المواقف السياسية للمعتزلة، مونتجمري وات، ترجمة محمد رضا

مقدمة تعريفية

هذه ترجمةٌ لمقالٍ كتبه أحدُ المخضرمين الغربيين، وواحد من الفحول الكبار في مجال الدراسات الإسلامية وهو القِسّ والبروفيسور «ويليام مونتجمري وات» W. Montgomery Watt (1909–2006) — الذي كان مؤرخًا إسكتلنديًا وباحثًا في الدراسات الإسلامية، وأستاذَ كرسي الدراسات العربية والإسلامية في جامعة إدنبرة.

وُلد «مونتجمري وات» بمنطقة Fife بجوار مدينة إدنبرة في إسكتلندا. ونشأ في بيئة مرتبطة بالمؤسسة الدينية البروتستانتية في إسكتلندا، لأن والده كان قسًّا في كنيسة إسكتلندا، لكنه توفّي وهو رضيع (عمره نحو 14 شهرًا)، فتربّى «وات» على يد أمه في إدنبرة.

تلقّى «وات» تعليمه الأساسي في مدرسة (George Watson’s College) في إدنبرة، ثم درس في جامعتي إدنبرة وأكسفورد، وحصل خلال ست سنوات على ثلاث درجات: درس الكلاسيكيات (Classics) في جامعة إدنبرة، ثم درس في جامعة أكسفورد العلوم الإنسانية والفلسفة، وكانت أطروحته عن كانط. أما أطروحة الدكتوراه التي تقدم بها في جامعة إدنبرة فكانت بعنوان «حرية الإرادة والجبرية في صدر الإسلام» (Free will and predestination in early Islam). والتي لم أقرأها أنا بعد، ولو قرأتها ووجدت فيها إضافةً لترجمتها إلى العربية. كما قضى فصل صيف 1934 في جامعة ينا (Jena) بألمانيا يدرس الفلسفة.

يُعدّ عام 1937 مفصليًا في سيرته؛ فأثناء تحضيره للدكتوراه في إدنبرة، ولأسباب مالية، استضاف «وات» نزيلاً مسلمًا اسمه «منَّان» (K. A. Mannan)، وكان طالب طب بيطري من باكستان من جماعة الأحمدية. ومن خلال النقاشات الطويلة معه بدأ «وات» يقول إنه تعرف إلى الإسلام بعد أن كان شبه جاهل به، وشعر بأنه لا يناقش شخصًا منفردًا بل نظامًا فكريًا وحياتيًّا عمره قرون.

رُسِم «وات» في الكنيسة الأسقفية الإسكتلندية (Scottish Episcopal Church) شماسًا سنة 1939 ثم كاهنًا سنة 1940. في بدايات خدمته كان معاون كاهن في لندن (1939–1941). وتذكر المصادر أن الكنيسة التي كان يعمل بها تضررت في قصفٍ خلال الحرب العالمية الثانية، فانتقل لاستكمال التدريب في كنيسة في إدنبرة. ثم تأتي محطة هامة في حياته وهي سفره وذهابه إلى القدس بين 1943 و1946 حيث عمل «وات» متخصصًا في اللغة العربية مع أسقف القدس الأنغليكاني. هذه السنوات الثلاث تُذكر كثيرًا بوصفها لحظة انتقال حاسمة من اهتمام نظري بالإسلام إلى احتكاك أوسع بفضائه الثقافي والديني.

شغل «وات» منصب مدرس مساعد في الفلسفة الأخلاقية بين 1934 و1938 (قبل رسامته الكهنوتية)، ثم بعد الحرب عاد إلى إدنبرة وتولّى التدريس في تخصص الفلسفة القديمة. وبعد ذلك انتقل تدريجيًا إلى العربية، فصار محاضِرًا، ثم مدرسًا، ثم أستاذًا مساعدًا بين 1947 و1964.

وفي عام 1964 تولّى كرسي الأستاذية في اللغة العربية والدراسات الإسلامية في جامعة إدنبرة حتى تقاعده عام 1979، وهي المرحلة التي اشتهر فيها اسمه عالميًا بوصفه أحد أبرز غير المسلمين كتابةً عن السيرة النبوية والفكر الإسلامي.

لم يتعامل الدكتور «وات» مع الإسلام بوصفه خرافة تاريخية أو مجرد ظاهرة اجتماعية، بل كان يرى أن القرآن وحي من عند الله، وأن محمّدًا ﷺ تلقّى تجارب دينية حقيقية. كما رأى «وات» أن الصورة المشوهة عن الإسلام في أوروبا كانت جزءًا من بناء هوية أوروبية سلبية (تعريف الذات عبر نفي الآخر)، ولذلك أمضى حياته في مقاومة موجات التعصب والدفع باتجاه الحوار بدل الشيطنة. كما ذكر كثيرًا أن الوحدانية التي كانت طاغية في القرآن جعلته يغير عقيدته المسيحية فيما يخص الثالوث.

هذا هو رابط الورقة العلمية لمن يريد الرجوع إليها: هنــا


نص الورقة العلمية

المواقف السياسية للمعتزلة
بقلم «ويليام مونتجمري وات» (W. Montgomery Watt)

تمثل الصفحات الآتية محاولةً لبلوغ فهم أعمق لعلم كلام المعتزلة، من خلال دراسة المواقف السياسية التي تبناها أنصار هذا المذهب. وأنا مدين بدرجة كبيرة للعمل الرائد الذي أنجزه «هـ. س. نيبيرغ» (H. S. Nyberg)، ولا سيما مقالته «المعتزلة» Muʿtazila في Encyclopedia of Islam، فضلًا عن تحقيقه لكتاب «الانتصار» وإذا انتهيتُ إلى استنتاجات مغايرة، فإن ذلك يرجع إلى أن عمله أتاح إمكان التوصل إلى تقدير أكثر جذريةً للمصادر.

طبيعة المصادر كما تكشف عنها روايات الجهمية

تحيط بفرقة الجهمية عدة مسائل غامضة. فعلى الرغم من أنها تشغل مكانةً ثانويةً في مؤلفات أصحاب كتب الفرق المتأخرين، مثل «البغدادي» (ت. 1037) و«الشهرستاني» (ت. 1153)، فإنها تُعد في بعض المؤلفات الأقدم واحدةً من الفرق الكبرى. وهي تحتل موقعًا بارزًا في كتاب الإبانة لـ «الأشعري» (ت. 935)؛ كما أن من أصل إحدى وسبعين صفحة من كتاب المحدث «محمد بن علي بن خشَيش» (ت. 867) التي نقلها «الملطي»، خُصِّصت خمس وثلاثون صفحة للجهمية، مقابل سبع صفحات للمرجئة، وثماني للرافضة، وتسع للقدرية، وسبع للخوارج.1

وما يزيد الأمر غموضًا أننا نعجز عن تسمية أي فرد من هذه الفرقة غير مؤسسها. فقد ذكر رجل يُدعى «نعيم بن حماد»، الذي سُجن نحو سنة 846 بسبب إنكاره خلق القرآن، وتوفي في السجن، أنه كان في وقت من الأوقات جهميًا،2 وهو ما يُفهم منه – من بين أمور أخرى – أنه كان يقول بخلق القرآن. ويُقال إن «بشر بن غياث المريسي» (ت. 833 أو بعد ذلك بقليل) وأبناء جيله قد نشروا «مذهبًا جهميًا»،3 غير أنهم لا يُعدّون منتمين إلى فرقة الجهمية نفسها. ولا يبدو أن ثمة أفرادًا آخرين ذُكروا على أنهم من الجهمية، باستثناء رجال يُنسبون عادةً إلى فرق أخرى (كما في القائمة التي سيجري النظر فيها لاحقًا).

ونستمد جانب كبير من معلوماتنا عن الجهمية من الحنابلة أو من رجال يشاركون الحنابلة نظرةً فكريةً قريبة. فقد كان «أحمد بن حنبل» (ت. 855) يعدّ جهميًا كل من قال إن التلفظ بالقرآن مخلوق، أو أنكر علم الله.4 وقد كتب ردودًا على الجهمية، كما كتبها أيضًا «ابن قتيبة» (ت. 884)، و«خشَيش» (كما سبق ذكره)، و«عبد الله بن أحمد» (ت. 903)،5 و«عثمان بن سعيد الدارمي» (ت. نحو 895)،6 و«عبد الرحمن بن أبي حاتم» (محدث، ت. 939)،7 و«ابن منده» (محدث، ت. 1005).8 

كما أورد «الأشعري» (ت. 935، وكان يصرّح باتباعه لابن حنبل) في كتابه (الإبانة)، و«ابن خزيمة» (ت. 923) في كتابه (كتاب التوحيد)، حججًا موجهةً ضد الجهمية. وتبدو الآراء المنسوبة إلى الجهمية، كما وصفها الحنابلة وانتقدوها، قريبةً جدًا من آراء معتزلي مثل «أبي الهذيل»، ولذلك يكاد يكون من المؤكد عمليًا أن كثيرًا من الآراء التي وصفها الكتّاب الحنابلة بأنها «جهمية» لم تكن في حقيقتها سوى آراء رجال يُعرفون عادةً باسم “المعتزلة”.

ويؤكد ذلك ما أورده «ابن بطّة» في قائمته للرجال الذين اتبعوا جهمًا أو تعاطفوا معه؛ فباستثناء «بشر المريسي» و«برغوث»، اللذين يُصنَّفان أحيانًا على أنهما معتزليان، وأحيانًا مرجئان، وأحيانًا بطرائق أخرى، فإن جميع الأشخاص الذين يمكن التعرف عليهم في هذه القائمة يُعدّون عمومًا من المعتزلة.9 

والخلاصة التي يمكن الوصول إليها حتى هذه المرحلة هي أن مصطلح «الجهمي» كان لفظًا تقريعيًا استخدمه الحنابلة. وقد استُعمل هذا المصطلح أحيانًا استعمالًا فضفاضًا، على نحوٍ يشبه استعمال لفظي «ماركسي» و«فاشي» بوصفهما ألفاظ ازدراء. ويبدو أن الآراء التي أُدينت في الأصل بوصفها «جهمية» كانت القول بخلق القرآن، والقول إن الله لم يتكلم حتى مع موسى (على خلاف ما يقرره القرآن)، وأنه لا يتصف بصفة الكلام.10 ثم أُلحق بذلك لاحقًا الإنكار العام لصفات الله، واعتماد التأويلات المجازية للقرآن، وهما أمران كامنان في الآراء السابقة، وعدّا أيضًا من السمات المميزة للجهمية.11

وقد ألّف رجلٌ ارتدّ عن المعتزلة، هو «ابن الراوندي» (ت. 910؟)، كتابًا هجائيًا فظًّا ضد رفاقه السابقين (وقد ردّ عليه «الخياط» في كتاب الانتصار)، وذكر فيه جهمًا بوصفه معتزليًا؛ غير أن «الخياط»، وهو ينفي ذلك، يقرّ بأن هذا الرأي كان شائعًا.12 ومن اللافت للنظر أكثر اقتباسٌ شعريٌّ منسوب إلى «بشر بن المعتمر» (ت. 825) ينكر فيه النسبة الشائعة لـ «ضرار بن عمرو» إلى المعتزلة، ويصرّح بأنه كان من أتباع جهم، وأن أتباع جهم لا صلة لهم بأتباع «عمرو بن عبيد»، أي المعتزلة.13

وعند هذه النقطة يمكن تسجيل تعقيدٍ إضافي. فقد استُخدم مصطلح «الجهمي» أيضًا عند أتباع المذهب الفقهي لـ «أبي حنيفة» (ت. 767). فالمقالة العاشرة من (الفقه الأكبر) تهاجم الجهمية بسبب إنكارهم عذاب القبر (وهو عذاب يقع بين الموت والبعث — وهو من معتقدات العامة التي أقرها الإسلام، وإن لم يرد ذكرها في القرآن)؛ ويرى «أ. ي. فنسنك» أن هذا المعتقد قد يرجع في أصله إلى «أبي حنيفة» نفسه،14 وإن كانت الصيغة التي وصلتنا — وبالتالي لفظ «الجهمية» — متأخرة. ويُقال إن «إبراهيم بن طهمان» (ت. نحو 780)، وهو فقيه في خراسان وُصف بأنه حنفي وإن لم تتضح صلته بـ «أبي حنيفة»، كان معارضًا شديدًا للجهمية؛ غير أن هذا قد لا يعني أكثر من أنه كان يعارض جهمًا، أو — وبما أن الرواية مصدرها «أحمد بن حنبل» — أن لفظ الجهمية استُخدم هنا بالمعنى الخاص لدى الأخير.15 

كما استخدم «إبراهيم بن يوسف» البلخي (ت. نحو 854) لفظ «الجهمي» في وصف من ترددوا في تكفير القائلين بخلق القرآن.16 وبما أن «بشر المريسي»، وهو من أبرز ناشري الأفكار الجهمية، كان حنفيًا، فيبدو أن بعض فقهاء الحنفية أبدوا اهتمامًا باللاهوت العقلي أو الفلسفي، في حين عارضه آخرون بشدة. غير أن استعمال لفظ «الجهمي» في الأوساط الحنفية ظل محدود الأهمية، ثم اندمج لاحقًا في الاستعمال الحنبلي بعد الهجوم الذي شنّه الحنابلة على القول بخلق القرآن.

ويبدو أن الرأي الوحيد القادر على تقديم تفسيرٍ كافٍ لمجمل هذه الوقائع هو ما يلي: إن اسم «الجهمي» بدأ يُستخدم في الأوساط الحديثية، وربما قبل سنة 800، للدلالة على أشخاص رفضوا آراءً معينة كانت مقبولة حتى ذلك الحين لدى جمهور المسلمين. وليس واضحًا لماذا أصبح اسم جهم لقبًا مشينًا؛ إذ لم يكن الجهم بن صفوان أسوأ حالًا من غيره من الثوريين، سوى أن جماعته تحالفت أحيانًا مع الأتراك ضد مسلمين آخرين.17 أما الرواية التي تزعم أنه بسبب الشك امتنع عن الصلاة أربعين يومًا، فترجح كونها اختلاقًا واختراعًا متأخرًا.

وبما أن «بشر بن المعتمر» ينفي أي صلة له بجهم، فلا بد أن المعتزلة كانوا يُوصَفون بالجهمية قبل وفاته (نحو 825). ويُحتمل أن يكون ذلك في زمن المحنة (833–849)18 حين أدخل «أحمد بن حنبل» وأتباعه مصطلح «الجهمي» في الاستعمال العام لوصف المذهب الرسمي للدولة. وقد استاء المعتزلة — وكان بعضهم على صلة وثيقة بالسلطة — من وصفهم بأنهم أتباع ثائرٍ مشكك في دين الله، وسعوا إلى قصر هذا اللقب على فئة محدودة من القائلين بخلق القرآن ممن لا يشاركون سائر الآراء المعتزلية. وقد نجحوا في ذلك إلى حدٍّ كبير، لأن معظم أصحاب كتب الفرق كانوا إما معتزلة، أو اعتمدوا على مصادر معتزلية.

وعلى الرغم من التفصيل الواسع الذي أفرده أصحاب كتب الفرق للجهمية، فإنه لم تكن هناك في الواقع فرقة قائمة بهذا الاسم. فأولئك الذين ذكر «البغدادي» في «ترمذ» أنهم صاروا حديثًا أشاعرة لا بد أنهم يمثلون نوعًا من التجمّد الغريب لآراء رجال مثل «ضرار» أو «النجار».19 أما جهم نفسه، فمن المرجح أن القليل جدًا يمكن معرفته عنه على وجه اليقين. فالآراء المنسوبة إلى أتباعه — أو حتى إليه شخصيًا — ثم التي جرى نقضها، ليست آراء جهمية مجهولين، بل هي آراء رجال حقيقيين نعرفهم بالفعل، غير أننا نشير إليهم باسم المعتزلة أو بأسماء أخرى غير الجهمية. وبذلك تنتفي «المسألة غير المحلولة» المتعلقة بالعلاقة بين جهم و«أبي الهذيل»20؛ إذ تصبح القضية مسألة مقارنةٍ بين عرض أصدقاء «أبي الهذيل» لآرائه، وعرض خصومه لآرائه وآراء قريبة منها.

ويؤدي ذلك إلى إثارة التساؤل عمّا إذا كان ينبغي قبول الرواية الشائعة عن تأسيس المعتزلة على يد «واصل بن عطاء»، أم أن هذه الرواية من اختراع «بشر بن المعتمر» لدفع التهمة عنه بأنه كان جهميًا. وقبل النظر في هذه المسألة، يحسن بنا أن نستعرض ما تعلمناه للتو عن طبيعة المصادر، وأن ننظر في السياق التاريخي للمواقف السياسية لبعض أبرز المعتزلة. ويمكن تسجيل أربع نقاط في هذا الشأن.

(1) لقد تأثر التاريخ المبكر للفرق بالجدالات اللاحقة إلى حدٍّ كبير، على نحوٍ يشبه ما حدث في التاريخ السياسي المبكر للإسلام. فلا يمكن دائمًا أخذ التصريحات على أنها موضوعية أو شبه موضوعية، بل ينبغي دائمًا الانتباه إلى من قال القول. وعلى وجه الخصوص، فإن أسماء الفرق تكون دائمًا نسبيةً إلى المتكلم. فعندما كتب «عمرو بن عبيد» ردًّا على القدرية،21 لم يكن يهاجم المذهب المعتزلي في حرية الإرادة؛ إذ كان لفظ «القدري» مصطلحًا تقريعيًا تبادلت استعماله جماعتان مختلفتان،22 وكان يعني لفظ «القدري» عند «عمرو» أولئك الذين ينكرون حرية الإرادة.

(2) إن المعلومات المحددة عن أشخاص بعينهم، ممن نعرف شيئًا عن تاريخهم، أكثر موثوقيةً وأعلى قيمةً من الأوصاف العامة للفرق.

(3) تُعدّ الروايات المبكرة — في الغالب — أكثر قيمة من الروايات المتأخرة. ومع ذلك، فإن بعض الروايات المتأخرة التي تخالف الآراء الشائعة (أي الآراء المعتزلية–الأشعرية) قد تكون قد حفظت شيئًا من المادة الأصيلة.

(4) إن الأقوال المتعلقة بالماضي، ولا سيما تلك الخاصة بـ «علي» و«طلحة» و«عثمان» ونحوهم (وسيُناقش بعض أمثلتها قريبًا)، لم تُنشأ في الأصل بدافع اهتمام أكاديمي بالتاريخ، بل استجابةً لحاجات سياسية معاصرة. ولذلك ينبغي النظر إليها في سياق حياة الشخص الذي أطلق تلك الأقوال. فقد كان السياق الذي عاش فيه «واصل»، و«بشر بن المعتمر»، و«الجبائي» مختلفًا اختلافًا كبيرًا، وحتى لو استخدموا العبارات نفسها، فلا بد أن تلك العبارات كانت تنطوي على دلالات مختلفة.


المواقف السياسية لبعض كبار المعتزلة

إن الرجال الذين أطلقوا هذه الأفكار والرؤى الفلسفية–الكلامية التي جعلت المعتزلة مشهورين، ولا سيما «أبا الهذيل»، و«النظام»، و«بشر بن المعتمر»، كانوا نشطين في عهدي «هارون الرشيد» (786–809) و«المأمون» (813–833)، ولذلك فإن الخلفية التاريخية للمواقف السياسية لهؤلاء الرجال وخلفائهم تُستمد من تاريخ الفترة الممتدة تقريبًا من 780 إلى 850.

وفي بداياتها، أنشأت الخلافة العباسية جهاز حكم فعّالًا من خلال كسب تأييد كلٍّ من النبلاء الفرس وزعماء العرب الذين استقروا في العراق وما وراءه شرقًا. كما حظيت بدعم ما كان يُعرف في العصر الأموي بـ «المعارضة التقيّة»، والتي يمكن — مع شيء من الاستباق — أن تُسمّى الآن «الحركة الحديثية». وقد تمتعت هذه الخلافة، في فترات مختلفة، بتأييد شعبي أيضًا، غير أن تقدير مدى هذا التأييد في الأقاليم المختلفة أمر بالغ الصعوبة. والواقع أن العوامل السياسية والاجتماعية في هذه المرحلة تحتاج إلى دراسة أوسع بكثير. وما يُقال هنا إنما هو طرحٌ أولي، غير أنه قد يكون كافيًا لغرض دراسة المعتزلة.

وسرعان ما اتضح، بعد قيام النظام العباسي، أن توازن القوى الذي استند إليه كان هشًّا. فإلى جانب الثورات الفاشلة التي قام بها من لم يكونوا مستعدين لقبول العباسيين، تُظهر ملاحقة الزنادقة أو المانويين في الفترة من نحو 779 إلى 786 أن توتراتٍ كانت تُحس داخل المؤسسة الحاكمة؛ إذ كان المذهب المانوي الذي جرى اضطهاده يمثل التعبير الفكري عن حالة قلق داخل طبقة الكُتّاب أو الجهاز الإداري، ويُرجّح أن ذلك كان ناجمًا أساسًا عن الخوف من أن تُزيحهم الحركة الحديثية الناشئة.23 

وخلال فترة سيطرة البرامكة (حتى سنة 803)، أخذ ميزان القوة يميل لصالح النبلاء الفرس، ومن ثم لصالح التجمّع الأوسع الذي كانوا جزءًا منه، والذي سأطلق عليه اسم «الكتلة الاستبدادية»؛ وهذا الاسم مقصود به أن يكون غامضًا، لا دقيقًا بالضرورة، على أن يُقدَّم له بعض التبرير لاحقًا. وقد أدى سقوط البرامكة إلى صعود «الفضل بن الربيع»، وهو عربي، وممثل للتجمع المعارض الذي سأسمّيه «الكتلة الدستورية».

وقبل وفاته، أجرى «هارون الرشيد» ترتيبات أدت عمليًا إلى تقسيم الدولة بين ابنيه — وهو ترتيب كان من الممكن أن ينجح، كما تُظهر تجربة الإمبراطورية الرومانية، لو كان الأخوان وأنصارهما مستعدين لاحترام حقوق بعضهم بعضًا. فكان «المأمون» يسيطر على القسم الشرقي من الدولة، حيث كانت الكتلة الاستبدادية أقوى بكثير، في حين كان «الأمين» يسيطر على المركز، معقل الدستوريين، وعلى ما استطاع السيطرة عليه من الغرب.

استمرّ انقسام الدولة من سنة 809 إلى 813. ولم يكن أنصار «الأمين» مستعدين لقبول هذا الانقسام، فلجؤوا إلى استخدام القوة لحرمان «المأمون» من استقلاله الفعلي. وكانت النتيجة انتصار «المأمون» والكتلة الاستبدادية، غير أن ذلك لم يقرّب تحقيق التوازن المنشود. وفي سنة 816 ابتعد «المأمون» أكثر عن الدستوريين حين عيّن وليًّا لعهدِه «عليّ الرضا»، رأسَ نسل «علي» في ذلك الوقت، وإن لم يكن قد أُقرّ بعدُ بوصفه الإمام الثامن عند الشيعة الإمامية. وكان هذا محاولةً لاسترضاء الشيعة المعتدلين، وقد أدّى ذلك، مع ما بدا من عزم «المأمون» على حكم الخلافة كلها انطلاقًا من خراسان، إلى إثارة محاولة دستورية لعزله بتنصيب خليفةٍ منافس في العراق، هو «إبراهيم بن المهدي» (817). غير أن «عليّ الرضا» توفي سنة 818، فعاد «المأمون» إلى العراق سنة 819، وانهارت ثورة «إبراهيم».

وفي نهاية عهد «المأمون» سنة 833 قام بمحاولة جديدة لإقامة توازن بين الكتلتين الاستبدادية والدستورية. وكانت هذه هي المحنة، أو ما يُشبه التفتيش العقائدي. فقد طُلِب من كبار رجال الدولة في الأقاليم وفي بغداد أن يعلنوا على الملأ التزامهم بالعقيدة القائلة إن القرآن، كلام الله، مخلوق لا قديم. ومع أن الصلة بين هذا الموقف الكلامي والسياسة ليست واضحة للوهلة الأولى، فإنها كانت قائمة بلا شك. فقد كان جزءٌ مهم من الكتلة الدستورية يتمثل في الحركة الحديثية، وكان معظم المحدثين يرون أن نمط حياة الجماعة الإسلامية مؤسَّس على الوحي الإلهي المتجاوز للطبيعة، كما هو متجسّد في القرآن والسنّة. والقول بخلق القرآن كان يعني إنزاله عن مرتبته الإلهية، ومن ثم رفض تصورهم للجماعة بوصفها مؤسسة على أساس إلهي، وإضعاف موقفهم كله.24

وفي المقابل، عزّز هذا الموقف شأن الشيعة الذين كانوا يلتمسون الهداية في الإمام أو القائد الكاريزمي، لا في النصوص المنزلة وحدها. ومع أن تطبيق الاختبارات العقائدية لم يكن منتظمًا، فإن هذه السياسة العامة استمرت حتى نحو سنة 849، بعد وقت قصير من بداية عهد «المتوكل» (847–861)، حين حدث تحوّل بالعودة إلى الاعتماد الأكبر على الدستوريين. ولا حاجة إلى الإطالة في الحديث عن بقية القرن. فمنذ نحو سنة 820 كان أحد قادة «المأمون»، وهو «طاهر بن الحسين»، قد جعل نفسه شبه مستقل في خراسان، وبدأ آخرون في أقاليم أخرى يحذون حذوه. أما في المركز، فقد أصبح الخليفة أكثر اعتمادًا على حرسه وقواته الخاصة، ومع أن هيبته ظلت محفوظة، فإن حقائق السلطة أخذت تنفلت سريعًا من قبضته.

هذا، إذن، هو الإطار العام للأحداث ذات الصلة في عصر كبار علماء المعتزلة. ويمكن قول شيء عن العوامل السياسية والاجتماعية الكامنة وراء ذلك، وإن على نحوٍ تمهيدي؛ غير أن هناك نقطتين أوليتين لا بد من التنبيه إليهما. أولًا، إن آراء النخبة السياسية الفاعلة كانت أهم من آراء الجماهير السياسية الخاملة. فقد كانت الأهمية السياسية الأساسية لعامة الناس تكمن في كونهم مقاتلين أو جمهورًا غوغائيًا؛ وكانت جماهير بغداد، على وجه الخصوص، عاملًا لا يُستهان به. ومن ثم، بقدر ما كان الدعم القوي للناس أو خضوعهم مطلوبًا، كانوا عاملًا سياسيًا ذا شأن؛ غير أن آراء الرجال الذين كانت لديهم سلطة ومسؤولية هي وحدها، في العموم، التي كان لا بد من أخذها في الحسبان.

وثانيًا، فإن التكتلين المسمّيين هنا بالاستبدادي والدستوري لم يكونا كتلتين متجانستين على الإطلاق. فقد كان كلٌّ منهما تركيبًا معقدًا من عناصر عديدة، انتقل بعضها من جانب إلى آخر. وقد وصفهما المؤرخون الأقدمون بأنهما الحزب الفارسي والحزب العربي على التوالي، غير أنه ثبت أن هذا الوصف لا يعدو كونه تقريبًا خشنًا،25 كما أنه من المشكوك فيه أيضًا ما إذا كان الفرس والعرب في هذه المرحلة تحرّكهم مشاعر يمكن أن تُسمّى قومية.

وتُظهر دراسة موجزة أن الدستوريين كانوا يميلون إلى الموقف السني، في حين كان الحزب الاستبدادي ذا نزعة أقرب إلى التشيع. وكان «هارون الرشيد»، وهو لا يزال يحاول الحفاظ على توازن بين الفريقين، قد اضطهد تلك الكتلة المركزية من الشيعة المعروفة في تلك الفترة بالرافضة؛ وكان من بين من سُجنوا «بشر بن المعتمر» و«بشر المريسي».26 وقد أُعيد النظر إلى الأخير بعين الشك خلال الفترة القصيرة التي كان فيها «إبراهيم»، بدعم دستوري، مسيطرًا على بغداد.27 

أما «المأمون»، كما سبقت الإشارة، فقد عيّن «عليّ الرضا» وليًّا لعهدِه، ثم إن فئة من المعتزلة، خلال فترة المحنة، كان لها تأثير كبير في توجيه شؤون الدولة، بل إن المحنة نفسها كانت مستوحاة منهم؛ وكان هؤلاء المعتزلة، وإن لم يكونوا شيعة، متعاطفين مع الدعوى العلوية. ومع أن هذا كان الاتجاه العام للتكتلين، فإن الاستثناءات كانت كثيرة؛ فقد كان «المأمون» نفسه واسع الاطلاع على علوم المحدثين، في حين نجد «الأمين» قد كسب تأييد أحد الشيعة الذي كان أبوه قد سجنه.28 

كان كبار المعتزلة في عهد «المأمون» وما بعده في الغالب من الموالي، أي من غير العرب المرتبطين بالقبائل العربية، ويرجَّح أنهم كانوا من السلالة القديمة لسكان المدن في العراق. وكانوا ينتمون إلى ما أسميه «الحركة الحديثية»، أي جماعة الرجال المتدينين الذين درسوا وناقشوا تفسير القرآن ومسائل من الفقه الإسلامي. وربما كان من غير الدقيق أن نطلق عليهم اسم «المحدثين» قبل سنة 850، حين تبلور — بتأثير «الشافعي» (ت. 802) – مفهوم سنّة النبي؛ غير أن هذه الجماعة من أهل التديّن كانت موجودة منذ نحو سنة 700، وإن كانت في مراحلها الأولى أقل تجانسًا مما أصبحت عليه لاحقًا. ويمكن أيضًا أن تُسمّى هذه الجماعة «جماعة العلماء». فقد ضمّت جميع المتبحرين في الفقه الإسلامي، وكانت الطريق الرئيسة إلى العمل القضائي. وفي عهد «المأمون» وخلفائه أصبح عدد من المعتزلة قضاة.

كما اشترك المعتزلة مع الحركة الحديثية في عدائها للطبقة الكتّابية، وهاجموا بقوة الآراء المانوية التي كانت التعبير الفكري عن شعور تلك الطبقة بعدم الأمان في مواجهة صعود العلماء المسلمين.29 

ولا يزال سبب اهتمام قسمٍ من الحركة الحديثية الناشئة بالفكر اليوناني غير واضح. فقد يكون ذلك راجعًا إلى أنهم انحدروا من أسر تلقت قبل إسلامها نوعًا من التعليم العالي ذي الطابع الهيليني؛ وقد يكون لأنهم رأوا الحاجة إلى استخدام التقنيات الفلسفية اليونانية في مجادلة الكتّاب؛ أو لعل هناك اهتمامًا عامًا معاصرًا لا نعرفه اليوم. ومهما يكن السبب، فإن المعتزلة كانوا بلا ريب في طليعة الحركة في عهد «المأمون» الداعية إلى ترجمة الفلسفة والعلوم اليونانية؛30 وكان أبرز ممثلي الفلسفة اليونانية بالعربية في ذلك الوقت، وهو «الكندي»، يحمل آراءً كانت في مواضع كثيرة قريبة من آراء المعتزلة.

ويُقال إن «أبا الهذيل»، المؤسس الرئيس للاهوت الفلسفي عند المعتزلة، وُلد في البصرة نحو سنة 752 أو قبل ذلك، وتوفي سنة 840 أو بعدها. وربما قُدّم تاريخ ميلاده بقصد ربطه بـ «واصل». ومن جهة أخرى، قد يكون قد بلغ سنًّا متقدمة جدًا عند وفاته. ولا تقتضي سائر المعلومات المتوفرة عنه افتراض كونه نشطًا بعد سنة 830 أو حتى 825. فقد حضر مناظرة في دار «يحيى البرمكي»، ولا بد أن ذلك كان قبل سنة 803.31 كما حضر مناقشات شارك فيها «المأمون» نفسه — أي بعد سنة 819 — بل وترأسها، بعد أن استقر في بغداد سنة 818.32 ومن ثم فلا بد أن ذروة نشاطه كانت تقريبًا بين سنتي 795 و825.

أما «بشر بن المعتمر»، أول رئيس للمعتزلة في بغداد — وإن لم يكن بالضرورة أول معتزلي فيها — فقد وُلد في بغداد، لكنه درس في البصرة. وخلال حكم «هارون الرشيد» سُجن بسبب آرائه الرافضية، ويُقال إنه لفت الأنظار العامة بأشعار كتبها في السجن. ويُؤرخ لوفاته عادة بسنة 825. غير أنه لا يرد — فيما يبدو — أيُّ ذكر لنشاطٍ له بعد سنة 809، مع أنه لو كان حيًّا وفعّالًا آنذاك، لكان قد حظي بشيء من الاهتمام عند عودة «المأمون» إلى بغداد. ويُرجّح أن فترة نشاطه الرئيسة كانت قبل فترة نشاط «أبي الهذيل» بنحو عشر أو خمس عشرة سنة.

ولا يُخبرنا الكثير عن الآراء السياسية لهذين الرجلين. فقد كان «أبو الهذيل» يرى أن أحد الطرفين في وقعة الجمل — «علي» من جهة، و«طلحة» وأصحابه من جهة أخرى — كان مصيبًا والآخر مخطئًا، لكنه لم يكن يعرف أيهما، ولذلك «تولاهم» جميعًا. أما «بشر»، فكان يرى أن «عليًّا» كان على حق، وأن «طلحة» كان على خطأ، وأن «عليًّا» كان مصيبًا أيضًا في قبول التحكيم، وأن الحكمين أخطآ بعدم الاحتكام إلى الكتاب.33 وكان «النظام»، وهو معتزلي بارز آخر في البصرة عاصر «أبا الهذيل»، يحمل آراءً مشابهة لآراء «بشر» بشأن «علي» و«طلحة». وهذا كل ما يُروى لنا. فكيف ينبغي أن نفهم ذلك في ضوء الظروف السياسية للعصر (على افتراض أن لهذه الآراء دلالة معاصرة)؟

ويمكن أن يُستفاد بعض الشيء من ملاحظة أن الخصوم الرئيسين للمعتزلة في المناقشات التي وصفها «المسعودي» وغيره كانوا الرافضة — وهو المصطلح الذي استخدمه «الجاحظ» و«الخياط» و«النوبختي»، وإن كان «المسعودي» يفضّل مصطلح «الإمامية». وكانت السمة المميزة للرافضة هي رفضهم لإمامة «أبي بكر» و«عمر»، أي قولهم إن «عليًّا» كان منذ البداية الإمام الحق، وأن غيره غاصبون. وفي النقاط المذكورة، كانت آراء «بشر» مطابقة لآراء الرافضة (وإن كانت تختلف عنها في نواحٍ أخرى على الأرجح)، ولذلك كان لدى «هارون الرشيد» بعض المبررات لسجنه.

فما الدلالة السياسية المباشرة للموقف الرافضي؟ قد يكون في التشيع «هامش متطرف» (الغلاة) مستعد للثورة في أي لحظة؛ غير أن رافضة البصرة وبغداد، الذين كان «أبو الهذيل» يجادلهم علنًا في المجالس والمناظرات، لا يمكن أن يكونوا قد فكروا في الثورة. بل إن التراث الشيعي نفسه يدل على أن الأسرة العلوية لم تُبدِ اهتمامًا بالسياسة قبل تعيين «عليّ الرضا» وليًّا للعهد سنة 816. أما الرأي الشيعي المتأخر القائل إن الأسرة العلوية كانت على الدوام واعية بحقها في الإمامة طوال نصف القرن السابق على سنة 816، فهو رأي لا أساس له، ويجب دائمًا التحفّظ إزاء تأثيره عند التعامل مع المصادر. ولكن إذا كان را فضة عهدي «هارون الرشيد» و«المأمون» لا يريدون ثورة علوية، فماذا كانوا يريدون إذن؟

في هذا الموضع نتذكّر أن الجدل السياسي في ذلك العصر كان يدور حول «علي»، و«طلحة»، والحَكَمَين، و«معاوية»، وما إلى ذلك. وبعد ذلك بقليل انخرط «الجاحظ» في حزب من «العثمانية». ولأسباب غير واضحة، كان من الملائم لرجال تلك المرحلة أن يجروا مناقشاتهم السياسية بصيغة أحداث وقعت قبل قرن ونصف تقريبًا. غير أن هذا ليس سوى شكلٍ ظاهري، ولا ينبغي أن يُسمح له بأن يحجب عنا الدلالة المعاصرة لتلك المناقشات. فمثلًا، لأن هذا الحزب من «العثمانية» كان يحمل اسم الخليفة الثالث، فلا ينبغي أن يُظن أنهم كانوا يدعون إلى إحياء أموي؛ بل كانوا أنصارًا أوفياء للعباسيين.34 

ومن هذا المنظور في النظر إلى الأمور يمكن استخلاص نتيجة مفادها أن الذين جادلوا بحماسة في الدفاع عن «علي» لم يكونوا بالضرورة مؤيدين لآل علي سياسيًا. ومن بين من سُمّوا «رافضة» في الفترة حتى سنة 816، وعلى مدى نصف قرن بعدها، كان بعضهم — على الأقل — لا يتآمرون على استبدال الدولة العباسية بدولة علوية. فإذا لم يكن الرافضة، إذن، حزبًا مؤيدًا لآل علي، فما الذي كان هدفهم؟

وجوابًا عن هذا السؤال، يُقترح هنا أن القضية كانت تتعلق بالتصور العام للخلافة، لا بتحديد الأسرة أو الشخص الذي ينبغي أن يحكم، بل بنوعية الحاكم الذي يجب السعي إليه. هل ينبغي أن يكون الخليفة شخصًا ذا «حق إلهي» في الحكم، ومن ثم المصدر الأول لجميع القوانين في الدولة؟ أم يكون مجرد رجل خاضع للشريعة الإلهية المتمثلة في القرآن وسنّة النبي؟ (وكان هذا التصور الأخير يتبلور في ذلك الوقت من خلال أعمال «الشافعي»). ولم يكن هذا الخلاف حول طبيعة الخلافة مسألة نظرية محضة، بل كان مسألة سياسة عملية: أيّهما ينبغي أن تكون له السلطة العليا في ظل الخليفة، أهي الطبقة الجديدة من العلماء، أم خصومهم من الإداريين القدماء، والكتّاب، وربما غيرهم؟

وهذا هو نفس الانقسام الذي سبق الحديث عنه بوصفه انقسامًا بين الكتلة الدستورية والكتلة الاستبدادية، وكان لكل جانب منهما أبعاد دينية وسياسية معًا. ويقترح «الدارمي» أن التشيع كان قناعًا ملائمًا لآراء هرطقية، بل وحتى غير إسلامية؛35 وأن بعض الكتّاب الذين كانوا في السابق مانويين أو زنادقة ربما أعلنوا التشيع، ولا شك في صورة متطرفة. أما الرافضة المعتدلون، فلا بد أنهم كانوا مؤيدين للعباسيين؛ ويجب التذكير هنا بأن دعوى العباسيين إلى الخلافة في هذه الفترة (منذ عهد «المهدي» 775–785) كانت قائمة على كونهم من نسل «العباس» عمّ النبي، ومن ثم كانت لهم — على نحو ما — «شرعية إلهية».36 

وكان «أبو الهذيل» معارضًا للرافضة. ومن دون أن يحسم أيَّ الطرفين في وقعة الجمل كان مصيبًا، كان «يتولى الطرفين معًا». وبذلك فهو لا يوافق الرافضة على القول بأن «عليًّا» كان على حق مطلقًا؛ ومن ثم يعارض تصور الإمام المعصوم الموجَّه إلهيًا، ولا يرى أن الخليفة الشرعي يجب أن يكون كذلك. وهذا ينسجم مع كونه عضوًا في الجماعة الناشئة من العلماء أو الحركة الحديثية. ومن جهة أخرى، فهو لا يوافق خصوم «علي» أيضًا؛ إذ إنه — إلى جانب إقراره بخطأ «معاوية» — كان يقول بخلق القرآن، على خلاف ما كان يتجه إليه جمهور المحدثين من القول بقدمه. وخلاصة الأمر أنه يبدو أنه كان يسعى إلى إحداث تسوية، وإلى التوفيق بين الكتل المتعارضة داخل الخلافة؛ فلم يكن يدافع عن العباسيين ضد الثوريين، بل كان يحاول تحقيق قدر من المصالحة بين الجماعات المختلفة داخل صفوف من قبلوا بالعباسيين. وفي الوقت نفسه — والأمران غير منفصلين تمامًا — كان يحاول التوفيق بين العقل والوحي في الأسس الفكرية للجماعة الإسلامية.

أما «بشر بن المعتمر» فكان يسعى هو الآخر إلى تحقيق نوع من التوفيق، ولكن من نقطة مختلفة. فهو يقبل أقوال الرافضة في أن «عليًّا» كان مصيبًا وأن خصومه كانوا مخطئين، لكنه يرفض الافتراضات الكامنة وراء ذلك. فإقراره بأن «عليًّا» كان مصيبًا يعني عمليًا أن الإمام قد يكون قائدًا صالحًا، وربما يعترف أيضًا بأن الإمام الحق مهديٌّ إلهيًا. غير أنه يقرن ذلك بالإيمان بأهمية الشريعة الإلهية المنزلة؛ ويتضح ذلك، مثلًا، في رأيه بأن الحكمين أخطآ لأنهما لم يحكما وفقًا للكتاب. ويمكن صياغة رأيه بالقول إنه، مع كون النصوص والإمام كليهما مهمين، لا يجوز لأيٍّ منهما أن يكون أساس الجماعة على حساب الآخر. وكان من شأن هذا الرأي أن يخفف التوترات، ولا شك أنه لذلك جُعل أساسًا لسياسة «المأمون». وقد كان قاضي القضاة، «ابن أبي دؤاد»، في فترة من الزمن من أتباع «بشر».

وتظهر مرحلة لاحقة في تطور المواقف السياسية للمعتزلة عند «الأصم» و«الجاحظ».37 وكان «الأصم» قاضيًا في عهد «المعتصم» (833–842)، غير أن المعلومات الأخرى عن سيرته قليلة. أما «الجاحظ»، الأديب المشهور، فقد توفي سنة 869. وقد كان كلاهما، في فترة من الزمن، من أتباع حزب يُعرف بـ «العثمانية»، غير أن «الجاحظ» يُقال إنه غيّر آراءه؛ فكان أحيانًا يجادل لصالح «العثمانية» ضد الرافضة، وأحيانًا لصالح الزيدية ضد «العثمانية» وأهل السنّة.38 ولا يُستغرب مثل هذا التقلّب في الرأي في ضوء التقلبات السياسية للعصر، ولا سيما سياسة المحنة ثم التخلي عنها (نحو سنة 849). ويبدو أن المرحلة «العثمانية» من حياة «الجاحظ» — إن صحّ هذا الخبر — كانت قبل وفاة ناقده المعتزلي «الإسكافي» سنة 854؛ وربما مال في أواخر حياته إلى آراء زيدية وقَبِل بإمامة «علي».

وأما الآراء السياسية الرئيسة المنسوبة إلى «الأصم» فهي اثنتان: الأولى أن «عليًّا» و«طلحة» و«معاوية» ينبغي الحكم عليهم بالصواب أو الخطأ بحسب نياتهم، أي بحسب ما إذا كانوا يسعون إلى مصلحة المسلمين أو إلى مصلحتهم الخاصة –39 وبما أن نيات الناس لا تخضع للفحص، فقد يكون هذا منهجًا لتجنّب إصدار حكم حاسم عليهم؛ والثانية أن منصب الإمام يجب أن يقوم على إجماع المسلمين (الإجماع)، وبذلك يكون «معاوية» إمامًا حقًا، في حين لم يكن «علي» كذلك قط.40 وينسجم هذا مع ما يُقال في مواضع أخرى عن اتفاق «العثمانية» على رفض إمامة «علي».41 

وبما أن «الجاحظ» يقول أقل في الدفاع عن فضائل «عثمان» مما يقوله في نقد التفوق المزعوم لـ «علي» على «أبي بكر»، فيبدو واضحًا أن اسم «العثمانية» كان لقبًا تقريعيًا أطلقه الخصوم؛ وأن الذين أُطلق عليهم هذا الاسم لم يكونوا مهتمين اهتمامًا خاصًا بـ«عثمان»، ولا أنصارًا للأمويين، وإن كان في الاسم نبرة لاذعة. ويبدو أن الهدف من هذا المذهب كان تبرير خلافة الأسرة العباسية على أساس إجماع المسلمين – وهو مذهب يشير إلى تحوّل من آراء الكتلة الاستبدادية إلى آراء الدستوريين؛ غير أن كثيرًا من فئات الكتلة الاستبدادية، حتى المعتدلة منها، لا بد أنها استشاطت غضبًا من هذا المذهب إلى حد جعله قليل الأهمية العملية للسياسيين.

وتظهر مرحلة لاحقة من هذا الجدل نفسه في الرأي المنسوب إلى «الجبائي» (ت. 915) بشأن «عثمان»؛ إذ قال إنه لا يدري أيّهما كان أفضل، هو أم «علي»، لكنه أقر بإمكان أن يكون «عثمان» أفضل.42 

إن مسألة العلاقات بين المعتزلة والزيدية ذات صلة بالنقاط التي جرى بحثها، غير أن الغموض الذي يحيط بها كبير إلى حد يجعل من غير المجدي الخوض فيها خوضًا كاملًا في هذا السياق. فالمعتزلي «الخياط» يذكر أن «جعفر بن مبشر» كان مسؤولًا عن تحويل بعض أتباع الزيدي «سليمان بن جرير» إلى الاعتزال، في حين يشير صاحب كتب الفرق الأشعري المتأخر «الشهرستاني» إلى أن من بين المعتزلة الذين تبنّوا الآراء السياسية لـ«سليمان بن جرير» كلًّا من هذا «جعفر» و«جعفر بن حرب».43 وكان «سليمان» يرى أن «عليًّا» أفضل، غير أنه كان يقول بإمكان وجود «إمامة المفضول» (المفضول — أي «أبو بكر» وغيرُه). وتبدو النتائج الآتية آمنة في الجملة:

إن الزيدية الذين يُظهرون أوجه شبه بالمعتزلة كانوا جماعة من القرن التاسع (أو أواخر القرن الثامن) منخرطة في النقاشات الجارية آنذاك حول «علي» و«أبي بكر» وغيرهما. وكانت لهذه النقاشات دلالة معاصرة، وكان الموقف الزيدي تبريرًا لنوع من التسوية؛ غير أن هناك فروقًا طفيفة في تطبيق هذا الاسم بين أشخاص مختلفين وفي أزمنة مختلفة. وكان الموقف الزيدي يحمل أوجه شبه بموقف «زيد بن علي» التاريخي، غير أن التأثير المباشر كان محدودًا.

واستمرت المعتزلة في الوجود قرابة قرنين آخرين على الأقل. وبما أن بعضهم تولّى مناصب القضاء، فلا بد أنهم كانوا — في العموم — من أنصار الخلافة والسلطنة. غير أن تصورهم السياسي الأساسي، بوصفه صيغة توفيقية، لم يقدّم حلًّا للتوترات التي شهدتها الدولة؛ ولأنهم لم يكن لهم إسهام يُذكر في مواجهة الأوضاع الجديدة التي ظهرت بعد سنة 950، فقد أخذ نفوذهم في التلاشي تدريجيًا.

وتذكّر المواقف السياسية للمعتزلة بمحاولات أباطرة بيزنطة تهدئة ممالكهم من خلال تسويات لاهوتية مفروضة سياسيًا. ومثل هذه التسويات تبدو جذابة على السطح — ولا سيما أن السياسيين يفكرون في الغالب في المشكلات الآنية — لكنها تعجز عن إرضاء المشاعر الدينية العميقة لدى الطرفين، ومن ثم تثبت عدم فعاليتها على المدى البعيد.

وكان أثمن ما في الفكر المعتزلي هو محاولته التوفيق بين العقل والوحي؛ غير أنهم حتى في هذا المجال كانوا أقل نجاحًا في التوصل إلى صيغة كافية مما كان عليه «الأشعري»، الذي جعل الوحي في المقام الأول، لكنه منح العقل مكانة ثانوية مهمة. وسياسيًا، كان معنى ذلك — ما دام الرأي العام لا يزال عنصرًا مؤثرًا في السياسة — أن تكون السيادة للقرآن والسنّة. وكان ذلك انتصار الكتلة الدستورية، أو بعبارة دينية، انتصار أهل السنّة.


أصول المعتزلة

يتحدث أصحاب كتب الفرق المتأخرون، الذين ينتمون إما إلى التقليد المعتزلي–الأشعري أو يعتمدون عليه اعتمادًا كبيرًا، عن فرقة المعتزلة بوصفها قد تأسست على يد «واصل بن عطاء» واستمرت عنه في خط متصل غير منقطع. غير أن خصوم أوائل القرن التاسع لم تكن لديهم رؤية واضحة لهذه العلاقة بين المعتزلة المعاصرين لهم و«واصل»، كما أن كثيرًا مما يرد في المصادر الأقدم يخالف هذا التصور. فالعلاقة بين «واصل» و«عمرو بن عبيد» غير واضحة. والرواية المتأخرة الشائعة تقول إن «عمرو» كان تلميذ «واصل»، غير أنهما يُذكران أحيانًا معًا على نحو يوحي بتقارب المنزلة، بل إن «عمرو» يُسمّى أحيانًا وحده مؤسس المعتزلة وزعيمهم.44 

ويزداد الأمر تعقيدًا بوجود موضع واحد يُذكر فيه «واصل» و«عمرو» وشخص ثالث هو «ضرار» بوصفهم «جذور» المعتزلة.45 ويُروى هنا أن «واصل» و«ضرار» كانت لهما آراء سياسية قريبة من آراء «أبي الهذيل»، في حين تشبه آراء «عمرو» آراء «بشر بن المعتمر». ويُعرف «ضرار» بأنه من أوائل المتكلمين في اللاهوت الفلسفي، ويُقال إنه كان «الأستاذ» الأبرز في البصرة قبل «أبي الهذيل».46 وربما كان هو صاحب الفكرة التي صارت لاحقًا التسوية الأشعرية المشهورة، التي تقضي بأن الله يخلق أفعال العباد وأن العباد «يكتسبونها» (كسبًا). ويُحتمل أنه أسهم إسهامًا كبيرًا في الدفع بالحركة الفلسفية التي تطور عنها فكر «أبي الهذيل». وتُظهر الاقتباسات الواردة عن «ابن الراوندي» في كتاب الانتصار أن «ضرار» وعدة رجال آخرين كانوا يُعدّون شعبيًا من المعتزلة، وإن كان «الخياط» ومن جاء بعده من المعتزلة ينكرون ذلك؛ ولا يوجد ما يشير إلى أن «ضرارًا» تأثر بـ «واصل» و«عمرو».

ومن مجموع هذه الإشارات يُستخلص أنه لم تكن هناك جماعة محددة المعالم من أتباع «واصل» و«عمرو» حتى منتصف القرن التاسع تقريبًا. ويظهر بدء تمييز الجماعة في الأبيات التي نظمها «بشر بن المعتمر»، حيث يقول إنه يتبع «عمرو» ولا صلة له بآخرين غير مسمّين (وربما كان «ضرار» منهم) ممن اتبعوا جهمًا. ويكتمل هذا التمييز في الموضع الذي يعرّف فيه «الخياط» المعتزلي بأنه من يقبل جميع الأصول الخمسة التي عدّدها.47 ومنذ ذلك الوقت يختفي الاستعمال الشعبي القديم للفظ «معتزلي»، وتغدو المعتزلة جماعة متماسكة محددة المعالم بوضوح، وإن لم تخلُ من اختلافات داخلية.

ومتى أُدركت هذه النقطة، يتضح أن دعوى «بشر» وغيره أنهم أتباع «واصل» و«عمرو» إنما هي دفاع عن أنفسهم ضد اتهامهم بالجهمية. فمجرد نفي هذا الاتهام لا يكفي؛ بل لا بد من إثبات إيجابي مضاد. ومن ثم، نفترض أن «بشرًا» بحث عن شخصية مناسبة ينتسب إليها، فوجد «عمرو بن عبيد»، وهو محدّث محترم، كانت آراؤه السياسية قريبة من آرائه. وفضّل آخرون «واصلًا»؛ وربما كان هذا الاختيار، وما آل إليه من مكانة شرفية، راجعًا إلى كونه أقل عرضة للشبهة بالتعاطف العلوي.

وإذا جاز افتراض أن لدينا من المعلومات الموثوقة ما يكفي لمعرفة آراء «واصل» و«عمرو»، فإن بينهما قدرًا من التشابه. فيمكن اعتبار «واصل» صاحب فكرة المنزلة بين المنزلتين، أو «الحال الوسط». وخلاصة رأيه أن مرتكب الكبيرة من جماعة المسلمين ليس مؤمنًا – كما قالت المرجئة – ولا كافرًا – كما قالت الخوارج – بل هو في «منزلة بين المنزلتين». وكان لهذه الآراء نتائج عملية. فالخوارج المتطرفون كانوا يخرجون صاحب الذنب من الجماعة ويبيحون قتله بلا لوم. وبما أن الخوارج كانوا يعدّون الدولة الأموية ظالمة، فقد كان ذلك يعني جواز الثورة عليها، بل وجوبها عند المتطرفين. أما رأي المرجئة فقد أدى إلى تأييد كامل للأمويين. وكان هناك أيضًا خوارج معتدلون قبلوا العيش في ظل الحكم الأموي بوصفه ضرورة عملية، من غير إقرار بظلمهم.

وقد عاش «واصل» في زمن خلافة «هشام»، ومن ثم ينبغي النظر إلى آرائه في سياق الأوضاع في العهد الأموي. وهي ليست بعيدة عن مواقف الخوارج المعتدلين؛ إذ إن «واصلًا» لا يبرر الظلم ولا يقول إن الظالم مؤمن، ومن جهة أخرى، ما دام الظالم ليس كافرًا، فلا يوجد التزام بقتاله (وإن كان قد توجد، ربما، مبررات لمعاقبته إذا توفرت القدرة على ذلك).48

ويُنسب إلى «واصل» أيضًا امتناعه عن الحسم في ما إذا كان «علي» أو خصومه على حق.49 وهذا ليس هو نفسه مفهوم «المنزلة بين المنزلتين»، غير أن كليهما يمكن إدراجه تحت وصف «الحياد». فإذا كانت الآراء المنسوبة إلى «واصل» في شأن «علي» وخصومه هي آراؤه حقًا، وليست آراء «أبي الهذيل» أُسقطت عليه بأثر رجعي، فإنها تدل على رفض تبنّي موقف شيعي أو خارجي، وتمهّد للقبول السني اللاحق بجميع الصحابة. وبقدر ما كان «واصل» والمعتزلة اللاحقون يتخذون موقف الحياد سياسيًا، فهناك مبرر لتسميتهم أتباعه، وإن كان الحياد قد اتخذ تطبيقات مختلفة في عصور مختلفة.

غير أن هذا لا يعني أن الروايات المتأخرة عن نشأة المعتزلة صحيحة. فلم تكن هناك جماعة محددة المعالم تُسمّى المعتزلة قبل سنة 800، وربما لا قبل 850. وكان «واصل» و«عمرو» عضوين في جماعة كبيرة غير متجانسة، تفرّع عنها لاحقًا جسد العلماء والمحدثين. وقد اهتم جزء من هذه الجماعة الكبيرة — ربما نحو سنتي 780 أو 790 — بالمسائل الفلسفية المتصلة بمعتقداتهم الدينية، في حين عارض آخرون الخوض في ميدان اللاهوت الفلسفي. ومع مرور الوقت، تعارف أولئك المتكلمون الفلاسفة الذين اتفقوا على الأصول الخمسة التي ذكرها «الخياط»، وتعارف عليهم غيرهم بوصفهم جماعة متميزة، هي المعتزلة.

ويبدو من غير المحتمل أن يكون لـ «واصل» و«عمرو» تأثير خاص مباشر في المعتزلة المتأخرين، سوى تأثيرهما في الجماعة الكبيرة غير المتجانسة بوصفها كلًّا. ويُحتمل أنهما أيّدا الدعوة العباسية حين علما بها، غير أنه من غير المرجح أن يكونا دعاةً للنظام الجديد، كما ذهب إلى ذلك «هـ. س. نيبيرغ»، نظرًا لاختلافهما عن «أبي مسلم»؛ غير أن فرضية «نيبيرغ» لا يمكن ردّها نهائيًا قبل إيضاح بعض الأبيات الغامضة المنسوبة إلى «واصل» ورسله.


الاعتزال والإرجاء

لا يمكن إغفال وجود موازاة بين اسمي «المعتزلة» و«المرجئة»، ولا سيما حين تُحال عقائد الفرقتين إلى الاسمين المصدريين المقابلين لهما: الاعتزال والإرجاء. فهل يدل ذلك على أنهما متوازيان تقريبًا من حيث الزمن، وأنهما — بوصفهما موقفين متعارضين — مكمّلان أحدهما للآخر؟ أما الشق الثاني من هذا السؤال، فالجواب عنه أنه ليس من الواضح أنهما متقابلان تكامليان. بل إن الصعوبة الحقيقية تكمن في التمييز بينهما. ففي حالات كثيرة يثور الشك حول ما إذا كان رجل ما ينبغي أن يُعدّ مرجئيًا أم معتزليًا؛ فبعض الرجال يُسمَّون معتزلة، مع القول إنهم يقولون بشيء من الإرجاء.50 وكثيرًا ما تنتمي مثل هذه الأقوال إلى عصور لاحقة، وقد تستعمل الألفاظ بمعانيها المتأخرة. ومشكلتنا هي محاولة تحديد ما كان عليه الفرق الأصلي بينهما.

لقد كان كلٌّ من المرجئة والمعتزلة يسعى إلى إيجاد طريق وسط بين الشيعة والخوارج. وقد سُمّيت المرجئة بهذا الاسم لأنهم «أرجؤوا» (أرجأوا) الحكم على مرتكبي الذنوب من أهل الجماعة، أي أرجؤوه إلى الله في يوم القيامة، وفي الحاضر عاملوهم بوصفهم مؤمنين. ووفقًا لهذا الرأي عرّفوا الإيمان (إيمان) بأنه يتمثل في القبول العقلي للعقائد (وأحيانًا مع مرافقة وجدانية – كمحبة الله)، وفي الإقرار العلني بذلك. أما المعتزلة فقد أدخلوا – وركزوا كثيرًا – على أداء الأفعال التي أمر الله بها.51 

وفي ظل الحكم الأموي، كان هذا يعني أن المرجئة — مع عدم إنكارهم أن الأمويين كانوا ظالمين — كانوا مستعدين لقبولهم مؤمنين ودعمهم، في حين ظلوا عند «واصل» ظالمين، ولم يكن من الواجب — في العموم — تأييدهم.

أما في عهد العباسيين، فلم يكن لهذا الخلاف أهمية سياسية تُذكر، لأن الحكام لم يكونوا يُعدّون ظالمين. وفي أقصى الأحوال كان المعتزلة أشد قليلًا من المرجئة صرامة في موقفهم من الظالمين. وربما استمر بعض التنافس بين الفريقين لأسباب شخصية أيضًا. وكان من أبرز المرجئة «أبو حنيفة» (وهو، على أي حال، ليس زنديقًا)، وبعض أتباعه. وقد قبل بعض الحنفية التخصص الجديد في علم الكلام الفلسفي، لكنهم – فيما يبدو – طوّروه بالاقتران مع تصورهم الخاص لأصول الفقه. وفي مقابلهم جادل المعتزلة دفاعًا عن عقائدهم المميزة، وانتقدوا الأصول الفقهية المرجئية القائمة على الرأي والقياس.52 

وبعد أن تبنّى الأشاعرة — وغالبيتهم من الشافعية — المناهج المنطقية المعتزلية، وتحولوا إلى مدرسة قائمة بذاتها، وجدوا في مواجهتهم المدرسة الكلامية للماتريدية، التي كانت في معظمها حنفية. وربما كان في الانقسام بين المعتزلة والمرجئة في العصر العباسي المبكر ما هو أعمق مما يبدو للوهلة الأولى.

وكما أشار «نيبيرغ»، فإن المعنى الجاهلي لكلمة الاعتزال كان الانسحاب من النزاع والبقاء على الحياد.53 وفي العصر الأموي كان من الممكن تفسير سياسة الحياد بطرق متعددة، كان بعضها منسجمًا مع تفضيل قوي للعباسيين، وإن كان من غير اقتران بدعاية نشطة لهم. غير أنه بحلول زمن «الخياط» في القرن التاسع، كانت التحولات السياسية قد غيّبت المعنى الأصلي للاعتزال، ولم يعد للحياد السياسي صلة واضحة بمشكلات العصر. ومن ثم فليس غريبًا أن نرى لفظ الاعتزال يكفّ عن الدلالة على الحياد، ويُستخدم بدلًا من ذلك للإشارة إلى النسق العقدي للمعتزلة (الأصول الخمسة).54 

وكان قبول هذه الأصول الخمسة هو ما يجعل المرء معتزليًا، لا تبنّي مواقف سياسية بعينها؛ وقد سبق أن لاحظنا انتقاد «الإسكافي» لـ«الجاحظ» بسبب «عثمانيته». ومن بين الأصول الخمسة، كان أبرزها – سواء عند المعتزلة أنفسهم أو في نظر العامة – أصلا «العدل» و«التوحيد»، وهما الأصلان الأقل اتصالًا بالسياسة. وعلى الرغم من أن للمعتزلة جانبًا سياسيًا، فإن السياسة لم تكن هي التي أفرزت ازدهار التفكير المعتزلي، بل الحاجة العميقة إلى إزالة التوتر بين الدين الإسلامي الجديد والثقافة الأقدم في الأقاليم التي فتحها المسلمون.

والصورة النهائية التي نحصل عليها هي صورة حركة غامضة نسبيًا من الحياد السياسي داخل الأوساط الفكرية في البصرة في أواخر العصر الأموي، سرعان ما ذابت في الغليان الفكري العام هناك. ثم، عندما اهتم بعض علماء البصرة بالفلسفة اليونانية وأُطلق عليهم لقب «الجهمية»، ردّوا ذلك بادعائهم الانتساب إلى «عمرو بن عبيد» و«واصل»، وبإعطاء تعريف كلامي للاعتزال. أما القصة التي تُروى لإثبات أن الاسم مشتق من «اعتزال» «واصل» حلقة «الحسن البصري»، فهي بلا شك قصة موضوعة، لكنها تعبّر تعبيرًا مناسبًا عن انفصال المعتزلة عن بقية العلماء والمحدّثين، وهو الانفصال الذي وقع في القرن التاسع.


إن المعالجة الكافية للمسائل التي أثيرت في هذه المقالة تحتاج إلى حيّز أوسع بكثير؛ غير أن بعض المقترحات التي قُدّمت فيها تمتلك من الاحتمال الظاهر (prima facie) ما يكفي لتبرير عرضها بصورتها هذه على أنظار الباحثين الآخرين.

Facebook
Twitter
LinkedIn