الرؤية في الإسلام

بسم الله الرّحمنِ الرّحيمِ، وبه نستعينُ: 

لقد أخذَ المسلمون ردحًا طويلًا بعد مضيّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله إلى ربّه يحررون أمّهاتِ مسائل هذا الدّين الفتيّ فقهًا، وعقيدةً، وحكومةً، وغيرها. 

وكان من بين ما شغل ألبابهم، أصل هذا الدين الأصيل، وعروته الوثقى، ألا وهو توحيد الله تبارك وتعالى، وتنزيهه عمّا لا يُناسب عظيم شأنه وجلال قدرِهِ؛ حتى لا يقع المسلمون فريسة التجسيم الذي قد عاصروه، لمّا أن رأوا اليهود قد جسموا الله تعالى، ونسبوا إليه التعب، والإعياء، وطيّ السماوات والأرض باليمين، وماعرفوا الله تعالى حق قدرهِ، سبحانه وتعالى عمّا يصفون.

ومن هنا بدأ النقاش في مسألةِ الرّؤية، وصورتها: هل الله تبارك وتعالى مرئيّ؟ أي: هل تصحّ رؤيته بالعَينِ؟ وهل يثبت أنّ المؤمنون وغيرهم، سيرون ربّهم يوم القيامة في الجنة أو المحشر؟

ثم اختلفوا، هل الله تعالى رُئي في الدّنيا؟ وهل يمكن أن يُرى في الدّنيا في الحقيقةِ، أو المنامِ؟ 

ولتحقيق كل هذا، فإنّه ينبغي التنبيه على عقائد كبار مدارس المسلمين الكلامية في هذه العقيدة: 

أوّلًا: جواز الرؤية، بل التيقّن من وقوعِها يوم القيامة، وإليه يذهب عامّة المسلمين من أهل السّنة، كالأشاعرة، و مفوّضةِ الحنابلة، وأهل الحديث أتباعِ مدرسةِ ابن تيميّةَ. 

ثانيًا: جواز الرؤية، ووقوعها يوم القيامة، مع عدم تحققها في الدنيا لا للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله، ولا لأحمد بن حنبل، ولا لغيرهِما، وهو مذهب عامّةِ من تقدّم ذكرهم، وخالف فيه بعضهم كما سيأتي. 

ثالثًا: نفي الرؤية مطلقًا، وأنّ الله تعالى غير مرئي، فضلًا عن جواز وقوع ذلك في الدنيا أو في الآخرة، وهو مذهب الإماميّةِ، والزّيديّةِ، والإسماعيليّةِ، من الشّيعة. و عامّة المعتزلةِ، وقليل من الأشاعرة، والإباضيةِ من أهل السنة. 

وقد استدلّ كل واحدٍ منهم بأدلةٍ على مطلوبه؛ ينبغي تحقيقها لنيل المرام في هذه المسألةِ. 

أولًا : أدلة مثبتي الرؤية، فاستدلوا بعددٍ من الأدلة هي:

1- آيات القرآن الكريم

2- التواتر عن النبي صلى الله عليه واله، وأصحابه

3- الدليل العقلي

4- الإجماع. 

أمّا استدلالهم بالقرآن، فاستدلوا بعددٍ من الآياتِ، هي: 

1- قوله تعالى : ﴿وُجُوهٌ يَومَئِذٍ ناضِرةٌ (22) إِلَى رَبِّها نَاظِرَةٌ (23)﴾ سورة القيامة. 

وهذه الآية هي عمدة استدلالهم على تجويز الرّؤية، ولكنّه غير تامٍ بحالٍ؛ فالفعل نظر يجوز أن يكون بغير معنى الرؤية، لا خلاف، وأكثر (نظر) في القرآنِ على غير معنى الرؤية، ومن ذلكَ: 

قوله تعالى : ﴿ثُمَّ نَظَرَ (21)﴾ سورة المدثر، وهي بمعنى فكَّرَ وتدبَّر في الأمر. 

وقوله تعالى : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ (210)﴾ سورة البقرة، وهي بمعنى ينتظرونَ. 

وقوله تعالى : ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ (88)﴾ سورة آل عمران. 

وقوله عن لسان بلقيس : ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾  سورة النمل. ومعناها : منتظرة. 

 ولكنّهم أضافوا إلى الاستدلال مزيد بيانٍ؛ لإتمامهِ، فقالوا: 

أنّ الفعل (نظر) حين تعدّيهِ بإلى، فإنَّه لا يفيد إلا الرؤية الحسّية الحقيقية، كقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ (127)﴾ سورة التوبة، وغير ذلك من الأدلة؛ ومعه فدلالة الآية على الرؤية تامّ.

ولكن : هذا  البيان غير تامٍّ، حيث أن الفعل (نظر) يتعدّى بإلى، ولا يفيد النظر الحقيقي، وذلك ثابت في اللّغة، والشّرع، ومنه قول حسّان بن ثابت: 

وُجوهٌ يوم بدرٍ ناظراتٌ … إلى الرّحمنِ يأتي بالفلاحِ 

وقول غيرهِ: 

ويومٌ بذي قارٍ رأيتَ وجوهَهم … إلى الموتِ من وقعِ السيوف نواظرُ

وقول آخر: 

وجوهٌ يوم بكرٍ ناظراتٌ … إلى الرّحمنِ تنتظرُ الخلاصَا

وقول الكميت: 

وشعث ينظرون إلى بلالٍ … كما نظر الظباء حيا الغمامِ

وقول آخرٍ: 

إنّي إليكَ لما رجوتُ لناظِرٌ … نظر الفقيرِ إلى الغنيّ الموسِرِ

وكلها بمعنى الانتظار. 

وقال ابن منظور في لسان العرب: (وتقول نظرت إلى كذا وكذا من نظر العين ونظر القلب، ويقول القائل للمؤمل يرجوه : إنما ننظر إلى الله ثم إليك أي إنما أتوقع فضل الله ثم فضلك).

وقد نقل الزمخشري أنّه رأى امرأةً من العرب تستجدي الناس، فقالت: (عيني نويظرة إلى الله و إليكم). 

وقد يطرق لمسامعك أن بعض اللّغويين قال: أنّ تفسير ﴿إلى ربّها ناظرة﴾ بأنّها منتظرة، غلط، كما هو في لسان العرب وغيره، وهذا لا ينفي أصل مجيء نظر إلى بمعنى الانتظار، بل هم نفوا أن يكون تفسير الآية بالانتظار، للآثار الواردة في بيان الآيةِ، وسيأتيك بيانه مفصلًا.

هذا البيان في اللغة.

وأمّا في الشّرع: 

فقوله تعالى: ﴿فنَظِرَةٌ إلى مَيسِرةٍ (280)﴾ سورة البقرة. 

وقوله: ﴿انظُرنِي إِلَى يَومِ يُبعَثُونَ (14)﴾ سورة الأعراف. 

وقوله: ﴿الّذِينَ يَشتَرُونَ بعَهدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)﴾ سورة آل عمران. 

والأوليين بمعنى الأنتظار، والأخرى بمعنى الرّحمة، قال الطبري في ذيل آية آل عمران: ﴿وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ)، ولا يعطف عليهم بخير، مقتًا من الله لهم، كقول القائل: انظرني نظر الله إليك). 

ورووا عن النبي صلى الله عليه وآله: (ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، والمنان فيما أعطى، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) رواه مسلم.

هذا، و ودعوى أنّ: نظر، إذا تعدّى بإلى لا يفيد إلّا النظر الحسّي ليس عليها دليلٌ يُقَوِّمّها من النطق العربي، ولا من القياس اللّغوي. 

و يرد على استدلالهم بهذه الآية أيضًا، أمور: 

1- يظهر من عقائد عامّة هؤلاء المستدلّين أنّهم يثبتون رؤية الله تعالى في الجنّة، لا في المحشر، وهذه الآية لا تفيد ذلك؛ فالظّاهر من هذه الآية أنّ هذا البيان وصف الحال في المحشر، لا في الجنّة، بقرينة المقابلة بين حالهم، وحال أهل العذاب، حيث قال : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)﴾ سورة القيامة. 

وذلك ببيان أنَّ: (أن) في الآية حرفُ نصب المضارع لما يُستقبَل من الزّمان، يعني أن ما يكسر فقار ظهرهم، وهو عذاب جهنم لم يحن بعدُ،  وإنّما سيكون مستقبلًا، فكذلك أهل الجنة، وهم في المحشر منتظرون ثواب ربهم العظيم سبحانه وتعالى. 

وقد أشار القرآن الكريم إلى حالة أهل الرحمة في المحشر في غير آيةٍ، فقال تعالى : ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40)﴾ سورة عبس، ولا خلاف أنّ هذا في المحشر، لا في الجنّة، روى الطبري في ذيل الآية (37) بإسناده عن عائشة: (يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إني سائلتك عن حديث أخبرني أنت به، قال: ” إن كانَ عِنْدي مِنْهُ عِلْمٌ” قالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر الرجال؟ قال: ” حفاةً عُرَاةً ” ، ثم انتظرت ساعة فقالت: يا نبيّ الله كيف يُحْشر النساء؟ قال: ” كَذلك حُفاةً عُرَاةً ” ، قالت: واسوأتاه من يوم القيامة، قال: ” وعَنْ ذلك تَسألِيني؟ إنَّهُ قَدْ نـزلَتْ عليّ آيَة لا يَضُرُّكِ كانَ عَلَيْكِ ثيابٌ أمْ لا”، قالت: أيّ آية هي يا نبيّ الله؟ قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. 

2- يتقدّم — إن شاء الله تعالى — أنّ الدليل العقلي مفضٍ لاستحالة الرؤية؛ فيجب تأويل الآية بما يصحّ ويتسقّ مع الدليل العقلي على وجهٍ معتبرٍ في اللّغة، ووجهنا — بحمد الله — معتبر، بل هو المتعيِّن كما ظهر.

3- صحّت بعض الآثار عن التابعين أنّ (ناظرة) في الآية بمعنى منتظرة لثواب ربّها، روى ذلك الطبري عن مجاهد بأسانيد كثيرةٍ فيها الصّحاح، وأبي صالح.

وقد رواه الإماميّة عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام، عن أمير المؤمنين عليه السّلام، وعن أبي الحسن الرّضا عليه السّلام. 

وممّا تقدّم يظهر أنَّ الاستدلال بالآية على وقوع الرؤية و تجويزها فاسد؛ لا يصحّ بوجهٍ . 

2- استدلّوا — أيضًا — بقوله تعالى : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (15)﴾ سورة المطففين. 

فقالوا : بمفهوم المخالفة، مادام الكافر يومئذٍ محجوبٌ عن ربّه، فالمؤمن يرى ربَّه. 

ولكنّه يقال: أنَّ هذه الآية ليست في الحساب الأكبر حتى يُستدّلَّ بمفهوم المخالفة أن المؤمن لا يحجب عن ربِّه في الجنّة، وإنّما – يومئذٍ – أفادت وقوعه في المحشر أيضًا، فقد أردف الله تعالى الآية بقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيم (16)﴾، فـ (ثم) أفادت : تراخي الزّمان بين الحجب، وبين العذاب الأكبر، بل حق الاستدلال أن يُقالَ أنّ الكافر يوم القيامة في المحشر محجوب عن نعيم ربّه ورحمته، والمؤمن ليس محجوبًا عنها، بل منتظرٌ لها، كما تقدّم في الآية الآنفِ بيانها. 

وقد أشار الطبري إلى أنّ في المفسرين من حمل الآية على هذا الوجه، قال: (وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك: إنهم محجوبون عن كرامته) وروى أثرًا عن قتادة فيه. 

وقد استدلّ بعضهم بكلامٍ للشافعي أنّ هذه الآية دليل على تجويز الرؤية ووقوعها، وقيمة كلامه قيمة دليله، وهو كما ترى. 

هذا، وروى الطبري ما لايلائم الاستدلال بالمخالفة، من أنّ الكافر يرى الله أيضًا، عن الحسن البصري قال: (يكشف الحجاب فينظر إليه المؤمنون والكافرون ثم يحجب عنه الكافرون وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية) واحتجّ به ابن كثير أيضًا في تفسيرِهِ. 

فالحقّ أنّ دلالة هذه الآية على المراد أقصر من سابقتِها، ولا تصلح بوجهٍ. 

3- واستدلّوا بقوله تعالى : ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26)﴾ سورة يونس. فقد رووا في تأويلها الأحاديث عن النبي صلى الله عليه واله، والآثار عن الصّحابة، والتابعين، أنّ الزيادة: (رؤية الله في الجنة) ببيان: 

أنّ كل نعيم الجنة الذي يستحقه المُحسِن إنّما هو من الحُسنى، كالأرائك، والطعام، وتدلل الثمار، والحور، والأنهار، وغير ذلك، إلّا رؤية الله، فإنّها زيادة على هذه الحسنى لأنّها ليست من جنسِها، ولا يجوز تفسير الزيادة بشيءٍ من جنسِ نعيم الجنّة؛ للزوم التكرار، وهو باطل. 

ولكنّ الحق أن يقال : أنّ الاستدلال بهذه الآية — دون الحديث والأثر المرويّ فيها — لا يُسعف بحالٍ، فالآية عطفت الحسنى و زيادتها على ثوابٍ من الله تعالى وهو عدم القتر والذلة، ثم أخبر أنّهم من أصحاب الجنّة، فلو كانت الحسنى هنا هي الجنة، لما صار لتتمة الآية معنًى، ولكنّ فهم الآية الصّحيح متوقف على تأمل ما بعدها، حيث قال الله تعالى : ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ (27)﴾ سورة يونس، فالمراد بالحسنى في الآية هي جزاء الإحسان الذي فعلوه، و الزيادة هي مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها، لكنّ المسيء سيجازى بسيئةٍ مثل ما فعل، ولا علاقة للحسنى و زيادتها بنعيم الجنّة لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ.

هذا، وقد روى الطبري آثارًا في تفسير (الزيادة) بغير الرؤية عن عليٍّ عليه السلام، وعن غير واحدٍ من التابعين، وروى أيضًا الوجه الذي بيّناه، عن ابن عباس، وعلقمة، والحسن البصريّ، ومجاهد، وابن زيد. 

فلا يصحّ تمسكهم بهذه الآية في إثبات وقوع الرؤية بحالٍ، إلّا اللهم بالنظر إلى الحديث و الآثار، وسيأتي تمام القول فيه قريبًا؛ فانتظر. 

4- واستدلوا بقوله تعالى : ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)) سورة الكهف، وقوله تعالى : (مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ (5)﴾ سورة العنكبوت، ونحو ذلك من الآيات، ووجه الاستدلال أن يقال: أنّ الأصل في (اللقاء) هو الاستقبال بين المتلاقين، مع نظر كل واحدٍ منهما إلى الآخر، وهو يثبت الرؤية. 

ولنا في الآية كلامٌ مع الأشاعرةِ و أقرانهم : فإنّا إن سلّمنا بقولكم، أليس لنا و للسلفيةِ أن نقول جميعًا: أنّ الأصل في اللقاء أن يكون كل واحدٍ منهما في جهةٍ من الآخر ؟ و أن يتوجّه بصر كل واحدٍ منهما للآخر ؟ ، فإن قالوا من أين وجه اللزوم، قلنا: لوازم النظر الذي أثبتموه أنّه الأصل في المقابلة، فإن قالوا لسنا نسلِّم بذلك، أجبنا: ونحن لسنا نسلّم بأنّ الأصل في اللّقاء هو هذا؛ لأنّه لا وجه فيه معتبر من لغةٍ أو قياسٍ؛ وإلّا ففقدّموهُ. 

هذا، وقد ذكرت بعض معاجم اللّغةِ أنّ لقاء اللهِ تعالى هو البعثُ، كما هو في معجم اللّغة المعاصِرة. 

وبعض آيات القرآنِ ذكرت أنّ اللقاء هذا هو الحشرُ والبعث ونحو ذلك، قال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُم (147)) سورة الأعراف، أي : الحشر فيها، و الثواب، والعقاب. 

وقال تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا (7)﴾ سورة يونس، ونحو ذلك من الآيات، فمن ذا الذي لا يرجو لقاء الله الحسّي، بأن ينظر إليه! مؤمنًا كان أو كافرًا ؟ وإنّما هم لا يرجون البعث و الحساب و الجزاء، كما عبّر الله عنه بالنسيان، كما هو قوله : ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا (51)﴾ سورة الأعراف. 

وقال الطّبريّ : (والله الذي يرجو هذا الراجي بلقائه ثوابه، السميع لقوله: آمنا بالله، العليم بصدق قيله، إنه قد آمن من كذبه فيه) فاللقاء عنده الثواب، لا الرؤية. 

فلا يصلح الاستدلال بهذا النّحوِ من الآيات، ونحوِها على جواز الرؤية ووقوعها، كما رأيت فسادَهُ. 

5- استدلّوا أيضًا بآياتِ الأعرافِ : ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ  قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)﴾. واستفادوا جواز الرؤية من هذه الآيات، بالنحو الآتي: 

1- طلب موسى عليه السلام من ربّهِ الرؤيا، ولو كانت الرؤية مُحالة؛ لما جاز من موسى عليه السلام أن يطلب ذلك، وهو نبيّ من أنبياء الله أولي العزم، ولا يصحّ أنّ نبيًا من أولي العزم يعرف كل البراهين، وحدودها الوسطى يجهل ذلك، ويأتي المعتزلة، والإمامية، ومن سواهم، فيقول عندي برهان على امتناعها!

2- لم ينفِ الله تعالى جواز رؤيته، بأن يقول : (أنا غير مرئي) بل نفى حدوث فعل الرؤية بقوله : ﴿لن تراني﴾ وهذا الخطاب لا يفيد أكثر من نفي أن يرى موسى الله تعالى لا عدم جوازها. 

3- علّقَ الله تعالى رؤيته على الممكن عقلًا، وهو استقرار الجبل؛ فاستقراره، أو تضعضعهِ ليس محالًا عقلًا، وليس يجوز تعليق ما هو محالٌ عقلًا على ما هو ممكن عقلًا. 

وقد قال بعض المعتزلة : (زاحم المجبّرةُ أهل الحقّ كثيرًا في هذه الآيةِ)، ولكنّك سترى أنّ كل ما ذكروهُ فاسد ليس يصلح للاستدلال بوجهٍ، فنقول: 

1- طلب موسى عليه السلام الرؤية لنفسه محلّ نزاعٍ، فقد روينا بالأسانيد المعتبرةِ عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أن موسى قد طلب الرؤية لقومه، وتحدث بلسان نفسه؛ لأنّ قومه طلبوا منه أن يقدّم نفسه؛ لأن الله سيستجيب له، ولن يستجيب له إذا قدَّم قومه، وقد أخبر الله تعالى عن طلب قوم موسى عليه السّلام من موسى الرؤية، فقال : ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً (153)﴾ سورة النساء، وهذه الآية، أحداثها نفس أحداث آيات الأعراف، حيث عطف الله قوله الأول هذا على : ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُّبِينًا (153)﴾ الأعراف، فطلبهم الرؤية كان قبل اتخاذهم العجل، كما هو المستفاد من (ثم)، وهو مذكور في آية الأعراف، حيث قال تعالى : ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)﴾ سورة الأعراف. 

هذا، ولا يقال أن موسى في ميقات الآية كان وحده، فصريح القرآن أنّ معه رجال، قال تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)﴾ سورة الأعراف. و الرّجفة هذه هي الصّاعقة التي أصابتهم لما تجلّى الله للجبل، كما أخبر سبحانه.

ولا يقال ها هنا: أنّ الرؤية لو لم تكن جائزة لما طلبها موسى عليه السلام لقومه؛ فهو خطأٌ؛ لِأَنَّ بني إسرائيل علّقوا إيمانهم بالله تعالى على الرؤية، فطلبها لهم؛ ليريهم أنَّ الله لا يرى، فيؤمنوا بذلك ويتقوا الله من هذا السؤال العظيم، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ سورة النساء. فهو سؤال عظيم كبير؛ أجابهم موسى ليريهم عظمة سؤالهم هذا وشدة قبحه. 

2- ما ذكروه في (2) لا يصحّ أيضًا، فإنّ عبارة (لن تراني) وإن كانت لاتفيد امتناع الرؤية؛ فهي كذلك لا تفيد جواز الرؤية، وليس الإمامية وغيرهم يستدلون بهذه العبارة على نفي الرؤية، بل إنّهم جعلوا استدلالهم بها بضميمة القرائن الأخرى التي سيوافيك بيانها إن شاء الله في ذكر أدلة من ينفي الرؤيةَ. 

3- وماذكروه في (3) لايقصر في الضعف عن أخويه؛ فإنَّ الله تعالى لم يُعَلِّق الرؤية على إمكان استقرار الجبل؛ حتّى يصحّ لهم قولهم، وإنّما عَلَّقَ الرؤية على استقراره، واستقراره لم يحصل، بل هو محال؛ لأنّ استقراره وهو متحرّك محال عقلًا، فكانتِ الرؤية محالةً، وسيأتيك بيانه مفصلًا في ذكر أدلة نافي الرؤية. 

هذا ذكر ادلتهم بكتاب الله تعالى، والمتحصّل: أنَّه ليس في القرآن الكريم ما يؤيّد مقالهم في تجويز الرؤية، بل سيأتيك أن القرآن على خلافه، وبيانه غير بعيدٍ؛ فتدبَّر. 

Facebook
Twitter
LinkedIn