كثيرًا ما يردّد الإنسان أفكارًا ويظن أنه مقتنع بها، لكنه يكتشف لاحقًا أن هذا الاقتناع لم يكن حقيقيًا، وأنه لم يتجاوز حدود الكلام. لا يشعر الإنسان بمعنى ما يقول فعلًا إلا عندما يراه متجسّدًا أمامه في الواقع. منذ صغرنا ونحن نسمع أن للجهاد صورًا متعددة: جهاد بالسيف، وجهاد بالمال، وجهاد بالنفس، وجهاد بالكلمة. وأنا أعلم هذا الكلام وأؤمن به مذ كنت طفلًا صغيرًا، لكني — وأقسم بالله — لم تكن هذه الفكرة قد وصلت إلى قلبي واستقرت به يومًا، وبقيت في حدود المعرفة فقط والكلام والألفاظ، حتى جاءت حرب غزة الأخيرة. عندها رأيت أشخاصًا كثيرين يجسّدون معنى الجهاد بالكلمة بالمعنى الحرفي للكلمة. رأيت أناسًا لا يحملون سلاحًا، بل أقلامًا، ويقفون بها في وجه الظلم. من بينهم الصحفي البريطاني «أوين جونز» (Owen Jones)، والأكاديمي اليهودي الأمريكي «نورمان فينكستين» (Norman Finkelstein)، والإعلامي «مهدي حسن» (Mehdi Hasan)، وكذلك المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين «فرانشيسكا ألبانيزي» (Francesca Albanese). هؤلاء، في نظري، مجاهدون بالكلمة بحق.
هذا الكتاب هو ترجمة لما كتبته واحدة من هؤلاء الأبطال، السيدة الشريفة النبيلة «فرانشيسكا ألبانيزي»، وكونها مقرّرة خاصة للأمم المتحدة في فلسطين، فهي الأقدر على فهم هذا الواقع قانونيًا، وكذلك عمليًا إذ عاشت في فلسطين ردحًا من الزمن.
أخيرًا، نسأل الله أن يرحم شهداءنا جميعًا، وأن يجازيهم خير الجزاء، وأن يغفر لهم ويتجاوز عنهم، وأن يكتب لهم ما قدّموه من نضال وصمود في صحائفهم. أما نحن، فلا نملك إلا الاعتراف بتقصيرنا، وطلب العفو منهم عمّا قصّرنا فيه، ونسأل الله أن يغفر لنا ذلك. ونَعِدُ أرواحهم أن نسير على دربهم ما استطعنا، وأن نبقى أوفياء لما قدّموه، وألّا ننسى تضحياتهم ما حيينا.
تحميل الكتاب من موقع أرشيف: هنـــا
تحميل الكتاب من موقع ميديا فير: هنــا


