من الصعوبة بمكان أن يكتب الإنسانُ في مسألةٍ كتب فيها الصديقُ الكريم الدكتور رائد السمهوري؛ إذ الرجل لا يترك صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، ولا يجد القارئُ بُدًّا إلا أن يتأثر بأسلوبه وطريقة بحثه ونقده، ولا أزعم أنني سآتي بجديد في هذا الصدد، لكن لدي بعض الإضافات القليلة مستعينًا بما كتبه في كتابه الأخير «ابن تيمية التاريخي والمُستعاد.»
لا أظن أن هناك مسألة أظهر من قضية خلق القرآن يتضح فيها بشكل جلي وفج كيف زوّر ابنُ تيمية التاريخَ والدينَ والمذهبَ الحنبلي؛ إذ لا يخفى على أيِّ عاقلٍ أن الحنابلة يقولون بقدم القرآن، ولهذا جُلد أحمد، وبهذا أجاب في مناظرته، وبهذا اعترض عليه المأمون، وبهذا كتب الحنابلة في كتبهم، وجادلوا وناظروا عن هذا القول على مدار التاريخ الإسلامي منذ نشأتهم، وبهذا تمتلئ كتب المقالات عنهم. وإذ فجأةً، وبعد قرون من هذا القول، يأتي ابن تيمية في القرن السابع ليقول: لم يقل أحدٌ من السلف إن القرآنَ قديمٌ، بل هو محدث، كان بعد أن لم يكن. وهذا كان قول المعتزلة بعينه. وأخذ ابنُ تيمية يعيد تلفيق كلام مشايخه، وتزوير التاريخ، وإعادة قراءة النصوص، حتى فعل بالمذهب الحنبلي أكبر عملية احتيال وتدليس وتزوير يمكن أن يشهدها مذهب من مذاهب المسلمين.
اقرأ إن شئت لابن تيمية وهو يقول: «فإن الأئمة والسلف اتفقوا على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، بل هو الذي تكلم به بقدرته ومشيئته، لم يقل أحد منهم إنه مخلوق، ولا إنه قديم.»1 مع أن أحمد بن حنبل نفسه كان يقول إن القرآن قديم، فحين سأله المعتصم: ما تقول في القرآن؟ قال أحمد: كلام الله، قديم غير مخلوق.2 وإسحاق بن راهوية كان يقول إنه قديم، وحين سُئل عن قوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ قال: قديم من رب العزة، محدث إلى الأرض.3 وابن منده قال في كتابه «التوحيد»: «فمن الصفات التي وصف بها نفسه، ومنح خلقه الكلام فالله عز وجل تكلم كلاما أزليًا غير معلم ولا منقطع.»4 وقال اللالكائي في كتابه «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة»: «سياق ما روي عن النبي ﷺ مما يدل على أن القرآن من صفات الله القديمة وحكي عن آدم وموسى عليهما السلام كذلك.»5
فالسلفيّون، الذين يتمحكون ويتمسحون في الانتساب إلى السلف من الصحابة والتابعين، لم يكونوا سلفيّين في مذهبهم، ولا متّبعين لأئمتهم الذين يتظاهرون بالانتساب إليهم. فأحمد بن حنبل، الذي يزعمون الانتساب إلى مدرسته، قد خالفوه في جوهر ما قرّره وأصّله، فلم يأخذوا بقوله ولا ساروا على نهجه. فكيف تُتصوَّر لمجموعة تخالف إمامها ومذهبها وأعلامها، أن تدّعي في الوقت ذاته أنّها على منهج وعقيدة النبي ﷺ وصحابته الكرام وتابعيهم؟ وإذا كانوا مخالفين لسلفهم الأقرب لهم، فكيف يُنتظر منهم أن يكونوا تابعين لسلف المسلمين كافة؟
وبغض النظر عن عملية التزوير والتدليس التي فعلها ابن تيمية في المذهب الحنبلي، سواء في مسألة التفويض، أو في صفة الكلام، فإن ما يهمني في هذا السياق هي دعوى ذكرها ابن تيمية، فقد قال في كتابه «منهاج السنة النبوية»، إن اعتقاد أهل السنة هو أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق «والنقول بذلك متواترة مستفيضة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وتابعي تابعيهم»6 وقال كذلك في نفس الكتاب: «وهذا قول السلف قاطبة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين: أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق.»7
العجيب أن ابن تيمية وهو يقرر «تواتر» الصحابة و«استفاضة» أقوالهم على أن القرآن غير مخلوق، إذ به يقول كما ورد في «مجموع الفتاوى»: «وكما لم يقل أحدٌ من السلف إنه مخلوق، فلم يقل أحدٌ منهم إنه قديم. لم يقل واحدًا من القولين أحدٌ من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا مَن بعدهم من الأئمة الأربعة ولا غيرهم؛ بل الآثار متواترة عنهم بأنهم كانوا يقولون القرآن كلام الله. ولما ظهر من قال إنه مخلوق، قالوا ردًا لكلامه: إنه غير مخلوق.8
وإن الإنسان ليعجب من هذا الرجل الذي لا يكاد يقول رأيًا إلا وهو يناقض نفسه بنفسه، فتارة يقول إن الصحابة تواترت النقولات واستفاضت عنهم بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وتارةً أخرى يقول إن النقولات تواترت أنهم كانوا يقولون إن القرآن كلام الله فقط، ولما ظهر مَن قال بإنه مخلوق، قالوا ردًا لكلامه إنه غير مخلوق. فعلى أي شيء تواترت النقولات عن الصحابة: بأن القرآن كلام الله وفقط، أم بأنه كلام الله غير مخلوق؟
ولقائل أن يقول: ربما استفاض القولان، وتواتر عن الصحابة القولان؛ إذ كانوا يقولون بأن القرآن كلام الله وفقط، ولما ظهر القول بخلق القرآن، أضافوا بعد ذلك بأنه غير مخلوق؟ فتواتر القول الأول عن الصحابة، وتواتر القول الثاني عنهم حين ردوا على من قال القرآن مخلوق.
نعم، يمكن أن تكون هذه هي الحال لولا سبب واحدٌ يمنع من ذلك، وهو أن ابن تيمية نفسه يخالف هذا الترقيع الجميل، فهو يقر بأن القول بخلق القرآن لم يحدث في عصر الصحابة أصلًا، إذ يقول:
ثم في أواخر عصر الصحابة حدثت القدرية في آخر عصر ابن عمر وابن عباس؛ وجابر؛ وأمثالهم من الصحابة. وحدثت المرجئة قريبًا من ذلك. وأما الجهمية فإنما حدثوا في أواخر عصر التابعين بعد موت عمر بن عبد العزيز وقد روي أنه أنذر بهم وكان ظهور جهم بخراسان في خلافة هشام بن عبد الملك وقد قتل المسلمون شيخهم الجعد بن درهم قبل ذلك ضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال: يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد بن درهم علوًا كبيرًا. ثم نزل فذبحه.9
كما نقل ابن تيمية كثيرًا كلام اللالكائي إذ قال: «ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال القرآن مخلوق الجعد بن درهم في سني نيف وعشرين.»10 وإذا كان آخر الصحابة موتًا هو أبو الطفيل عامر بن واثلة، التي تتضارب الأقوال في سنة وفاته، لكن لو أخذنا أقصاها فهي سنة ١١٠ هجريًا، وأول من قال بخلق القرآن كان بعد وفاته بأكثر من عشر سنين، فكيف يموت جميعُ الصحابة عن بكرة أبيهم ثم يردون على قولٍ نشأ بعد وفاتهم؟ كيف يقول الصحابةُ القرآن غير مخلوق وهم جميعًا أموات في قبورهم؟!
لا أظن أن ابن تيمية سيكون لديه كبير إشكال في أن يقول الصحابةُ مقالةً ويتواترون عليها، وهم أمواتٌ في قبورهم؛ إذ الموتى عنده يتحركون ويخرجون من قبورهم ويمشون، يقول ابن تيمية عن عذاب القبر: «وقد يقوى الأمر حتى يظهر ذلك في بدنه. وقد يُرى خارجًا من قبره والعذاب عليه وملائكة العذاب موكلة به، فيتحرك بدنه ويمشي ويخرج من قبره. وقد سمع غيرُ واحد أصواتَ المعذبين في قبورهم وقد شُوهد من يخرج من قبره وهو معذب.»11
أما القارئ الكريم، فلا أظنه يوافق ابن تيمية في قوله هذا، وأظن أنه من السخف أن يُفلت الميتُ من أيدي ملائكة العذاب. فلا أدري هل ملائكة العذاب عاجزة عن أداء عملها ووظيفتها، حتى يهرب منها الميت، ويخرج من قبره، ويجري وهم يجرون خلفه ليمسكوا به؟ أهؤلاء ملائكة أقوياء أشداء، أم أنهم أضعف من أقل سجان في بلادنا حتى يهرب منهم ميت عاجر مدفون في قبره؟
نعود إلى تناقض أقواله، فتارة يقول إنه تواتر أن الصحابة قالوا القرآن غير مخلوق، ثم هو يقول تارة أخرى، لم يتحدثوا في هذه المسألة حتى ابتدعها الناس، فقالوا ردًا لكلامه القرآن غير مخلوق؟ أقول: لندع هذا التناقض جانبًا، ودعونا نسلم بأن الصحابة قالوا إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن قولهم هذا تواتر واستفاض عنهم، فكم يا تُرى عدد هؤلاء الصحابة الذين «تواتر» عنهم و«استفاض» هذا القول؟
سنجد أن ابن تيمية لم يذكر إلا ثلاثة أشخاص لا رابع لهم، علي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن مسعود. نعم عزيزي القارئ، «التواتر» «المستفيض» عن الصحابة يعود إلى ثلاثة لا رابع لهم. ولنبحث في هذا التواتر المستفيض المروي عنهم.
١- علي بن أبي طالب.
يقول ابن تيمية:
«فصل: ومع هذا فقد حفظ عن أئمة الصحابة كعلي وابن مسعود وابن عباس هذا القول، وفي ذلك حجة على من يزعم أن أقوال هؤلاء الأئمة بدون الصحابة ليس بحجة. فروى اللالكائي من طريقين، من طريق محمد بن المصفى، ومن طريق الفضل بن عبد الله الفارسي، كلاهما عن عمرو بن جميع أبي المنذر، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، قال: لما حكم علي الحكمين، قالت له الخوارج: حكمت رجلين؟ قال: ما حكمت مخلوقًا إنما حكمت القرآن. ورواه عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناد آخر إلى علي، وقال: حدثنا محمد بن حجاج الحضرمي المضري، حدثنا يعلى بن عبد العزيز، حدثنا عتبة بن السكن الفزاري، حدثنا الفرج بن يزيد الكلاعي، قال: قالوا لعلي يوم صفين حكمت كافرًا أو منافقًا؟ قال: ما حكمت مخلوقًا، ما حكمت إلا القرآن.»12
بناءً على كلام ابن تيمية، فالرواية عن علي بن أبي طالب لها ثلاثة طرق، طريقان عن عمرو بن جميع، والطريق الثالث عن عتبة بن السكن الفزاري
ولسنا بحاجة إلى كثير بحث لنعلم من هو عمرو بن جميع هذا، إذ كفانا ابن تيمية مؤنة البحث وأخبرنا هو عنه فقال: «وعمرو بن جميع ممن لا يحتج بنقله، بل قال ابن عدي: يتهم بالوضع. قال يحيى: كذاب خبيث. وقال النسائي والدارقطني: متروك. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، والمناكير عن المشاهير، لا يحل كتب حديثه إلا على سبيل الاعتبار.13
إذن ابن تيمية يستدل بحديث هو نفسه يعلم أنه راويه كذاب خبيث وضّاع متروك، ولا يحتج بنقله، بشهادة ابن تيمية نفسه، فابن تيمية يقول في النص السابق: «وفي ذلك حجة على من يزعم أن أقوال هؤلاء الأئمة بدون الصحابة ليس بحجة». ثم هو نفسه يقول: «وعمرو بن جميع ممن لا يحتج بنقله.»
أما الطريق الثالثة عن علي بن أبي طالب فهي طريق عتبة بن السكن، وهذا الرجل قال عنه الدارقطني: متروك الحديث، وقال عنه البيهقي: واهٍ منسوب إلى الوضع.14
إذن الطرق الثلاثة التي جاء بها الحديث عن علي بن أبي طالب، لا تقول إلا أن هذا الحديث موضوع، رواه كذاب، خبيث، والآخر رواه واهٍ متروك الحديث. ثم لو سلمنا أن طرق الحديث صحيحة لا مطعن فيها، فما هذا الفهم السقيم للحديث؟ هل كانت مشكلة الخوارج في تحكيم شيء مخلوق أو أزلي؟ هل هذا خطر في بال الخوارج أصلًا أو في بال الإمام علي؟ إن أي عاقل سيقرأ هذا الحديث سيعلم أنهم يقصدون بالمخلوق الإنسان، فهم يقولون لعلي: هل حكمت بيننا إنسانًا، فقال: لم أحكم إنسانًا وإنما حكمت القرآن. فتحكيم القرآن لأنه هو الكتاب الفصل، وهو الذي يرضى جميع المسلمين بحكمه، أما غير القرآن من الناس، فلا يرضى أحد بحكمهم، فهم يصيبون ويخطئون. وإلا فما علاقة القدم والحدوث بالتحكيم؟ إن الذي يفهم الحديث على أن مشكلة الخوارج مع الإمام علي كانت مشكلة قديم أو محدث، هو شخص مرفوع عنه القلم.
على كل حال، لم يتبق من هذا «التواتر المستفيض» عن الصحابة إلا شخصان.
٢- عبد الله بن عباس
يقول ابن تيمية: «وأما قول ابن عباس، فقال الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدثنا أبي حدثنا ابن صالح بن جابر الأنماطي حدثنا علي بن عاصم، عن عمران بن حدير، عن عكرمة قال: كان ابن عباس في جنازة، فلما وضع الميت في لحده، قام رجل فقال: اللهم رب القرآن اغفر له. فوثب إليه ابن عباس، فقال: مَهْ، القرآن منه. زاد الصهيبي في حديثه فقال ابن عباس: القرآن كلام الله وليس بمربوب، منه خرج وإليه يعود.»15
أما علي بن عاصم هذا الذي روى هذا الحديث، فقد قال يحيى بن معين عنه: «كذاب، ليس بشيء.»16 وقال النسائي عنه: «كذاب، متروك الحديث.»17
إذن الصحابي الثاني لا تثبت الرواية عنه، إذ هي راويها كذاب متروك الحديث. ولم يتبق الآن من هذا «التواتر المستفيض» عن الصحابة إلا شخص واحد.
٣- عبد الله بن مسعود
يقول ابن تيمية:
«وأما قول ابن مسعود، فمن المحفوظ الثابت عنه، الذي رواه الناس من وجوه كثيرة صحيحة. من حديث يحيى بن سعيد القطان وغيره، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن أبي كنف. قال: قال عبد الله من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين، قال: فذكرت ذلك لإبراهيم قال فقال عبد الله: من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين، ومن كفر بحرف منه فقد كفر به أجمع.
وروى محمد بن هارون الروياني، حدثنا أبو الربيع حدثنا أبو عوانة، عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن حنظلة بن خويلد العنزي، قال: أخذ عبد الله بيدي، فلما أشرفنا على السد إذ نظر إلى السوق، قال: اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها. قال: فمر برجل يحلف بسورة من القرآن وآية، قال فغمزني عبد الله بيدي ثم قال: أتراه مُكفرًا؟ أما إن كل آية فيها يمين.
ولا نزاع بين الأمة أن المخلوقات لا يجب في الحلف بها يمين، كالكعبة وغيرها، إلا ما نازع فيه بعضهم من الحلف برسول الله صلى الله عليه وسلم لكون الإيمان به أحد ركني الإيمان. وقوله: عليه بكل آية يمين. قد اتبعه الأئمة وعملوا به؛ كالإمام أحمد وإسحاق وغيرهما، لكن هل تتداخل الأيمان إذا كان المحلوف عليه واحدًا، كما لو حلف بالله لا يفعل، ثم حلف بالله لا يفعل، هذا فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد.»18
وأستحلف القارئ بالله، هل قرأ نصًا عن ابن مسعود يقول فيه: القرآن كلام الله غير مخلوق؟ أم الحديث يقول: من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين؟ إذن الصحابي الوحيد الباقي، والرواية اليتيمة الباقية ليست نصًا في المسألة أصلًا، بل أراد أن يستدل ابن تيمية بها بأن الأيمان لا تنعقد بالمخلوقين، والعجيب أنه بعد ذلك قال إن بعض العلماء خالفوا في الحلف برسول الله، فالحلف به تنعقد به اليمين. إذن هو أبطل في نفس السطر قاعدته الأولى، فتخيل عزيزي القارئ، رجل يأتي بحديث خارج محل النزاع، ثم إذا حاول حشره والاستدلال به، ووضع قاعدةً، جاء هو نفسه وفي نفس السطر ونقض هذه القاعدة.
لكن الذي يجب الوقوف عنده أن ابن تيمية حين أورد رواية ابن مسعود قال «إنها من المحفوظ الثابت عنه، الذي رواه الناس من وجوه كثيرة صحيحة.» مع أنه لم يقل هذه الجملة في أي رواية أخرى ذكرها، فابن تيمية كان يعلم يقينًا أن هذه الرواية صحيحة، وأن الروايات الأخرى باطلة رواها كذابون ووضاعون ومتركون. فلماذا — مع علمه بأن الروايات الأخرى موضوعة ومكذوبة — أراد أن يستدل بها في مقام الاحتجاج على خصومه؟
لا يخلو الأمر من احتمالين اثنين لا ثالث لهما:
أوّلًا: أن يكون ابن تيمية حَشويًّا، حاطبَ ليل، ينقل ما هبّ ودبّ، يحشو الأقوال ويسترسل في ذكر الروايات دون تمييز بين صحيحها وسقيمها، فلا يفرّق بين الرواة العدول والرواة الكذابين. وهذا مقام الجاهل الذي لا يضبط أصول العلوم ولا يمسك بميزان التمييز والمعرفة والفهم.
ثانيًا: أن لا يكون جاهلًا ولا غافلًا، بل يكون عالِمًا بمواضع الضعف والكذب والوضع في تلك الأخبار، ومع ذلك يورِدها عامدًا ليخدع بها خصومه، فيلبس الحق بالباطل، ويدلّس على الناس، ويستعمل الكذب ذريعةً لإثبات دعواه. وفي هذه الحال، فإن وصفه بالمدلّس، الكاذب، الخائن لدين الله، يصبح لازمًا، لأنه يكذب على الصحابة ويستعمل الروايات الموضوعة سلاحًا في خصومته، غير مراعٍ لحرمة دين ولا أمانة علم ولا قداسة قرآن ولا مكانة صحابة.
وهذان الاحتمالان — وكلاهما مرّ — يجعلان القارئ أمام صورة حرجة: إمّا صورة الجاهل الغافل، وإمّا صورة العالم المخادع المدلس، ولا ثالث بينهما.
*****
هذا وإنّ التناقضَ في كلامهم ليس خفيًّا ولا محتاجًا إلى كبير جهدٍ لكشفه، فهو بادٍ في أقوال علمائهم، وفي منهجهم المزعوم، وفي جرحهم وتعديلهم الذي لا يزن عندي جناح بعوضة. بل إني لا أسمّي أحدًا من أولئك «عالمًا»، فإنّ الحشوية — بكل علماءهم وبكل ما نقلوه وما دوّنوه — لا يُذكر قولهم إلا على جهة التندر والضحك والسخرية. ورحم الله الإمام الرازي إذ قال: «وزعمت الحنابلة والحشوية أن الكلام المركب من الحروف والأصوات قديم، وهذا القول أخسّ من أن يلتفت العاقل إليه».19 وقد صدق، أسكنه الله الفردوس، فما ذاك إلا مذهب أخسّ وأوضع من أن يُعنى به عاقل.
وما أردت إلا أن أبيّن هذا التخبّط الذي غرقوا فيه، والتناقض الذي لا يفارقهم في قول ولا رأي ولا عقيدة. ورحم الله إمامنا أبا القاسم الكعبي البلخي، إذ عقد في كتابه «قبول الأخبار ومعرفة الرجال» فصلًا عن أهل الحديث سمّاه: «باب ما رووه عن كثيرٍ منهم من الركاكة والسخف وقلة المعرفة، مما نحن براء من أكثره».
وأقول: إن هذا التناقض ظاهرٌ في كل ما تكلّموا به، وفي كل رأيٍ ارتضَوه، وفي كل عقيدةٍ دوَّنوها، وفق منهجهم وجرحهم وتعديلهم وكتبهم. أمّا لو أردنا أن نحاكمهم إلى مناهجنا نحن، ونقيسهم بمعاييرنا نحن، لما وضعناهم أصلًا في زمرة العقلاء، بل لاعتبرناهم أخسَّ من أن يُلتفت إليهم أو يُحشروا في صفوف أهل الفكر والنظر.