالآية على أن هذا الشرف ثابت لآدم ﷺ فيها. أما أن يجعل الآية وحدها دليلًا على هذه المقدمات كلها، ثم يعود فيجعل هذه المقدمات تفسيرًا للآية، فليس هذا استدلالًا، بل مصادرة ودوران حول محل النزاع.

وهذا وفي كلامنا السابق ما يكفي وزيادة لإسقاط بنائه الذي بناه فيما يخص الباء من أوله لآخره، وسنذكر بعض الأمثلة كنوع من الإضافة فقط. ونذكر من الشواهد العربية التي يظهر منها أن لفظ اليد، مفردًا ومثنّى ومجموعًا، ومع دخول الباء عليه، لا ينحصر في اليد الحقيقية، بل يأتي تارةً بمعنى النفس، وتارةً بمعنى النعمة، وتارةً بمعنى القدرة، وتارةً يضاف إلى مَن له يد مع أن الفعل لا يقع بها حقيقة، وتارةً يضاف إلى ما لا يد له أصلًا بالمعنى المعروف. فإذا ثبت هذا في كلام العرب، سقطت دعوى أن التركيب وحده نصٌّ في الجارحة أو في وقوع الفعل بها.

أمثلة على معاني اليد التي يرفضها ابن تيمية

اليد بمعنى النفس

ومنه قول الحق تبارك وتعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، فقد قال الأخفش الأوسط، الذي تُوفي عام ٢١٥، أي أنه عاش في القرن الثاني الهجري، وكان تلميذًا لسيبويه والخليل بن أحمد الفراهيدي، في تفسيره لهذه الآية:

﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ يقول: «إلَى الهَلَكَةِ». والباء زائدة نحو زيادتها في قوله ﴿تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وإنما هي: تنبت الدهن. قال الشاعر:

كَثِيراً بما يَتْرُكْنَ في كُلِّ حُفْرَةٍ … زفيرَ القواضِي نَحْبَها وَسُعالَهَا

يقول: «كثيرًا يَتْرُكْنَ» وجعل الباء و«ما» زائدتين.44

ومعنى هذه الآية عند الأخفش هو: لا تلقوا أيديَكم إلى التهلكة. والإنسان إنما يلقي نفسَه في النار.

وقال المبرد في تفسير هذه الآية:

﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ، أراد: بأنفسكم، فعبَّر بالبعض عن الكل، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ. والباء في قوله: ﴿أَيْدِيكُمْ زائدة كقوله عز وجل: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ».45

ومن ذلك أيضًا المثل العربي المشهور الذي ذكره المفضل الضبي والذي ولد وعاش في القرن الثاني في أمثال العرب: «بيديّ لا بيديك عمرو» بهذه الصيغة.46

والشاهد في قصة المثل أن عمرو هذا أراد أن يفتك بامرأة، وكان لها خاتم فيه سُمٌّ فمصته وقالت: بيديّ لا بيديك عمرو. فذهب قولها مثلًا، أي أقتل نفسي بنفسي ولا تقتلني أنت، وقد قتلت نفسَها بمصها الخاتم، وهذا ليس باليدين حقيقة بل بالفم والسُّم، مع أن هذه المرأة استعملت لفظ اليدين متعديًا بالباء كما طلب، فإذا كان هذا مثلًا عربيًا شهيرًا جدًا، وقصته كما ترى، ومع هذا قصد به النفس، ولم يقع القتل فيها باليدين، وإنما كان بالفم والسم.

ومن هذا الباب ما ورد في خبر أَبِي الْبَخْتَرِيّ يوم بدر، حين قيل له: إن رسول الله ﷺ نهى عن قتله فقال «فأما أن أعطي بيدي، فواللات والعزى لقد علم نسوة بمكة أني لا أعطي بيدي»47 وليس المراد أنه يرفض مد يده الحسية، وإنما المراد: لا أسلّم نفسي مختارًا، ولا أستسلم لكم طوعًا. ولذلك قال الأزهري في تفسير عبارة أعطى بيده: «يقال: «أعطى بيده» إذا ذل واعترف بالانقياد».48 فقولهم: «أعطى بيده» معناه: استسلم بنفسه ومكّن خصمه من نفسه، لا أن اليد الجارحة هي محل الفعل.

ومنه كذلك قول قيس بن ذريح وهو قيس لُبنى، والذي ولد وعاش في القرن الأول:

وما كنتُ أخشى أن تكون منيّتي … بكفّيكِ إلّا أن ما حان حائنُ49

فليس مراده أنه كان يتوقع أن تقتله محبوبته بكفّيها ضربًا أو خنقًا، وإنما جعل الكفين موضعًا لما يقع منها أو بسببها أو من جهتها؛ فإن القصة التي بسببها أنشد هذه الأبيات هو أن امرأةً أخبرته بأن لُبنى ستسافر الليلة أو غدًا، «فَسقط مغشيًا عَلَيْهِ، ثمَّ أَفَاق، وَبكى بكاء كثيرًا، ثمَّ أنشد» هذه الأبيات.50 فهذا استعمال للكفين في معنى النسبة إلى الشخص نفسه أو إلى سببه، لا في معنى المباشرة الحسية بالكفين.

اليد بمعنى النعمة

وتأتي اليد كذلك بمعنى النعمة والعطاء. ومن أحسن الشواهد على ذلك قول الفرزدق، وقد كتب إلى الأسود بن الهيثم النخعي أبي العريان، وقيل إلى قيس بن الهيثم، فقال:

إِنّي كَتَبتُ إِلَيكَ أَلتَمِسُ الغِنى … بِيَدَيكَ أَو بِيَدَيْ أَبيكَ الهَيثَمِ

أَيدٍ سَبَقنَ إِلى المُنادي بِالقِرى … وَالبَأسِ في سَبَلِ العَجاجِ الأَقتَمِ

الشاعِباتِ إِذا الأُمورُ تَفاقَمَت … وَالمُطعِماتِ إِذا يَدٌ لَم تُطعَمِ51

فالشاعر يقول: «بِيَدَيْكَ أَو بِيَدَيْ أَبِيكَ الهَيْثَمِ»، وليس مراده اليد الحقيقية، بل مراده: بعطائك وإنعامك، أو بعطاء أبيك وإنعامه. ثم أخذ يصف هذه الأيدي بصفات الكرم والمروءة، فقال: «أَيْدٍ سَبَقْنَ إِلَى المُنَادِي بِالقِرَى»، أي أيدٍ سبّاقة إلى إجابة داعي الضيافة والإطعام، فإذا نادى منادٍ إلى إكرام الضيف كانت هذه الأيدي أسبقَ الأيدي إلى البذل والعطاء. ثم أكد هذا المعنى بقوله: «وَالمُطْعِمَاتِ إِذَا يَدٌ لَمْ تُطْعَمِ»، أي أنها أيدٍ تطعم في وقت تقصر فيه أيدٍ أخرى أو تبخل أو تعجز. ومعلوم أن الأمراء والسادة لا يباشرون إطعام كل ضيف بأيديهم على الحقيقة، وإنما المقصود أن الإطعام يقع بسببهم، وبأمرهم، وبمالهم، وبجودهم.

اليد بمعنى القدرة

وتأتي اليد والكف كذلك بمعنى القدرة والتمكن والتصرف. ومن ذلك قول الأخطل، وقد ولد وعاش ومات في القرن الأول:

وكانت ظلمةٌ فكشفتموها … وكان لها بأيديكم سفورُ52

يريد الأخطل أن الممدوحين أزالوا محنة أو أمرًا شديد الالتباس، كأنه ظلمة غطت الناس وحجبت عنهم وجه المخرج، فجاء فعلهم كالسفور بعد الاحتجاب؛ إذ انكشفت به الغمة، وظهر وجه الخلاص كما يسفر الوجه بعد ستره، أو كما يسفر الصبح إذا انقشع الظلام. ولا ترفع الظلمة أو المحنة «بالأيدي» التي هي الجوارح، وإنما أراد أن القوم كشفوا الشدة، وأزالوا الغمة، وأظهروا الحق أو الأمن بقدرتهم وسلطانهم وفعلهم. فالأيدي هنا أيدي قدرة وتدبير، لا أيدٍ جارحة تباشر كشف الظلام كما يكشف الإنسان ستارًا.

ومنه أيضًا قول الفرزدق:

وكم لكم من قبّةٍ قد بنيتم … يطول عمادَ المبتنين عمودُها
بنتها بأيديها بجيلةُ خالدٍ … ونال بها أعلى السماءِ يزيدُها
وجدتكمُ تعلون كل قبيلة … إذا اعتزَّ أقرانَ الأمور شديدُها53

يريد الفرزدق أن لبني خالد من بجيلة بناءً عاليًا في المجد والسيادة، صوّره في صورة قبة شامخة يعلو عمودها أعمدة من يبنون لأنفسهم الشرف والمكانة. وليست القبة هنا خيمة أو بناءً حسيًا مقصودًا لذاته، وإنما هي صورة للمجد المرفوع والبيت الرفيع في قومه؛ يدل على ذلك ما بعدها من قوله إنهم يعلون كل قبيلة، وأن منهم المحامي والعميد والقائد عند لقاء الغارات. وقوله: «بنتها بأيديها بجيلة خالد» معناه أن هذا المجد إنما قام بسعي بجيلة وقوتها وتدبيرها. فالأيدي هنا أيدي قدرة وكسب وسلطان وتصرف، لا خصوص الجارحة التي تنصب الخيام أو تباشر البناء بالطين والحجر.

ونذكر في هذا السياق المثل الذي أوردنا سالفًا وهو: «باليدين ما أوردها زائدة»: والمقصود «بيدين» أي بالقوة والجلادة، و«ما» صلة، و«زائدة» اسم رجل، والمعنى: أورد زائدةُ إبلَه الماءَ بقوة وجدّ، لا بعجز وتراخٍ. والمثل «يُضرب في الحثّ على استعمال الجد.» كما قال أبو الفضل الميداني صاحب أشهر كتب الأمثال وأفضلها.54. وليس على الفعل باليدين حقيقة. و«يُضرب للرجل يزاول الأمر العظيم، فيأخذه بقوة». كما قال أبو هلال العسكري.55

وبهذا يتبين أن اليد إذا أضيفت إلى الفعل، أو دخلت عليها الباء، قد تكون بمعنى القدرة والتمكن. وهذه هي النقطة التي حاول ابن تيمية سدّها بمجرد الدعوى أن الأمر نص على أنه فعله باليد حقيقة، فجاء كلام العرب نفسه يفتحها عليه من كل جهة.

اليد أضيفت لما له يد، ولم يفعل بيده حقيقة

وإذا كان ابن تيمية يقول: «أَّما إذا أضاف الفعلَ إلى الفاعل، وعدَّى الفعلَ إلى اليد بحرف الباء، كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ فإنه نصٌ في أنه فَعَلَ الفعلَ بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلتَ هذا بيديك»، ونعود إلى قول الله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، وقد أوضحنا وجه حمل هذه الصيغة على أن ما يُراد باليد هو النفس — كما تقدم في كلام الأخفش والمبرد — أي ولا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة. وكذلك يصح حمل هذه الصيغة نفسها على مدلول آخر، وأن يكون المقصود باليد كلامًا يُقال وليس فعلًا تم باليد؛ فإذا نظرنا إلى هذه الآية وجدنا أن فيها فعلًا تمت إضافته إلى الفاعل (تلقوا)، وعُدي الفعل إلى اليد بحرف الباء (بأيديكم)، ومع ذلك كان ما فعلوه كلامًا يُقال وليس فعلًا باليد. ففي تفسير هذه الآية يقول الصحابي الجليل البراء بن عازب فيما رواه الطبري عنه بسنده أنه قال: «هو الرجل يُصيبُ الذنوبَ فيُلقي بيده إلى التهلكة، يقول: لا توبة لي.»56 ورواه الطبري بإسناد آخر عن البراء بن عازب قال فيه: «هو الرجل يُذنب الذنبَ فيقول: لا يغفر الله لهُ.»

بل إن الإمام الجصاص له في هذه الآية كلام بديع في كتابه «أحكام القرآن»، فبعد أن ذكر أن لهذه الآية تفاسير كثيرة، منها:
(١) الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا فنصلحها ونَدَعَ الجهاد.
(٢) أن الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو تَرْكُ الجهاد في سبيل الله.
(٣) الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو اليأس من المغفرة.
(٤) وأنه هو الإسراف في الإنفاق حتى لا يجد ما يأكل ويشرب فيتلف.
(٥) هو أن يتقحَّم الحرب من غير نكاية في العدوّ.
ثم قال أبو بكر الجصاص بعد أن أورد هذه التفسيرات الخمسة، التي فيها الإلقاء بالأيدي هو ترك الجهاد، والإلقاء بالأيدي هو اليأس من رحمة الله. قال في نهايتها: «وليس يمتنع أن يكون جميع هذه المعاني مرادةً بالآية لاحتمال اللفظ لها وجواز اجتماعها من غير تضادّ ولا تناف».57 فلك أن تتخيل عزيزي القارئ أن هذه الصيغة (فعل + فاعل + باء + يد)، يحتمل هذه المعاني الخمسة، بل الستة إذا أضفنا لها كلام المبرد، وابن تيمية يقول إنها لا تحتمل إلا معنى واحد!

ومن ذلك قول شُتيم الفزاري وهو شاعر مخضرم، وأنشد أثناء حرب داحس والغبراء يقول:

أدُّوا ذِمامةَ حِصنٍ أو خُذوا بِيَدٍ … حربًا تَحُشُّ الوقودَ الجَزْلَ والضَّرَما58

وقوله: «أدُّوا»: أي أوفوا. «ذِمامةَ حصن»: أي عهده وحقَّه وحرمته. «أو خُذوا بيدٍ حربًا»: أي ائذنوا بالحرب. «تَحُشُّ الوقودَ الجَزْلَ والضَّرَما»: أي تجمع لنارها الحطب الكبير والصغير فتشتعل اشتعالًا شديدًا. فهذا قوله «خُذوا بيدٍ حربًا» والحرب ليست شيئًا يؤخذ بالأيدي، بل معناها اقبلوها. وشرح البيت هذا ليس من عندنا، بل هو ما قاله المفضل الضبي الذي عاش ومات في القرن الثاني الهجري.59

ومنه ما جاء عن المُزَرِّدُ الغطفاني وهو شاعر مخضرم:

بكفّيّ ألقيتُ العصا واشتريتكم … بحيٍّ حلالٍ يحبسون المحابسا60

فقوله: «بكفيّ ألقيت العصا» ليس المقصود منه حركة حسية برمي عصا في الأرض، بل هذه العبارة هي مثل عربي شهير معناه الاستقرار والاختيار والنزول على القوم، كما يقال: ألقى عصاه، أي انتهى واستقر.61 فقوله: «بكفيّ» يفيد أنه فعل ذلك مختارًا من جهته، لا أن محل الشاهد هو أصابع الكف.

اليد أضيفت لما ليس له يد على الحقيقة وإنما قيلت على سبيل التوسع والمجاز

وأصرح من ذلك أن العرب قد تنسب اليد وما في معناها إلى ما لا يد له على المعنى الذي يتنازعون فيه أصلًا.

ومن ذلك قول الشاعر الجاهلي والصحابي بعد ذلك حميد بن ثور، إذ كتب يقول: 

قطعتهما ‌بيديْ ‌عوهجٍ … تُعيي المطيَّ بإصرارها62

والعوهج هي الناقة طويلة العنق. والباء أضيفت إلى يد الناقة، والناقة ليس لها يد حقيقية، فالله يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ، فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ﴾. والناقة ليست لها يد بمعنى يد الإنسان التي عليها مدار النزاع، وإنما لها قوائم. نعم، قد توسع العرب فتسمي مقدمتي الدابة يدين، وهذا هو المطلوب؛ لأن محل النزاع ليس مجرد ورود اللفظ، بل هل يلزم من اللفظ الجارحة الحقيقية؟ وهذا البيت يبيّن أن العرب تستعمل اليد في غير الصورة البشرية المعهودة، وتوسّع اللفظ بحسب المقام.

وأظهر من ذلك قول عننرة بن شداد في معلقته وهو يتحدث عن الذباب فيقول:

خَلا الذُّبابُ بها، فَلَيسَ ببارِحٍ، … غَرِدًا كَفعلِ الشّارِبِ المُتَرَنَّمِ
هَزِجًا يَحُكُّ ذِراعَهُ بذِراعِهِ، … قَدْحَ المُكِبِّ على الزّنَادِ الأجْذَمِ63

فهنا نسب عنترة الذراع إلى الذباب، مع أن الذباب لا ذراع له بالمعنى الإنساني المعروف، وإنما له أطراف وقوائم دقيقة. ثم زاد الصورة وضوحًا بقوله: «بذراعه»، فأدخل الباء على جارحة منسوبة إلى ما لا جارحة له على الحقيقة المطلوبة. فصار الذباب في تصويره كأنه إنسان يحك ذراعًا بذراع، وليس الأمر كذلك في الحقيقة. فإذا جاز في كلام العرب أن يقال في الذباب: «يحك ذراعه بذراعه»، ولا يفهم عاقل أن للذباب ذراعًا حقيقيًا، فكيف يجعلون مجرد قوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ نصًّا في يد حقيقية؟ ولعمري إن هذا تحكم وليس لغة.

أمثلة على أن الأمر غير مقتصر على اليد

وليس هذا مقتصرًا فقط على اليد، بل يصح أن يُضاف الفعل إلى الفاعل، ويُعدّى الفعل إلى «العين» بالباء، ومع ذلك لا يقع الفعل بالعين، ولا تكون للفاعل عين أصلًا. وإليك ما ذكره البُحتري في ديوان الحماسة عن عبد الأعلى بن الصَّامت العبدِي:

أرَى الدَّهْرَ يَرْمِينِي بِعَيْنٍ بَصِيرَةٍ … وَيَرْصُدُنِي بِالْغَيْبِ مِنْ حَيْثُ لا أَرَى64

وذكر الجاحظ رحمه الله  في المحاسن والأضداد، أن إسماعيل بن طريح، قد حج في سنة من السنين، فوقفت عليه أعرابية جميلة. فقال لها: «هل لك أن تزوجيني نفسك»؟ فقالت من غير توقف:

بكى الحسبُ الزاكي بعينٍ غزيرةٍ … من الحسب المنقوص أن يُجمعا معا65

ونفس هذه الصياغة قد قالها قيس بن ذريح، وهو قيس لُبنى، حين بلغه أنه تم هدر دمه:

سأبكي على نفسي بعينٍ غزيرةٍ … بُكاءَ حَزينٍ في الوِثاقِ أَسيرِ66

وكذلك قول الفرزدق:

ولا يمنعونَ نُسيّاتهِم … إذا الحربُ صالت بأظفارِها67

وقوله «نُسياتهم»: مفردها نُسَيَّة، وهي المرأة الصغيرة، ويقال نُسَيَّات. ومعنى البيت: أنهم قومٌ جبناء لا يحمون نساءهم إذا اشتدت الحرب وصالت بأظفارها، ومعلوم أن الحرب ليس لها أظفار.

وإليك بيت امرئ القيس في معلقته وهو يتحدث عن الليل فقال:

فقلت له لمَّا تمطَّى بصُلْبِه … وأردف أعجازًا وناء بكلكلِ

فهذا الليل يتمطى بظهره، وينوء بصدره، وهي أفعال أُسندت إلى الليل وعُدِّيت بالباء، وليس لليل ظهر ولا صدر.

فصحَّ أن يُضاف الفعل إلى الفاعل، ويُعدى بالباء، وتارة تكون للفاعل عين على الحقيقة كقيس لُبنى، وتارة أخرى لا تكون له عين ولا ظهر ولا صدر على الحقيقة كالدهر والحسب والليل. ولا ندري ما الفرق بين الليل الذي يتمطى (بـ)صُلبه وليس له صُلب، وينوء (بـ)صدره وليس له صدر، والحسب الذي يبكي (بـ)عينه وليس له عين، والحرب التي تصول (بـ)أظفارها وليس لها أظفار، والذباب الذي يَحُكُّ بـ(ذراعه) وليس له ذراع، والله الذي يخلق (بـ)يده وليس له يد! وقد تعمدنا أن نذكر فقط الشواهد التي فيها جوارح وأعضاء (كالذراع والظهر والصدر والعين واليد والأظفار) منسوبة لما لا جوارح ولا أعضاء له كي يخرس المجسمة.

ولست تجد في كلام العرب «ولا العجم»

أما هذه الجرأة المتهورة التي يقوم بها ابن تيمية، فهذه تحتاج دراسة نفسية لهذا الرجل، إذ من الصعب أن تصدر من إنسان سويّ العقل أو النفس، أيُعقل أن توجد في كلامه عن اللغة العربية كل هذه الإشكالات ثم يقول: «ولست تجد في كلام العرب ولا العجم إن شاء الله تعالى أن فصيحًا يقول: فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه، إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها»؟ إن هذا الرجل لا يدري شيئًا عن لغة العرب، فلماذا يتحدث عن اللغات الأخرى؟

ومع ذلك، سنذكر كلام العجم، وستجد فيه أفعالًا أُسندت إلى أشياء، وعُدِّيَت إلى اليد بنظير حرف الباء في لغتهم، ومع ذلك لم يكن لتلك الأشياء يد من الأساس. فأعظم شاعر إنجليزي في نظر الأكثرين، ويليام شكسبير، يقول في مسرحية (الملك جون)68: «A fellow by the hand of nature mark’d». ومعناها الحرفي: رجلٌ وُسِمَ بيد الطبيعة، وتقديره: وسمته الطبيعة بيدها، وليس المقصود أن للطبيعة يدًا حقيقية، بل المقصود: رجل جعلته الطبيعة مميزًا بعلامة واضحة.

وكذلك يقول شكسبير في مسرحية (تاجر البندقية)69: «.But sway’d and fashion’d by the hand of heaven» وترجمة هذه العبارة الحرفية هي: ولكنه مُوجَّه ومُشكَّل بيد السماء، وتقديره: أن السماء وسمته بيدها. ومعلوم أن السماء ليس لها يد كي تُوجّه شيئًا.

أما ألكسندر بوشكين وهو أعظم شاعر روسي، فإنه يقول:70

Тебе рукой Фортуны своенравной
Указан путь и счастливый и славный

وترجمته: لقد أُشير لك بيد الحظ المتقلب إلى طريق سعيد ومجيد، أي: لقد أشار لك الحظ بيده إلى طريق سعيد ومجيد.

وإليك بالفارسية، إذ يقول الشاعر والفيلسوف الفارسي ناصر خسرو، إذ كتب في قصيدته يقول: «به دست سالیان شسته زمان از موی تو قطران».71 والترجمة الحرفية هي: «غسل الزمانُ، بيد السنين، القطرانَ من شعرك.»
وسياق العبارة يتحدث عن أثر الزمن والسنين في الإنسان، ولا سيما تغيّر الشعر وذهاب سواده. و«السنين والزمان» لا يد لهما على الحقيقة. فقول ناصر خسرو «به دست سالیان» لا يعني أن يدًا جارحة غسلت الشعرَ، بل يعني أن الفعل وقع بفعل مرور السنين وأثرها وقدرتها على تغيير حال الإنسان. فالعبارة تجعل «يد السنين» كناية عن سلطان الزمن وتأثيره، لا عن يد حسية حقيقية كما هو ظاهر.

فهذا كلام العرب وكلام العجم، وفيه يستخدمون اليد، ويضيفون إليها «الباء» بالعربية و«by» بالإنجليزية، و«рукой» بالروسية، و«به» بالفارسية، ومع ذلك لم يكن الشيء المضافة إليه اليد، له بالفعل يد حقيقية ليفعل بها. فعجبًا لهذا الرجل الذي كلما قال كلمةً أو أبدى رأيًا، اجتمع عليه العربُ والعجمُ يكذبونه فيه! ونقسم لولا مخافة التطويل لذكرنا أمثلةً من الألمانية والإيطالية واليونانية بل والصينية. لكن هذا القدر فيه الكفاية وزيادة.

*****

الحجة الثالثة: لا يقولون يد الهوى

يقول ابن تيمية بعد ذلك:

ومن ذلك أنهم إذا قالوا: بيده الملك، أو عملته يداك، فهما شيئان: أحدهما: إثبات اليد. والثاني: إضافة الملك والعمل إليها، والثاني يقع فيه التجوز كثيرًا، أما الأول فإنهم لا يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له يد حقيقة، ولا يقولون: يد الهوى ولا ‌يد ‌الماء، فهب أن قوله: ﴿بيده الملك، قد علم منه أن المراد بقدرته، لكن لا يتجوز بذلك إلا لمن له يد حقيقة.

فهذه آخر حججه الدفاعية، فلو ألزمته التأويل في آيةٍ كما هو ظاهر في هذه، ولو رددت على حجتيه بالتثنية والباء، فإنه يهرب إلى هذه الحجة الأخيرة، حيث إنه قد يلتزم أن معنى الآية مجازي،  إلا أنها أيضًا تُثبت يدًا حقيقية؛ لأن اليد حتى وإن لم يُفعل بها، إلا أنه لا يصح أن تكون مجازًا إلا لمن له يد حقيقة. فكأنه يقول: لكي تستخدم اليد في المجاز، لا بد لهذا الشيء أن يكون له يد حقيقية، ثم بعد ذلك يمكن استخدامها في المجاز كما تحب.

وجدير بالذكر أن هذه الحجة قد نقلها ابن تيمية نقلًا من عثمان بن سعيد الدارمي، إذ يقول في نقضه على بشر المريسي: «فيستحيل في كلام العرب أن يُقال لمن ليس بذي يدين، أو لم يك قط ذا يدين: إن كفرَه وعملَه بما كسبت يداه… ويستحيل أن يقال: بما كسبت يد الساعة ويد العذاب، ويد القرآن؛ لأنه لا يقال: بيد شيء إلا وذلك الشيء معقول في القلوب أنه من ذوي الأيدي».72

ونقول: وأما قوله «إن العرب لا يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له يد حقيقة، ولا يقولون: يد الهوى ولا يد الماء» فما يبدو لنا أن علم ابن تيمية بالشعر واللغة ضئيل، أفلم يسمع قولَ علي بن علي بن حسان وهو من الشعراء العباسيين وتوفي في القرن السادس إذ يقول:

لمّا تطاول هجره …. وخشيت أنّ العمر ينفدْ

خلّيت عنه يدَ الهوى …. وتركته والهجر في يدْ73

وقد كان محل هذا الشاعر في بغداد في الشرق، ويبدو أنه كذلك لم يسمع قولَ معاصره في الأندلس في الغرب، وهو ابن خفاجة المتوفى كذلك في السادس إذ يقول:

وَقد خَلَعَتْ لَيْلًا علينا يَدُ الْهوى …. رداءَ عناقٍ مَزَّقَتْهُ يَدُ الفَجْرِ74

أي: لقد ألبستنا يدُ الحبّ في الليل رداءً من العناق، ثم جاءت يدُ الفجر فمزّقت هذا الرداء. وكذلك قول أبي الفرج بن هندة، الذي عاش في الرابع جل حياته وتوفي مطلع القرن الخامس:

لِيَهْنِ الشَّامِتِينَ وَقَارُ خَدِّي .… وَإِنِّي نُهْبَةُ الزَّمَنِ الْوَقَاحِ

شَدَائِدُ لَوْ دَهَتْ مَاءً أَثَارَتْ …. غُبَارًا مِنْ ‌يَدِ ‌الْمَاءِ الْقُرَاحِ75

أي: دع الشامتين يفرحون بسكون وجهي وثباتي؛ فقد صرت هدفًا لمصائب الزمان القاسية. وهذه المصائب من شدتها لو أصابت ماءً صافيًا، لأخرجت منه غبارًا. فهذه «يد الماء» و«يد الهوى» التي ادعى أنها غير موجودة في كلام العرب.

وكذلك قول الشريف الرضي وقد عاش جل حياته في الرابع، وتوفي مطلع الخامس:

تجاذبني يد الأيام نفسي …. ويوشك أن يكون لها الغلاب.76

وقوله:

وَلي قَلْبٌ، إذا ذَكَرَ التّلاقي …. تظلم من يد البين المشتِّ

وقوله:

إذا ما حاجة قضيت بسيفي …. شكرت لها يد الليل البهيم

فهل للبين والأيام والليل أيدٍ، فالله أعلم بمن لم يفهم أدب القوم، كيف يقطع بذلك!

وقول أبي فراس الحمداني المتوفى في القرن الرابع:

إِذا اللَّيْلُ أَضْوَانِي بَسَطْتُ يَدَ الهَوَى …. وأَذْلَلتُ دَمْعًا مِنْ خَلائِقِه الكِبْر77

وكان محل دولة الحمدانيين في حلب. وكذلك قول شيخ الشعراء أبو الطيب المتنبي في نفس القرن وهو يقول:

وَلَوْلا أيادي الدّهْرِ في الجَمْعِ بَينَنا …. غَفَلْنَا فَلَمْ نَشْعُرْ لَهُ بذُنُوبِ78

أي: لولا أن الدهر قد أسدى إلينا أياديَ جميلةً بأن جمع بيننا، لكنا غفلنا عن ذنوبه ولم نشعر بما له من إساءات. وقول المتنبي كذلك:

وَكَم لِظَلامِ اللَيلِ عِندَكَ مِن يَدٍ … تُخَبِّرُ أَنَّ المانَوِيَّةَ تَكذِبُ79

والمانوية: هم أصحاب ماني وهم أهل الثنوية، يذهبون إلى أن ظلام الليل هو الشر، وأن النور هو الخير، والمتنبي يرد على هؤلاء الثنويين فيقول: ليس الأمر على ما وصفتموه، بل قد أجد ذلك بالعكس. فإن الليل قد وقاني شر الأعداء، بأن أخفاني عنهم بظلامه. وقوله:

بَدَرَت إِلَيكَ يَدَ الزَمانِ كَأَنَّها … وَجَدَتهُ مَشغولَ اليَدَينِ مُفَكِّرا80

وهذا البيت كان يتحدث فيه المتنبي عن الناقة، فقال إنها سبقت يدَ الزمان، وهي المصائب والكوارث، فكأنها وجدت الزمانَ نفسه مشغولًا فانتهزت الفرصة في قصدك والمجيء إليك. وقد نسب للزمان يدا ويدين بالإفراد والتثنية في نفس الموضع ونفس المعنى. فيلزم مما سبق أن للهوى والماء وظلام الليل، والزمان والدهر أيدٍ حقيقة، وأن اليد تُخبّر، وأن يد الهوى تُبسَطُ وتُلبِس، وأن يد الفجر تمزق.

واقرأ إن شئت قول ابن الرومي في القرن الثالث:

أنشب فيه الدهرُ أظفاره … وعضَّه بالناب والناجذِ81

فهذا الدهر يغرس أظافرَه في الناس، وهذا الدهر يعض بأسنانه التي هي الناب والناجذ.

ومن مدّ عصر الاحتجاج إلى الرابع أو الثالث كان ما سبق حجة عليه، ومن حده بالقرن الثاني فهاك شواهده:

ذكر إمامُ اللغة أبو يوسف ابن السكيت المتوفى مطلع القرن الثالث ناقلًا ما كانت تقوله العرب في معنى جملة «لا أفعله ما…» فكتب يقول: «وكذلك يقال… ولا أفعله أخرى المنون، أي أُخْرَى الدهر. ولا أفعله يد الدهر، وقَفَا الدهر…».82

ونقل مثله الإمام أبو زيد الأنصاري، وكان بصريًا، وهو معاصر له: «ما زال على إست الدهر مجنونًا. وعلى أس الدهر: أي لم يزل يعرف بالجنون.»83 فهذه مجازات واضحة؛ إذ صار للدهر فيها يدٌ وقفًا وإستٌ!

وعاش كلا اللغويين جل حياته في القرن الثاني، وهما ناقلان عمن قبلهما. وجاء في العين لشيخنا الخليل بن أحمد رضي الله عنه، المتوفى في القرن الثاني، قوله: «[باب الجيم والسين والدال….] جدس: جَديسٌ حيٌّ كانوا يناسبون عادًا، وهم إخوةُ طَسمٍ، وكانت منازلهم اليمامة، قال: بوارُ طَسمٍ بيدِي جَديسِ.»84 ولعمرك ما للقبائل يدان بالحقيقة، أو قل أيدٍ فلا فرق والله أعلم.

وإذا كان ابن تيمية يقول: «إنهم لا يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له يد حقيقة»، فإليك قول بشار بن برد المتوفى في الثاني:

فبِيْنِي كما بَانَ الشبابُ إذا مضى …. وكانت يدٌ منه عليّ فَوَلَّتِ85

فهل للشباب يد تكون على الشيء ثم تولي؟ لعله أعلم.

وبيت جرير الذي عاش في القرن الأول وتوفي مطلع الثاني، إذ يقول:

وما كان أبلانا يدا الدهر نبوة … لدى الحرب أو عضَّ السنين الأمالسِ86

وقد رُوي البيت بالإفراد «يدُ الدهر». فهذا بالإفراد والتثنية في نفس الموضع كذلك.

وإذا كان ابن تيمية يقول إنهم لا يقولون «يد الهوى»، فهذا ذو الرمة، عاش في القرن الأول، ومات في بداية الثاني يقول:

عشية لو تلقى الوشاةَ لبيَّنت … عيونُ الهوى ذاتَ الصدور الكواتِم87

فهذا الهوى نسبوا له العيون، اللهم إن كان هناك فرق بين نسبة العين للهوى، ونسبة اليد له!

وقوله كذلك:

أَلا طَرَقَتْ مَيٌّ هَيُوماً بذِكْرِها، … وأَيْدِي الثُّرَيّا جُنَّحٌ فِي المَغارِب88

والهَيوم: هو الذاهب العقل، يعني نفسه. والثُّرَيّا: هي مجموعة من النجوم. وأيدي الثُّرَيّا: أوائلها. وجُنَّحٌ في المغارب، أي: قد دنون من المغرب. يقال: جنح إلى كذا، أي: مال إليه.

فالمعنى: يقول ذو الرمة إن مَيًّا طرقت خياله ليلًا، وهو رجل قد أذهبه حبها وذكرها عن عقله. وكان ذلك في وقت متأخر من الليل، حين مالت أوائل نجوم الثريا إلى جهة المغرب واقتربت من الغروب. فهل للنجوم أيدٍ حقيقة!؟

وكذلك قول الكميت بن زيد الأسدي، وهو الذي قال له الفرزدق: أنت والله أشعر من مضى وأشعر من بقي .وقد ولد في القرن الأول وتوفي مطلع الثاني:

سأبكيك للدنيا وللدين إنني … رأيتُ يدَ المعروف بعدك شُلّتِ89

فهذه مثال آخر على «يد» أُطلقت لجنس ليس له يد حقيقة.

وإذا لم يكفك ما تقدم من شعر الرجال فهاك ليلى الأخيلية، وكانت في عالية نجد، من القرن الأول:

أَأَجْعَلُ مِثْلَ تَوْبَةَ في نَداهُ …. أَبا الذِّبان فُوهُ الدَّهْرَ دَامِ90

وكان توبة بن الحمير رجلًا تحبه ليلى، ورفض أبوها زواجها منه، وتزوجت عبد الملك بن مروان، فقالت لعبد الملك بن مروان وكنيته أبو الذبان، إنه لا مثيل لتوبة وتأسفت على هذا الزمان السيء. والشاهد «فوه الدهر»، فأضِفْه إلى يده ويديه وأياديه وإسته وقفاه.

وكذلك قول قيس بن الملوح مجنون ليلى وقد ولد وتوفي في القرن الأول:

رمتني يدُ الأيام عن قوس غِرَّة … بسهمين في أعشار قلبي وفي سحري91

وإن لم يكفك ذلك فهاك من الجاهليين معهم، فهذا قول قيس بن الخطيم وهو من شعراء الأوس في الجاهلية وفرسانهم وتوفي في زمن النبي ولم يسلم، وكان في المدينة، قال:

بَنو خَطمَةَ الأَبطالُ إِنَّهُمُ بِها …. غُذوا وَعَلَيها يَنشَأونَ يَدَ الدَهرِ92

وهذا كلام أبي ذؤيب الهذلي، وهو شاعر جاهلي مخضرم، أدرك الإسلام وأسلم، ومات في سنة ٢٦ للهجرة:

وَإِذا المَنِيَّةُ أَنشَبَت أَظفارَها … أَلفَيتَ كُلَّ تَميمَةٍ لا تَنفَعُ93

وهنا يتحدث عن المنية وهي الموت، فلم يجعل له يدًا فحسب، بل جعل لها أظفارًا أيضًا. والتميمة هي التي يعلقها الإنسان على صدره لتنجيه من المصائب.

وقالَ الأَعشى وقد توفي في العام السابع للهجرة، وهو من أصحاب المعلقات:

رَواحُ العَشِيِّ وَسَيْرُ الغُدُوّ … يَدا الدَّهْرِ، حَتَّى تُلاقي الخِيارا94

وهذا كلام أمير الشعراء الجاهليين امرئ القيس صاحب المعلقة إذ يقول:

لَقُلْتُ، مِنَ القَوْلِ، ما لا يَزَا …. لُ يُؤْثَرُ عَنِّي، يَدَ المُسْنَدِ95

والمسند هو الدهر، فافهم.

بل هاك كلامه في معلقته:

فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ … وَأَرْدَفَ أَعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ96

وإذا قرأت هذا، ستدرك أن امرأ القيس يصوّر طول الليل وثقله على نفسه تصويرًا حسيًا، كأن الليل جسم عظيم له ظهر وأرداف وصدر، يتمطّى ويثقل ويبطئ في الانقضاء. «فقلت له» أي: قلتُ للّيل. «لما تمطّى بصلبه» تمطّى: تمدّد وتثاقل، كما يتمطّى الإنسان إذا مدّ جسمه. «صلبه»: ظهره أو عموده الفقري. «وأردف أعجازًا» أردف: أتبع شيئًا بشيء، أو جعل خلفه شيئًا آخر. «الأعجاز»: جمع عَجُز، وهو مؤخرة الشيء أو آخره. «وناء بكلكل» ناء: نهض بثقل، أو مال من شدة الحمل. «الكلكل»: الصدر، ويُستعمل غالبًا في صدر البعير أو الحيوان الضخم. وهذا الفعل (تمطى) منسوب إلى الليل، وفيه تعدية بالباء (بصلبه)، ومعلوم أن الليل لا يتمطى، ولو تمطى فليس له صلب.

ولعمرك لو ورد هذا البيت في القرآن، لقال ابنُ تيمية: إن لله صُلبًا وهو الظهر، وأعجازًا وهي المؤخرة، وكلكلًا وهو الصدر، ويجب أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، من غير تأويل ولا تعطيل.

وإذا كان ابن تيمية يقول: «إنهم لا يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له يد حقيقة»، فأضف إلى ما سبق قول سيدنا لبيد بن ربيعة، وهو صاحب المعلقة، ومن الفرسان الأشراف في الجاهلية، وقد وفد إلى النبي ﷺ مسلمًا، حيث يصف الشمس في معلقته قائلًا:

حَتّى إِذا أَلقَت يَدًا في كافِرٍ … وَأَجَنَّ عَوراتِ الثُّغورِ ظَلامُها97

والكافر: الليل، سمي به لكفره الأشياء أي: لستره إياها، والكَفْر: السَّتر، والإجنان الستر أيضًا. الثغر: موضع المخافة والجمع الثغور، وعورته أشده مخافة.

ومعنى البيت: حتى إذا ألقت الشمسُ يدها في الليل أي ابتدأت في الغروب؛ لأن من ابتدأ بالشيء ألقى يده فيه، ولعمرك ما للشمس يد تلقيها في الليل.

وقوله أيضًا في المعلقة:

وَغَداةِ ريحٍ — قَد وَزَعتُ — وَقِرَّةٍ … إِذ أَصبَحَت بِيَدِ الشَمالِ زِمامُها98

ومعنى البيت أن الشاعر يصف صباحًا شديد الريح والبرد، صارت فيه الغلبة لريح الشمال، حتى كأن زمام تلك الريح صار في يد جهة الشمال. والزمام في الأصل ما تُقاد به الدابة، فصوّر الشاعر الريحَ كأنها دابةٌ لها زمام، وجعل هذا الزمام في يد جهة الشمال تسوقها حيث شاءت. فالشاهد هنا أن الشاعر نسب إلى جهة الشمال يدًا، وجعل للريح زمامًا تُمسَك منه، مع أن الشمال جهة لا جارحة لها ولا يد على الحقيقة. والريح هواء لا زمام لها في الحقيقة، وهذا من صريح المجاز في كلام العرب.

فهل للجهات كالشمال والجنوب أيدٍ، لعلك تعرف! وقبله قال ثعلبة بن صُعَيْر المازني، وهو من شعراء الجاهلية:

فَتَذَكَّرا ثقلًا رثيدًا بعد ما … ألقت ذُكاءُ يمينها في كَافِرِ99

يقول ابن السِكّيت في شرح هذا البيت: «يُقال للشمس: ذُكاء… وإنما اشتُقَّ من ذكو النار، وهو تلهبها… [و]قوله «فتذكرا» يعني: ظليما [وهو ذَكَرُ النعام] ونعامة. والثقل: بيضهما. والرثيد: المنضود… وقوله «ألقت ذكاء يمينها في كافر» أي: بدأت في المغيب. و«الكافر»: الليل، لأنه يواري كلَّ شيء».100

ومعنى البيت أن زوجًا من النَّعَام تذكرا بيضهما المرصوص أو الموضوع بعضه بجوار بعض بعدما أخذت الشمس في الغروب. والشاهد أن الشاعر جعل للشمس يمينًا — واليمين أخص من مطلق اليد — مع أن الشمس لا يمين لها على الحقيقة، والليل ليس جسمًا تُلقى فيه اليد. فالعبارة كلها قائمة على التصوير والمجاز.

فهذه أمثلة توضح استعمالهم اليد واليدين بالتبادل كقولهم يد الدهر ويدا الدهر وأيادي الدهر، وأمثلة بالباء، وأخرى لاستعمال اليد والفم واليمين والقفا في حق جنس ليس له هذه الأشياء حقيقة، كالماء والهوى والشمس والنجوم والليل والبين والدهر. فإن جاز إضافة اليد على هذه الجمادات وهذه الأشياء وهي غير حية ولا عالمة ولا فاعلة، دون أن يُقال تشابهت مع الإنسان في الصفةِ أو في الحقيقة، فإن جواز إضافة اليد على ذات الباري وهو الحي العالم الفاعل أولى دون أن يُقال إنه تعالى تشابه مع الإنسان في صفةٍ أو حقيقة.

هذا، ولدينا من الشواهد الشعرية أضعافٌ مضاعفةٌ مما ذكرناه، ولو أردنا الاستقصاء لأوردنا من كلام العرب ما يطول به المقام، غير أن ما تقدّم كافٍ وافٍ لإسقاط قاعدته من أصلها، وكشف عوارها وفسادها، وبيان أنها ليست قاعدةً علميةً محرَّرة، بل دعوى هوجاء متهافتة بُنيت على تفكير قاصر، وفهمٍ مضطرب، وتحكّمٍ ظاهر في لسان العرب؛ إذ لم تقم على استقراءٍ صحيح، ولا على شاهدٍ صريح، ولا على أصلٍ مطّرد، وإنما هي مصادرةٌ يراد بها إلزام اللغة بما لا يلزمها، وردُّ الشواهد المتكاثرة بما لا ينهض للرد. ومن ثمّ فلا حاجة إلى الإطالة، فقد بان فسادها، وسقط اعتبارها، وانكشف ضعفها لمن كان له أدنى نظرٍ في كلام العرب وأساليبهم.

*****

الخاتمة

وللتلخيص نقول: أراد ابنُ تيمية نفيَ تأويل اليد بالقدرة والنعمة باستخدام حجة التثنية، وأن التثنية في اللغة لا تأتي إلا للاثنين حصرًا، والقدرة لا تُثنى، فوجب أن يكون القصد بها شيئًا غير القدرة. وكذلك نِعم الله لا تعد ولا تحصى، فلا بد أن يُراد بها شيئًا غير النعمة. وقد أبطلنا قولَه بكلام الله وكلام رسوله وكلام الصحابة وكلام علماء اللغة بمدارسهم المختلفة، بل بكلام علمائه هو.

وأراد أن ينفي تأويل اليد بالذات، فقد ذكر القرطبي تأويلَ مجاهد بن جبر لهذه الآية وقال: «قَالَ مُجَاهِدٌ: اليد ها هنا بمعنى التأكيد وَالصِّلَةِ، مَجَازُهُ لِمَا خَلَقْتُ أَنَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أَيْ يَبْقَى رَبُّكَ.»101 نقول: أراد ابن تيمية نفيَ تأويل ﴿لما خلقت بيدي بأن يكون معناه: لما خلقت أنا، باستخدام حجة إضافة الباء إلى اليد. وقد رددنا عليه بكلام النبي في حديثٍ في صحيح مسلم، وبكلام شاعر جاهلي وصحابي، وبمثالٍ عربي من أشهر أمثال العرب وفيه أضيف الفعل إلى الفاعل وعُدِّيَ إلى اليدين بالباء، ومع ذلك لم يتم باليدين.

ثم كانت آخر حجج ابن تيمية أن قال: إنه وإن تم الرد على حججه السابقة وأنه يصح المجاز في اليد، إلا أنه لا بد أن توجد يد حقيقية حتى يصح استخدام المجاز بعد ذلك، ورددنا عليه بأبيات شعرية من الشرق في العراق، ومن الغرب في الأندلس، ومن نجد في الجزيرة العربية، ومن الشمال من حلب في سوريا، ومن القرن السادس، والخامس، والرابع، والثالث، والثاني، والأول، ومن الشعراء الجاهليين، ومن المعلقات، ومن شعراء المعلقات في غير معلقاتهم. أي أن العرب لم تتوقف في الزمان ولا في المكان عن هذا الاستعمال الذي نفاه هو وقال إنه ليس في لغة العرب.

وهذه شجيرة في شكل صورة لاختصار دليل ابن تيمية بأكثر طريقة موجزة ممكنة:

هذا ونريد أن نؤكد أن هذه الآية هي أقوى دليل نقلي يتبجح به هؤلاء المجسمة على الإطلاق في إثبات اليدين لله، فكانت هذه الآية هي أول دليل استدل به في إثبات اليدين لله في كتابه «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»،102 وكانت هذه الآية هي أول دليل استدل به في «العقيدة الواسطية».103 وكانت هذه أقوى دليل استدل به في كتاب «بيان تلبيس الجهمية»،104 وكذلك كانت هذه الآية من أقوى أدلته في «العقيدة التدمرية».105 بل إن الذهبي في رسالته «إثبات اليد لله صفة من صفاته»، بدأ الرسالة هكذا بالحرف الواحد:

إثبات اليد لله صفة من صفاته، قال تعالى: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي106

وقد ذكر الذهبيُ في هذه الرسالةِ ٧٨ نصًّا وخبرًا للاستدلال على إثبات اليد صفةً لله، وكانت هذه الآيةُ أولَ ما صدَّر به كلامَه، بل قدّمها على سائر أدلته الثمانية والسبعين. 

أما الآن، وبعد أن تم نقض دليلهم هذا، فلم يبق لديهم دليل من المنقول، ولا حجة من المعقول لإثبات هذه العقائد الوثنية، تعالى ربنا وتقدس. فالحمد لله الذي لم يجعل لهؤلاء حجة إلا وكانت وبالًا عليهم، وشاهدةً على تلبيسهم وتدليسهم، فلا هم أصابوا في معقولهم ولا في أدلتهم المنطقية، ولا هم أصابوا في فهم اللغة، ولا هم أصابوا في فهم القرآن، ولا هم اتبعوا الأحاديث، ولا هم أصابوا في فهم كلام الصحابة، ولا كلام العرب، ولا أشعارهم في معلقاتهم، ولا أشعارهم في غير معلقاتهم، ولا اتبعوا أي مدرسة من مدارس النحو واللغة. فسبحان من تنزّه عن تجسيم المجسّمة، حتى انعقد برهانُ العقلِ ولسانُ العرب، ومعه لسان العجم، على فساد مذهبهم.

أتينا كي نرى فيما استدلُّوا … فكانَ حجاجُهم وهمًا وظنّا

فقالَ: يدٌ، تكونُ كما أردتمْ … وأمّا الاثنتانِ فما أجزنا

فمعنى اثنينِ لا يأتي بفردٍ … ولا فردٌ يرادُ بما يُثنَّى

ومثَّلَ بالرجالِ وكانَ هزلًا … وبَسَّطَ بالحديثِ كما تمنَّى

وقالَ الباءُ إن لُصقت بعضوٍ … يكونُ به الوقوعُ ولا يُكنَّى

وقالَ القومُ ما نسبوا الأيادي … لمن ليست يداهُ كما عهدنا

فجئنا بالأدلّةِ دونَ لَأْيٍ … وأبطلنا الثلاثةَ واستزدنا

Facebook
Twitter
LinkedIn