مقدمة تعريفية
هذه ترجمةٌ لمقالٍ كتبه أحدُ المخضرمين الغربيين، وواحد من الفحول الكبار في مجال الدراسات الإسلامية وهو القِسّ والبروفيسور «ويليام مونتجمري وات» W. Montgomery Watt (1909–2006) — الذي كان مؤرخًا إسكتلنديًا وباحثًا في الدراسات الإسلامية، وأستاذَ كرسي الدراسات العربية والإسلامية في جامعة إدنبرة.
وُلد «مونتجمري وات» بمدينة إدنبرة في إسكتلندا. ونشأ في بيئة مرتبطة بالمؤسسة الدينية البروتستانتية في إسكتلندا، لأن والده كان قسًّا في كنيسة إسكتلندا، لكنه توفّي وهو رضيع (عمره نحو 14 شهرًا)، فتربّى «وات» على يد أمه في إدنبرة.
تلقّى «وات» تعليمه الأساسي في مدرسة (George Watson’s College) في إدنبرة، ثم درس في جامعتي إدنبرة وأكسفورد، وحصل خلال ست سنوات على ثلاث درجات علمية: درس الكلاسيكيات (Classics) في جامعة إدنبرة، ثم درس في جامعة أكسفورد العلوم الإنسانية والفلسفة، وكانت أطروحته عن كانط. أما أطروحة الدكتوراه التي تقدم بها في جامعة إدنبرة فكانت بعنوان «حرية الإرادة والجبرية في صدر الإسلام» (Free will and predestination in early Islam) — والتي لم أقرأها أنا بعد، ولو قرأتها ووجدت فيها إضافةً لترجمتها إلى العربية —. كما قضى فصل صيف 1934 في جامعة ينا (Jena) بألمانيا يدرس الفلسفة.
لقد كتن عام 1937 عامًا مفصليًا في سيرته؛ فأثناء تحضيره للدكتوراه في إدنبرة، ولأسباب مالية، استضاف «وات» نزيلاً مسلمًا اسمه «منَّان» (K. A. Mannan)، وكان منان هذا طالبَ طب بيطري من باكستان من جماعة الأحمدية. ومن خلال النقاشات الطويلة معه بدأ «وات» يقول إنه تعرف إلى الإسلام بعد أن كان شبه جاهل به، وشعر بأنه لا يناقش شخصًا منفردًا وإنما يتحدث إلى نظامٍ فكريٍ وحياتيٍّ عمره قرون.
رُسِم «وات» في الكنيسة الأسقفية الإسكتلندية (Scottish Episcopal Church) شماسًا سنة 1939 ثم كاهنًا سنة 1940. وفي بدايات خدمته كان معاون كاهن في لندن (1939–1941). وتذكر المصادر أن الكنيسة التي كان يعمل بها تضررت في قصفٍ خلال الحرب العالمية الثانية، فانتقل لاستكمال التدريب في كنيسة في إدنبرة. ثم تأتي محطة هامة في حياته وهي سفره وذهابه إلى القدس بين 1943 و1946 حيث عمل «وات» متخصصًا في اللغة العربية مع أسقف القدس الأنجليكاني. تُذكر هذه السنوات الثلاث كثيرًا بوصفها لحظة انتقال حاسمة من اهتمام نظري بالإسلام إلى احتكاك أوسع بفضائه الثقافي والديني.
شغل «وات» منصب مدرس مساعد في الفلسفة الأخلاقية بين 1934 و1938 (قبل رسامته الكهنوتية)، ثم بعد الحرب عاد إلى إدنبرة وتولّى التدريس في تخصص الفلسفة القديمة. وبعد ذلك انتقل تدريجيًا إلى العربية، فصار محاضِرًا، ثم مدرسًا، ثم أستاذًا مساعدًا بين 1947 و1964.
وفي عام 1964 تولّى كرسي الأستاذية في اللغة العربية والدراسات الإسلامية في جامعة إدنبرة حتى تقاعده عام 1979، وهي المرحلة التي اشتهر فيها اسمه عالميًا بوصفه أحد أبرز غير المسلمين كتابةً عن السيرة النبوية والفكر الإسلامي.
لم يتعامل الدكتور «وات» مع الإسلام بوصفه خرافة تاريخية أو مجرد ظاهرة اجتماعية، بل كان يرى أن القرآن وحي من عند الله، وأن محمّدًا ﷺ تلقّى تجارب دينية حقيقية. كما رأى «وات» أن الصورة المشوهة عن الإسلام في أوروبا كانت جزءًا من بناء هوية أوروبية سلبية (تعريف الذات عبر نفي الآخر)، ولذلك أمضى حياته في مقاومة موجات التعصب والدفع باتجاه الحوار بدل الشيطنة. كما ذكر كثيرًا إن الوحدانية التي كانت طاغية في القرآن جعلته يغير عقيدته المسيحية فيما يخص الثالوث.
هذا هو رابط الورقة العلمية لمن يريد الرجوع إليها: هنــا
نص الورقة العلمية
المواقف السياسية للمعتزلة
بقلم «ويليام مونتجمري وات» (W. Montgomery Watt)
تمثل الصفحات الآتية محاولةً للوصول إلى فهم أعمقٍ لعلم الكلام المعتزلي، وذلك من خلال دراسة المواقف السياسية التي تبناها أنصار هذا المذهب. وأنا مدين بدرجة كبيرة للأعمال العظيمة التي أنجزها «هـ. س. نيبيرج» (H. S. Nyberg)، ولا سيما مقالته «المعتزلة» Muʿtazila في مجلة Encyclopedia of Islam، فضلًا عن تحقيقه لكتاب «الانتصار». وإذا كنتُ قد انتهيتُ إلى بعض الآراء والاستنتاجات المخالفة له، فإنما كان ذلك بفضل عمله؛ إذ أتاح مادةً علميةً واسعة مكَّنت من إعادة النظر في المصادر المعتزلية والوصول إلى نتائج ورؤى أكثر عمقًا.
طبيعة المصادر كما تكشف عنها روايات الجهمية
تحيط بفرقة الجهمية عدة مسائل غامضة. فعلى الرغم من أنها تشغل مكانةً ثانويةً في مؤلفات أصحاب كتب الفرق المتأخرين، مثل «البغدادي» (ت. 1037) و«الشهرستاني» (ت. 1153)، فإنها تُعد في بعض المؤلفات الأقدم واحدةً من الفرق الكبرى. وهي تحتل موقعًا بارزًا في كتاب الإبانة لـ «الأشعري» (ت. 935)؛ كما أن من أصل إحدى وسبعين صفحة من كتاب المحدث «محمد بن علي بن خشَيش» (ت. 867) التي نقلها «الملطي»، خُصِّصت خمس وثلاثون صفحة للجهمية، مقابل سبع صفحات للمرجئة، وثماني للرافضة، وتسع للقدرية، وسبع للخوارج.1
وما يزيد الأمر غموضًا أننا نعجز عن تسمية أي فرد من هذه الفرقة غير مؤسسها. فقد ذَكَرَ رجلٌ يُدعى «نعيم بن حماد»، الذي سُجن نحو سنة 846 بسبب إنكاره خلق القرآن، وتوفي في السجن، أنه كان في وقت من الأوقات جهميًا،2 وهو ما يُفهم منه — من بين أمور أخرى — أنه كان يقول بخلق القرآن. ويُقال إن «بشر بن غياث المريسي» (ت. 833 أو بعد ذلك بقليل) وأبناء جيله قد نشروا «مذهبًا جهميًا»،3 غير أنهم لا يُعدّون منتمين إلى فرقة الجهمية نفسها. ولا يبدو أن ثمة أفرادًا آخرين ذُكروا على أنهم من الجهمية، باستثناء رجال يُنسبون عادةً إلى فرق أخرى (كما في القائمة التي سيجري النظر فيها لاحقًا).
ونستمد جانب كبير من معلوماتنا عن الجهمية من الحنابلة أو من رجال يشاركون الحنابلة نظرةً فكريةً قريبة. فقد كان «أحمد بن حنبل» (ت. 855) يعدّ جهميًا كل من قال إن لفظه بالقرآن مخلوق، أو أنكر علم الله.4 وقد كتب ردودًا على الجهمية، كما كتبها أيضًا «ابن قتيبة» (ت. 884)، و«خشَيش» (كما سبق ذكره)، و«عبد الله بن أحمد» (ت. 903)،5 و«عثمان بن سعيد الدارمي» (ت. نحو 895)،6 و«عبد الرحمن بن أبي حاتم» (محدث، ت. 939)،7 و«ابن منده» (محدث، ت. 1005).8
كما أورد «الأشعري» (ت. 935، وكان يصرّح باتباعه لابن حنبل) في كتابه (الإبانة)، و«ابن خزيمة» (ت. 923) في كتابه (كتاب التوحيد)، حججًا موجهةً ضد الجهمية. وتبدو الآراء المنسوبة إلى الجهمية، كما وصفها الحنابلة وانتقدوها، قريبةً جدًا من آراء عالم معتزلي مثل «أبي الهذيل»، ولذلك يكاد يكون من المؤكد عمليًا أن كثيرًا من الآراء التي وصفها الكتّاب الحنابلة بأنها «جهمية» لم تكن في حقيقتها سوى آراء رجال يُعرفون عادةً باسم «المعتزلة».
ويؤكد ذلك ما أورده «ابن بطّة» في قائمته للرجال الذين اتبعوا جهمًا أو تعاطفوا معه؛ فباستثناء «بشر المريسي» و«برغوث»، اللذين يُصنَّفان أحيانًا على أنهما معتزليان، وأحيانًا مرجئان، وأحيانًا بتصنيفات أخرى، فإن جميع الأشخاص الذين يمكن التعرف عليهم في هذه القائمة يُعدّون عمومًا من المعتزلة.9
الخلاصة التي يمكن الوصول إليها حتى الآن هي أن مصطلح «الجهمي» كان في الأصل وصفًا قدحيًا استخدمه الحنابلة. ولم يكن يُستعمل دائمًا بمعنى دقيق ومحدد، بل كثيرًا ما استُخدم على نحوٍ فضفاض، كما تُستعمل أحيانًا أوصاف مثل «ماركسي» أو «فاشي» للتنديد بالخصوم أكثر من كونها توصيفًا علميًا دقيقًا. ويبدو أن الآراء التي وُصمت أولًا بأنها «جهمية» تمثلت في القول بأن القرآن مخلوق، وأن الله لم يكلّم موسى حقيقةً كما يفهم من ظاهر القرآن، وأنه لا يتصف بصفة الكلام.10 ثم اتسع مدلول المصطلح لاحقًا ليشمل إنكار صفات الله عمومًا واللجوء إلى التأويل المجازي للنصوص القرآنية، وهما أمران عُدّا من السمات المميزة للجهمية.11
ومن الشواهد اللافتة في هذا السياق أن «ابن الراوندي»، بعد انفصاله عن المعتزلة، ألّف كتابًا حادّ اللهجة يهاجم فيه رفاقه السابقين، وقد رد عليه «الخياط» في كتاب الانتصار. وفي ذلك الكتاب وصف ابن الراوندي «جهمًا» بأنه معتزلي، بينما أنكر الخياط هذه النسبة، لكنه أقرّ في الوقت نفسه بأن هذا الرأي كان شائعًا بين الناس.12 وثمة شاهد أكثر إثارة للاهتمام يتمثل في بيتٍ من الشعر يُنسب إلى «بشر بن المعتمر» (توفي سنة 825م)، يرفض فيه الرأي الشائع القائل بأن «ضرارًا» كان من المعتزلة، ويؤكد بدلًا من ذلك أنه كان من أتباع «جهم»، وأن أتباع جهم لا علاقة لهم بأتباع «عمرو بن عبيد»، أي المعتزلة.13
غير أن المسألة تزداد تعقيدًا عند ملاحظة أن مصطلح «الجهمي» لم يقتصر استعماله على الحنابلة، بل استعمله أيضًا بعض المنتسبين إلى المدرسة الفقهية لـ «أبي حنيفة» (توفي سنة 767م). ففي المادة العاشرة من كتاب الفقه الأكبر يُندَّد بالجهمية بسبب إنكارهم عذاب القبر، وهو العذاب الذي يُعتقد بوقوعه بين الموت والبعث، ويُعد من المعتقدات الشائعة في التراث الإسلامي رغم عدم وروده صراحةً في القرآن. ويرى «أ. ي. فنسنك» (A. J. Wensinck) أن أصل هذه العقيدة قد يرجع إلى أبي حنيفة نفسه،14 وإن كان من المحتمل أن تكون الصيغة الحالية للنص، وبالتالي استعمال لفظ «الجهمية» فيه، قد أُضيفت في فترة لاحقة. ويُروى كذلك أن «إبراهيم بن طهمان» (توفي نحو سنة 780م)، وهو فقيه خراساني يُعد في الغالب من الحنفية وإن لم تكن صلته بأبي حنيفة واضحة تمامًا، كان من أشد المعارضين للجهمية. لكن هذا الخبر قد لا يعني بالضرورة معارضته للفرقة الجهمية بالمعنى اللاحق للكلمة، بل ربما يقصد أنه عارض «جهمًا» نفسه، أو أن الرواية استخدمت لفظ «الجهمية» بالمعنى الذي اشتهر عند «أحمد بن حنبل»، لأن الخبر منقول عنه.15
كما استعمل «إبراهيم بن يوسف البلخي» (توفي نحو سنة 854م) لفظ «الجهمي» في وصف أولئك الذين امتنعوا عن تكفير القائلين بخلق القرآن.16 وبما أن «بشر المريسي»، أحد أبرز دعاة الأفكار الجهمية، كان حنفيًا، فإن ذلك يوحي بأن بعض علماء الحنفية كانوا منفتحين على الجدل العقلي والبحث الكلامي والفلسفي، في حين وقف آخرون في مواجهتهم موقفًا صارمًا. ومع ذلك، ظل استعمال مصطلح «الجهمي» داخل الأوساط الحنفية محدودًا نسبيًا، ثم تلاشى تدريجيًا وذاب في الاستعمال الحنبلي الأوسع، ولا سيما بعد اشتداد الجدل حول مسألة خلق القرآن وتحول الحنابلة إلى أبرز خصوم هذا المذهب.
الرأي الوحيد الذي يبدو قادرًا على تقديم تفسيرٍ مُرضٍ لجميع الوقائع التي جرى جمعها هنا هو ما يلي:
يبدو أن لفظ «الجهمي» بدأ يُستعمل في الأوساط التقليدية (أهل الحديث) — وربما قبل سنة 800م — للدلالة على الأشخاص الذين رفضوا بعض الآراء التي كانت مقبولة لدى عامة المسلمين. أما السبب الذي جعل اسم «جهم» يتحول إلى لقبٍ ازدرائي فليس واضحًا تمامًا؛ إذ لم يكن أكثر تطرفًا من غيره من الثوريين في عصره، إلا أن جماعته تحالفت أحيانًا مع الأتراك ضد مسلمين آخرين.17 أما الرواية التي تزعم أنه امتنع عن الصلاة أربعين يومًا بسبب الشك، فتبدو أقرب إلى الأساطير التي اختُلقت في زمن لاحق.
وبما أن «بشر بن المعتمر» كان يرفض أي صلة بين المعتزلة و«جهم»، فإن المعتزلة لا بد أنهم كانوا يُوصَفون بالجهمية قبل وفاته (نحو سنة 825م). ويُرجَّح أن مصطلح «الجهمي» اكتسب انتشاره الواسع خلال فترة «المحنة» (833–849م)18 حين جعل «أحمد بن حنبل» وأتباعه هذا اللقب وصفًا شائعًا للآراء الرسمية التي تبنتها الدولة. وقد استاء المعتزلة — وكان بعضهم على صلة وثيقة بالسلطة — من أن يُوصَفوا بأنهم أتباع لمتمردٍ متشكك، فسعوا إلى حصر مصطلح «الجهمية» في فئة صغيرة من الناس كانت تؤمن بخلق القرآن لكنها لا تتبنى سائر الآراء المعتزلية. ويبدو أنهم نجحوا إلى حدٍّ كبير في ذلك، لأن معظم مؤلفي كتب الفرق والملل والنحل كانوا إما معتزلة أو يعتمدون على مصادر معتزلية في معلوماتهم.
ومن ثم، فعلى الرغم من الأوصاف المطولة التي توردها كتب الفرق عن «الجهمية»، فإن هذه الدراسة ترى أنه لم توجد في الواقع فرقة مستقلة بهذا الاسم. أما الجماعة التي ذكر «البغدادي» في مدينة «ترمذ» أنها تحولت حديثًا إلى الأشعرية، فيُحتمل أنها لم تكن سوى بقايا متحجرة لأفكار رجال مثل «ضرار» أو «النجار».19 أما «جهم» نفسه، فالمعلومات الموثوقة عنه أصبحت قليلة للغاية بحيث يصعب الجزم بشيء بشأنه. فالآراء التي نسبت إلى أتباعه — أو حتى إليه شخصيًا — ثم جرى تفنيدها في كتب العقائد، ليست في الحقيقة آراء جماعة جهمية مجهولة لا نعرف عنها شيئًا، بل هي آراء شخصيات تاريخية معروفة لدينا بالفعل، لكننا نعرفها تحت أسماء أخرى، كالمعتزلة أو غيرهم، وليس تحت اسم الجهمية. وبناءً على ذلك، فإن ما عُرف طويلًا بـ «المشكلة غير المحلولة» المتعلقة بالعلاقة بين «جهم» و«أبي الهذيل»20؛ يفقد أهميته بوصفه مشكلة مستقلة؛ إذ يصبح الأمر مجرد اختلاف بين صورتين للمذهب نفسه: الصورة التي رسمها أصدقاء أبي الهذيل لآرائه، والصورة التي قدمها خصومه لآرائه وآراء من يشبهونه.
ويثير هذا بدوره سؤالًا آخر: هل ينبغي قبول الرواية التقليدية التي تنسب تأسيس المعتزلة إلى «واصل بن عطاء»، أم أن هذه الرواية نفسها ربما صاغها «بشر بن المعتمر» ليُبطل الاتهام القائل بأنه جهمي؟
وقبل الخوض في هذه المسألة، يجدر بنا أن نتوقف لنراجع ما انتهينا إليه بشأن المصادر، ثم ننظر في السياق التاريخي للمواقف السياسية التي تبناها عدد من أبرز المعتزلة.
يمكن تلخيص أهم النتائج المنهجية التي تقودنا إليها هذه الدراسة في أربع نقاط رئيسية:
(1) إن التاريخ المبكر للفرق الإسلامية تأثر بالجدالات المذهبية اللاحقة إلى حدٍّ كبير، تمامًا كما تأثر التاريخ السياسي المبكر للإسلام بإعادة القراءة والتفسير من قبل الأجيال اللاحقة. ولذلك لا يمكن دائمًا التعامل مع الروايات والمقولات الواردة في المصادر على أنها موضوعية أو شبه موضوعية؛ بل ينبغي قبل كل شيء الانتباه إلى هوية القائل والبيئة التي صدر عنها الكلام.
ومن المهم على وجه الخصوص أن ندرك أن أسماء الفرق ليست أوصافًا ثابتة ومحايدة، بل تتغير دلالتها تبعًا لمن يستخدمها. فعندما ألّف «عمرو بن عبيد» كتابًا بعنوان الرد على القدرية،21 لم يكن يهاجم المذهب المعتزلي القائل بحرية الإرادة. ذلك أن لفظ «القدرية» كان في الأصل لقبًا جدليًا يتبادله الخصوم،22 وكان «عمرو» يقصد به أولئك الذين ينكرون حرية الإرادة وليس الذين يثبتونها.
(2) إن المعلومات المحددة المتعلقة بأشخاص معروفين تاريخيًا تكون عادةً أكثر موثوقية وأكثر قيمة من الأوصاف العامة التي تقدمها كتب الفرق عن الجماعات والمذاهب. فكلما أمكن ربط فكرة أو موقف بشخصية تاريخية معروفة وسياق محدد، كان ذلك أقرب إلى الحقيقة من التصنيفات المذهبية الواسعة التي صيغت في عصور لاحقة.
(3) تعد الروايات المبكرة، في الغالب، أكثر أهمية من الروايات المتأخرة. ومع ذلك، فإن بعض المصادر المتأخرة التي تخالف التصور السائد والموروث — أي التصور المعتزلي الأشعري الذي أصبح هو الرؤية الغالبة — قد تكون احتفظت أحيانًا بمواد تاريخية أصيلة ضاعت من المصادر الأخرى. ولذلك لا ينبغي رفضها لمجرد تأخر زمنها، بل ينبغي فحصها بعناية.
(4) إن الأقوال والروايات المتعلقة بأحداث الماضي وشخصياته الكبرى، ولا سيما ما يتصل بـ«علي بن أبي طالب»، و«طلحة بن عبيد الله»، و«عثمان بن عفان»، وغيرهم من الشخصيات التي سيأتي الحديث عنها لاحقًا، لم تُصغ في الأصل بدافع الاهتمام الأكاديمي بالتاريخ، بل استجابةً لحاجات سياسية وفكرية معاصرة لأصحابها.
ولهذا ينبغي دائمًا قراءة هذه الأقوال في ضوء الظروف التاريخية والسياسية للشخص الذي قالها. فالسياق الذي عاش فيه «واصل بن عطاء» يختلف اختلافًا كبيرًا عن السياق الذي عاش فيه «بشر بن المعتمر» أو «الجبائي». ومن ثم، فحتى إذا استخدم هؤلاء المصطلحات نفسها أو العبارات ذاتها، فإن الدلالات والمقاصد التي أرادوها لم تكن بالضرورة واحدة، بل قد تكون مختلفة اختلافًا جوهريًا تبعًا لاختلاف ظروفهم التاريخية والسياسية..
المواقف السياسية لبعض كبار المعتزلة
إن الشخصيات التي أرست أسس الأفكار الفلسفية والكلامية التي اشتهر بها المعتزلة — وعلى رأسها «أبو الهذيل»، و«النظّام»، و«بشر بن المعتمر» — كانت في أوج نشاطها خلال عهدي «هارون الرشيد» (786–809م) و«المأمون» (813–833م). لذلك فإن فهم مواقفهم السياسية ومواقف من جاء بعدهم يقتضي النظر إلى الأحداث التي شهدها العالم الإسلامي بين نحو 780 و850م.
في بداياتها، استطاعت الدولة العباسية أن تبني نظام حكم قويًا بفضل اعتمادها على قوتين رئيسيتين: النخبة الفارسية من جهة، وزعماء العرب الذين استقروا في العراق والأقاليم الشرقية من جهة أخرى. كما حظيت بتأييد التيار الديني الذي كان يُعرف في العصر الأموي باسم «المعارضة المتدينة»، والذي يمكن أن نطلق عليه هنا اسم «التيار التقليدي» أو «تيار أهل الحديث».
وكان للدولة العباسية أيضًا قدر من التأييد الشعبي، وإن كان من الصعب تحديد مدى هذا التأييد في مختلف المناطق. والواقع أن الأوضاع السياسية والاجتماعية في هذه المرحلة ما تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة. وما سيُذكر هنا ليس إلا تصورًا أوليًا، لكنه يكفي لفهم البيئة التي نشأ فيها المعتزلة.
غير أن استقرار الدولة لم يدم طويلًا؛ إذ سرعان ما ظهرت التوترات داخل التحالف الذي قامت عليه. فإلى جانب الثورات التي قام بها معارضو العباسيين، تكشف حملات اضطهاد الزنادقة والمانويين بين عامي 779 و786م عن وجود صراعات داخل النخبة الحاكمة نفسها. ويبدو أن المانوية التي تعرضت للاضطهاد لم تكن مجرد عقيدة دينية مخالفة، بل كانت تمثل التعبير الفكري عن حالة من القلق وعدم الرضا داخل طبقة الكُتّاب والبيروقراطيين العاملين في الإدارة المدنية. ويُرجَّح أن هذا القلق كان نابعًا أساسًا من الخوف من فقدان نفوذهم أمام الصعود المتزايد للحركة التقليدية الناشئة.23
وخلال فترة نفوذ البرامكة، التي استمرت حتى سنة 803م، أخذت كفة القوة تميل لصالح الأرستقراطية الفارسية، ومن ثم لصالح التكتل الأوسع الذي كانت تنتمي إليه، والذي سأطلق عليه اسم «الكتلة الاستبدادية». وهذه التسمية ليست دقيقة تمامًا، وإنما استعملتها على سبيل التقريب، وسأوضح أسبابها فيما بعد.
أما سقوط البرامكة فقد أدى إلى صعود الفضل بن الربيع، وهو عربي كان يمثل التكتل المقابل الذي سأطلق عليه اسم «الكتلة الدستورية». وقبل وفاته، وضع الرشيد ترتيبات أدت عمليًا إلى تقسيم الدولة بين ابنيه، وكان من الممكن أن ينجح هذا الترتيب، كما تدل عليه تجارب الإمبراطورية الرومانية، لو أن الأخوين وأنصارهما كانوا مستعدين لاحترام حقوق بعضهم بعضًا. فكان المأمون يحكم القسم الشرقي من الدولة، حيث كانت «الكتلة الاستبدادية» أقوى نفوذًا بكثير، في حين كان الأمين يحكم قلب الدولة، الذي كان يُعد المعقل الرئيس لـ «الكتلة الدستورية»، بالإضافة إلى ما خضع لسلطانه من الأقاليم الغربية.
استمر تقسيم الدولة من سنة 809 إلى سنة 813م. ولم يكن أنصار الأمين مستعدين لقبول هذا التقسيم، فلجؤوا إلى القوة لحرمان المأمون من استقلاله الفعلي. وكانت النتيجة انتصار المأمون و«الكتلة الاستبدادية». ومع ذلك، فإن هذا الانتصار لم يقرّب تحقيق التوازن المنشود.
وفي سنة 816م ابتعد المأمون أكثر عن «الكتلة الدستورية» عندما عيّن علي الرضا وليًّا لعهده. وكان علي الرضا يومئذٍ زعيم السلالة العلوية، وإن لم يكن قد اعتُرف به بعدُ على نطاق واسع بوصفه الإمام الثامن عند الشيعة الإمامية. وكان هذا التعيين محاولة لاستمالة الشيعة المعتدلين، لكنه، مع ما بدا من رغبة المأمون في حكم منطقة الخلافة الإسلامية كلها من خراسان، أثار محاولة من «الكتلة الدستورية» لإقصائه، وذلك بإقامة خليفة منافس له في العراق هو إبراهيم بن المهدي سنة 817م.
غير أن علي الرضا توفي سنة 818م، فعاد المأمون إلى العراق سنة 819م، وسرعان ما انهارت الحركة التي قامت بقيادة إبراهيم.
وفي أواخر عهد المأمون، سنة 833م، قام بمحاولة جديدة لإقامة توازن بين «الكتلة الاستبدادية» و«الكتلة الدستورية». وتمثلت هذه المحاولة في المحنة. فقد طُلب من كبار رجال الدولة في بغداد والأقاليم أن يعلنوا على الملأ التزامهم بالعقيدة القائلة إن القرآن، كلام الله، مخلوق وليس غير مخلوق.
وربما لا تبدو الصلة بين هذه المسألة الكلامية والسياسة واضحة للوهلة الأولى، لكنها كانت موجودة بلا شك. فقد كانت الحركة التقليدية تمثل جزءًا مهمًا من «الكتلة الدستورية»، وكان معظم التقليديين يرون أن حياة الجماعة الإسلامية قد تحددت بالوحي الإلهي المُنزَّل في القرآن والسنّة. ومن ثم فإن القول بخلق القرآن كان يعني إنزال القرآن عن مرتبته الإلهية الكاملة، وبالتالي رفض تصورهم للجماعة الإسلامية بوصفها جماعة أقامها الله على هذا الأساس، كما كان يؤدي إلى إضعاف موقفهم كله.24
وفي المقابل، كان ذلك يقوي موقف الشيعة الذين كانوا يلتمسون الهداية من الإمام أو القائد ذي الكاريزما الدينية، وليس من النصوص المنزلة وحدها. ومع أن الاستمرار في سؤال الناس واختبارهم في هذه المحنة لم يكن منتظمًا دائمًا، فإن هذه السياسة العامة استمرت حتى نحو سنة 849م، أي بعد فترة قصيرة من بداية عهد المتوكل (847–861م)، حين عاد الميل من جديد إلى الاعتماد بدرجة أكبر على «الكتلة الدستورية». ولا حاجة إلى الإطالة في الحديث عن بقية هذا القرن. فقد كان طاهر، أحد قادة المأمون، قد جعل نفسه مستقلًا عمليًا في خراسان منذ نحو سنة 820م، ثم أخذ آخرون في مناطق مختلفة يحذون حذوه. أما في مركز الدولة، فقد أصبح الخليفة أكثر اعتمادًا على حرسه وقواته الخاصة، وبينما ظلت هيبته ومكانته محفوظتين، أخذت حقيقة السلطة الفعلية تفلت من يده بسرعة.
هذا، هذا إذن هو العرض العام للأحداث المتعلقة بعصر كبار شيوخ المعتزلة. أما العوامل السياسية والاجتماعية الكامنة وراء هذه الأحداث، فيمكن قول شيء عنها، وإن كان ذلك على سبيل الافتراض والتحفظ. غير أنه لا بد أولًا من التنبيه إلى نقطتين أساسيتين.
أولاهما أن آراء النخبة السياسية الفاعلة كانت أهم من آراء عامة الناس الذين لم يكن لهم دور سياسي مباشر. فقد كانت الأهمية السياسية الرئيسة للعامة تتمثل في كونهم مقاتلين أو جماهير يمكن حشدها، وكان سكان بغداد خاصة قوة لا يُستهان بها. وبقدر ما كان مطلوبًا تأييد الناس القوي أو مجرد قبولهم للأوضاع القائمة، كانوا عاملًا سياسيًا مؤثرًا؛ أما في الأحوال العادية، فلم تكن الآراء التي يُعتد بها إلا آراء أصحاب النفوذ والمسؤولية.
وثانيتهما أن ما سُمِّي هنا «الكتلة الاستبدادية» و«الكتلة الدستورية» لم يكن كتلتين متجانستين. فكل منهما كان يضم عناصر متعددة ومتباينة، وكان بعض هذه العناصر ينتقل أحيانًا من جانب إلى آخر. وقد وصفهما بعض المؤرخين المتقدمين بأنهما «الحزب الفارسي» و«الحزب العربي» على الترتيب، لكن تبين أن هذا الوصف ليس أكثر من تقريب عام،25 كما أن من المشكوك فيه أن يكون الفرس والعرب في تلك الفترة مدفوعين بشيء يشبه الشعور القومي بالمعنى المعروف.
وتُظهر دراسة موجزة للمادة التاريخية أن «الدستوريين» كانوا يميلون إلى الموقف السني، في حين كان «الاستبداديون» أقرب إلى التشيع. وكان الرشيد، وهو لا يزال يحاول المحافظة على التوازن بين الفريقين، يضطهد الجماعة الرئيسة من الشيعة التي كانت تُعرف آنذاك بالرافضة. وكان من بين من سُجنوا بشر بن المعتمر وبشر المريسي.26 وقد ظل المريسي موضع ريبة أيضًا خلال الفترة القصيرة التي سيطر فيها إبراهيم، مستندًا إلى دعم «الدستوريين»، على بغداد.27
وكان المأمون، كما تقدم، قد عيّن علي الرضا وليًّا لعهده. ثم أصبح لبعض المعتزلة، خلال فترة المحنة، نفوذ كبير في توجيه شؤون الدولة، وكانت المحنة نفسها مستوحاة من آرائهم. وهؤلاء المعتزلة، وإن لم يكونوا شيعة، كانوا متعاطفين مع المطالب العلوية. ومع أن هذا كان الاتجاه العام للفريقين، فقد وُجدت استثناءات كثيرة. فالمأمون نفسه كان واسع المعرفة بعلوم أهل الحديث، في حين نجد الأمين يحظى بتأييد أحد الشيعة الذين كان أبوه قد سجنهم.28
كان أبرز المعتزلة في عصر المأمون ومن جاء بعده من الموالي في الغالب، أي من غير العرب الذين ارتبطوا بالقبائل العربية، ويبدو أن أكثرهم كانوا من سكان المدن العراقية الأصليين. وكانوا ينتمون إلى ما أسميه الحركة التقليدية، وهي جماعة من المتدينين الذين انشغلوا بدراسة القرآن وتفسيره وبحث مسائل الفقه. وربما لا يكون من الدقة أن نطلق عليهم اسم «التقليديين» قبل سنة 850م، لأن مفهوم «سنة النبي» لم يكن قد استقر بصورته المعروفة إلا بعد تأثير الشافعي (ت 820م). لكن هذه الجماعة كانت موجودة بالفعل منذ نحو سنة 700م، وإن كانت في بداياتها أقل تماسكًا وتنظيمًا مما أصبحت عليه لاحقًا. ويمكن أيضًا وصفها بأنها جماعة العلماء، لأنها كانت تضم المتخصصين في الفقه الإسلامي، وكانت الطريق الطبيعي للوصول إلى منصب القضاء. وفي عهد المأمون وخلفائه تولى عدد من المعتزلة منصب القضاء.
كما شارك المعتزلة هذه الحركة في عدائها لطبقة الكُتّاب والموظفين الإداريين، وهاجموا بقوة الأفكار المانوية التي كانت تعبر عن شعور تلك الطبقة بالقلق والخوف من فقدان مكانتها مع تزايد نفوذ العلماء في المجتمع الإسلامي.29
أما سبب اهتمام بعض أفراد هذه الحركة الناشئة بالفكر اليوناني فما زال غير واضح. فقد يكون بعضهم قد نشأ في أسر عرفت شيئًا من الثقافة اليونانية قبل دخولها في الإسلام، أو ربما رأوا أن المناهج الفلسفية اليونانية مفيدة في المناظرات والجدل مع الكُتّاب والموظفين. ومن المحتمل أيضًا أن يكون هناك اهتمام فكري عام في ذلك العصر لا نعرف عنه الكثير اليوم. ومهما يكن السبب، فإن المعتزلة كانوا بلا شك في طليعة الحركة التي ازدهرت في عهد المأمون لترجمة الفلسفة والعلوم اليونانية؛30 كما أن الكندي، الذي كان أبرز ممثل للفلسفة اليونانية باللغة العربية في ذلك الوقت، كانت آراؤه قريبة من آراء المعتزلة في كثير من المسائل.
ويُقال إن أبا الهذيل، الذي يُعد المؤسس الرئيس لعلم الكلام الفلسفي عند المعتزلة، وُلد في البصرة نحو سنة 752م أو قبل ذلك بقليل، وتوفي سنة 840م أو بعدها. وربما جُعل تاريخ مولده أقدم مما كان عليه في الواقع لربطه بواصل بن عطاء. ومن جهة أخرى، قد يكون قد عاش عمرًا طويلًا حتى بلغ سنًا متقدمة جدًا. ولا يوجد في الأخبار الأخرى المتعلقة به ما يقتضي افتراض أنه ظل نشطًا بعد سنة 830م، بل ربما لم يكن نشطًا حتى بعد سنة 825م. وقد حضر مناظرات عُقدت في مجلس يحيى البرمكي، ولا بد أن ذلك كان قبل سنة 803م.31 كما حضر مناقشات شارك فيها المأمون نفسه، بل ترأس بعضها، وذلك بعد سنة 819م، حين استقر المأمون في بغداد.32 ومن ثم فلا بد أن ذروة نشاطه كانت تقريبًا بين سنتي 795 و825.
كان بشر بن المعتمر أول زعيم للمعتزلة في بغداد، وإن لم يكن بالضرورة أول معتزلي ظهر فيها. وُلد في بغداد، لكنه تلقى العلم في البصرة. وفي عهد الرشيد سُجن بسبب آرائه الرافضية، ويُقال إنه اشتهر بين الناس بسبب أبيات شعر نظمها أثناء سجنه.
وعادةً ما تُذكر سنة 825م تاريخًا لوفاته، لكن لا توجد فيما يبدو أي أخبار عن نشاط له بعد سنة 809م. ولو كان لا يزال حيًّا وفاعلًا عند عودة المأمون إلى بغداد، فمن المرجح أنه كان سيحظى بشيء من الاهتمام. ولذلك يبدو أن الفترة الأساسية لنشاطه كانت تسبق فترة أبي الهذيل بنحو عشر أو خمس عشرة سنة.
ولا تخبرنا المصادر إلا بالقليل عن الآراء السياسية لهذين الرجلين. فقد كان أبو الهذيل يرى أن أحد الطرفين في وقعة الجمل — علي من جهة، وطلحة وأصحابه من جهة أخرى — كان على حق والآخر على خطأ، لكنه لم يكن يعلم أيهما المصيب، ولذلك كان يتولى الفريقين جميعًا. أما بشر فكان يرى أن عليًا كان على حق وأن طلحة كان مخطئًا، كما كان يرى أن عليًا أصاب عندما قبل بالتحكيم، وأن المحكِّمين أخطأوا حين لم يحكموا وفق كتاب الله.33 وكان النظام، وهو أحد كبار المعتزلة في البصرة في الفترة نفسها تقريبًا، يشارك بشرًا الرأي نفسه في شأن علي وطلحة.
وهذا كل ما تخبرنا به المصادر. فكيف يمكن فهم هذه الآراء في ضوء الظروف السياسية التي كانت سائدة آنذاك، على افتراض أن لها دلالة سياسية معاصرة؟
يمكن أن يساعدنا في ذلك ملاحظة أن أبرز خصوم المعتزلة في المناظرات التي يذكرها المسعودي وغيره كانوا الرافضة، وهو المصطلح الذي استعمله الجاحظ والخياط والنوبختي، وإن كان المسعودي يفضل تسميتهم «الإمامية».
وكان من أبرز ما يميز الرافضة أنهم رفضوا إمامة أبي بكر وعمر، واعتقدوا أن عليًا هو الإمام الشرعي منذ البداية، وأن من سبقه اغتصبوا هذا الحق. ومن هذه الناحية كانت آراء بشر متفقة مع آراء الرافضة، وإن كانت تختلف عنها في جوانب أخرى على الأرجح. ولهذا كان لدى الرشيد بعض المبررات لسجنه.
لكن ما الدلالة السياسية المباشرة لهذا الموقف الرافضي؟
ربما كانت هناك جماعات متطرفة داخل التشيع، عُرفت بالغلاة، مستعدة للثورة في أي وقت. أما الرافضة الذين كان أبو الهذيل يناظرهم في البصرة وبغداد، والذين كانوا يحضرون المجالس والمناظرات علنًا، فلا يبدو أنهم كانوا يفكرون في الثورة أصلًا.
بل إن الروايات الشيعية نفسها تدل على أن الأسرة العلوية لم تُبد اهتمامًا فعليًا بالسياسة قبل تعيين علي الرضا وليًا للعهد سنة 816م. أما الرأي الشيعي المتأخر القائل إن العلويين ظلوا طوال النصف قرن السابق لسنة 816م يعملون باستمرار من أجل المطالبة بالإمامة، فلا يستند إلى أساس تاريخي متين، وينبغي الحذر من تأثيره عند التعامل مع المصادر.
فإذا كان الرافضة في عهد الرشيد والمأمون لا يسعون إلى ثورة علوية، فما الذي كانوا يريدونه؟
هنا ينبغي أن نتذكر أن النقاشات السياسية في ذلك العصر كانت تدور حول علي وطلحة، والتحكيم، ومعاوية، وغير ذلك من أحداث صدر الإسلام. وبعد ذلك بقليل انخرط الجاحظ في جماعة من العثمانية. ولأسباب غير واضحة لنا اليوم، كان من المألوف آنذاك أن تُصاغ الخلافات السياسية المعاصرة بلغة أحداث وقعت قبل قرن ونصف تقريبًا. غير أن هذا كان مجرد إطار ظاهري للنقاش، ولا ينبغي أن يحجب عنا المعنى السياسي الحقيقي الذي كانت تحمله تلك المناقشات في زمانها. فمثلًا، لا ينبغي أن يُظن أن العثمانية كانوا يدعون إلى إحياء الدولة الأموية لمجرد أنهم حملوا اسم الخليفة الثالث؛ فقد كانوا في الواقع مؤيدين مخلصين للدولة العباسية.34
ومن هذا المنظور يمكن الوصول إلى نتيجة مهمة، وهي أن الذين كانوا يدافعون بحماسة عن علي لم يكونوا بالضرورة مؤيدين للحكم العلوي. فكثير ممن وُصفوا بالرافضة قبل سنة 816م، بل وحتى خلال نصف القرن الذي تلاها، لم يكونوا يعملون لإسقاط الدولة العباسية وإقامة دولة علوية مكانها.
فإذا لم يكن الرافضة حزبًا يسعى إلى نقل الخلافة إلى العلويين، فما الأهداف التي كانوا يسعون إليها؟
وللإجابة عن هذا السؤال، يمكن القول إن القضية المطروحة لم تكن: من الذي ينبغي أن يحكم؟ بل كانت: ما طبيعة الحاكم الذي ينبغي أن يحكم؟ فهل يجب أن يكون الخليفة شخصًا يملك «حقًا إلهيًا» في الحكم، ومن ثم يكون المصدر الأول للتشريع في الدولة؟ أم أنه مجرد إنسان يخضع للشريعة الإلهية الواردة في القرآن وسنة النبي؟ (وكان هذا التصور الأخير يتبلور في تلك الفترة على يد الشافعي). ولم يكن هذا الخلاف حول طبيعة الخلافة مجرد نقاش نظري، بل كان قضية سياسية عملية تتعلق بمن ستكون السلطة الفعلية في يده تحت حكم الخليفة: هل تكون في يد طبقة العلماء الصاعدة، أم في يد منافسيهم من الإداريين القدامى والكُتّاب وغيرهم؟
ويشير الدارمي إلى أن التشيع كان أحيانًا غطاءً مناسبًا لآراء منحرفة، بل وحتى لآراء غير إسلامية. ومن المحتمل أن بعض الكُتّاب الذين كانوا في الأصل مانويين أو زنادقة قد أعلنوا التشيع، وربما في صورته المتطرفة.35 أما الرافضة المعتدلون، فلا بد أنهم كانوا يؤيدون العباسيين. وينبغي أن نتذكر أن شرعية العباسيين في هذه الفترة، منذ عهد المهدي (775-785م)، كانت تقوم على أنهم من نسل العباس عم النبي، ومن ثم كانوا يدّعون نوعًا من «الحق الإلهي» في الخلافة.36
وكان أبو الهذيل معارضًا للرافضة. فهو لم يحسم أي الفريقين في موقعة الجمل كان على حق، بل كان «يتولى الفريقين جميعًا». ولذلك لم يوافق الرافضةَ على أن عليًا كان مصيبًا في كل شيء، ومن ثم لم يقبل فكرةَ الإمام المعصوم أو الموجَّه من الله، ولم يرَ أن الخليفة الشرعي لا بد أن يكون من هذا النوع. وهذا ينسجم مع كونه منتميًا إلى جماعة العلماء الناشئة أو الحركة التقليدية.
وفي المقابل، لم يوافق خصومَ علي أيضًا. فإلى جانب قوله بخطأ معاوية، كان يقول بخلق القرآن، وهو رأي يخالف الاتجاه الذي أخذ يسود بين أهل الحديث والقائل بأن القرآن غير مخلوق.
وباختصار، يبدو أن أبا الهذيل كان يحاول التوفيق بين الاتجاهات المتعارضة داخل الدولة العباسية. فلم يكن يدافع عن العباسيين ضد الثائرين عليهم، بل كان يسعى إلى إيجاد قدر من التفاهم بين الجماعات المختلفة التي قبلت بالحكم العباسي. وفي الوقت نفسه — وهذان الأمران مترابطان — كان يحاول التوفيق بين العقل والوحي بوصفهما الأساسين الفكريين للجماعة الإسلامية.
أما بشر بن المعتمر فكان يسعى هو الآخر إلى التوفيق بين الاتجاهات المتعارضة، ولكن بطريقة تختلف عن طريقة أبي الهذيل. فقد وافق الرافضة في حكمهم على أحداث الماضي، فكان يرى أن عليًا كان على صواب وأن خصومه كانوا مخطئين، لكنه لم يوافقهم على الأساس الفكري الذي بنوا عليه هذا الحكم. فإقراره بأحقية علي لا يعني بالضرورة تبنيه لفكرة الإمام المعصوم أو جعل الإمام المصدر الوحيد للسلطة الدينية. وفي المقابل، لم يجعل الشريعة وحدها كافية دون حاجة إلى الإمام. بل جمع بين الأمرين معًا. ويتضح ذلك من قوله إن المحكِّمين أخطأوا لأنهم لم يحكموا وفق كتاب الله؛ فهو يؤكد بذلك أن المرجع الأعلى هو الشريعة الإلهية، حتى إن الإمام نفسه لا يجوز أن يتجاوزها.
ويمكن تلخيص موقفه بأنه كان يرى أن القرآن والإمام كلاهما عنصر أساسي في حياة الجماعة الإسلامية، وأنه لا ينبغي تقديم أحدهما على الآخر بصورة تلغي دوره. فلا الإمام يغني عن الشريعة، ولا الشريعة تجعل وجود الإمام غير ذي أهمية. وكان هذا الموقف التوفيقي مرشحًا لتخفيف حدة الخلافات بين الاتجاهات المتنافسة، ولعل هذا ما جعل المأمون يتبناه أساسًا لسياسته. ويؤيد ذلك أن ابن أبي دؤاد، قاضي القضاة في عهد المأمون، كان في فترة من حياته من أتباع بشر بن المعتمر.
وتظهر مرحلة لاحقة من تطور الفكر السياسي المعتزلي عند الأصم والجاحظ.37 فالأصم كان قاضيًا في عهد المعتصم (833-842م)، لكن المعلومات المتوافرة عنه قليلة. أما الجاحظ، الأديب الشهير، فقد توفي سنة 869م. وقد انتمى كلاهما مدةً من الزمن إلى جماعة عُرفت باسم «العثمانية». غير أن الجاحظ يُنقل عنه أنه غيّر آراءه أكثر من مرة؛ فكان أحيانًا يدافع عن العثمانية ضد الرافضة، وأحيانًا أخرى يدافع عن الزيدية ضد العثمانية وأهل السنة.38 ولا يبعث هذا التغير على الاستغراب إذا نُظر إليه في ضوء التحولات السياسية التي شهدها العصر، ولا سيما سياسة المحنة ثم التراجع عنها نحو سنة 849م. ويبدو أن مرحلة الجاحظ العثمانية — إذا صحت هذه الرواية — كانت قبل وفاة الناقد المعتزلي الإسكافي سنة 854م، وربما مال في أواخر حياته إلى الآراء الزيدية، وقَبِل بإمامة علي.
وأما الآراء السياسية الرئيسة المنسوبة إلى «الأصم» فهي اثنتان:
أولهما أنه لا يمكن الحكم على علي أو طلحة أو معاوية بالصواب أو الخطأ إلا بعد معرفة نياتهم: هل كانوا يعملون لمصلحة المسلمين أم لمصالحهم الشخصية؟ –39 ولما كانت النيات أمرًا لا يمكن الاطلاع عليه، فإن هذا الرأي كان في الواقع وسيلة لتجنب إصدار حكم قاطع على هؤلاء الأشخاص.
وثانيهما أن الإمامة لا تثبت إلا بإجماع المسلمين. وبناءً على هذا المبدأ كان معاوية إمامًا شرعيًا، أما علي فلم يكن كذلك.40 ويتفق هذا مع ما يُنسب إلى «العثمانية» من رفضهم إمامة علي.41
ولما كان الجاحظ لا يهتم كثيرًا بإثبات فضائل عثمان بقدر اهتمامه بالرد على من يفضلون عليًا على أبي بكر، فيبدو أن وصف «العثمانية» كان في الأصل لقبًا أطلقه الخصوم على هذا الاتجاه. ولم يكن أصحابه مهتمين اهتمامًا خاصًا بعثمان، ولا كانوا أنصارًا للأمويين، وإن كان الاسم يحمل دلالة سلبية في نظر خصومهم.
ويبدو أن الهدف الحقيقي لهذا المذهب كان تبرير شرعية الخلافة العباسية على أساس إجماع المسلمين. وكان هذا يعني انتقالًا من أفكار «الكتلة الاستبدادية» إلى أفكار «الكتلة الدستورية». غير أن كثيرًا من أتباع الكتلة الاستبدادية، حتى المعتدلين منهم، كانوا على الأرجح معارضين لهذا الاتجاه بشدة، ولذلك قد لا يكون قد حقق أثرًا سياسيًا كبيرًا..
وتظهر مرحلة متأخرة من هذا الاتجاه في رأي الجبائي (ت 915م) في عثمان؛ إذ كان يقول إنه لا يعلم أيهما أفضل، عثمان أم علي، لكنه كان يقر بإمكان أن يكون عثمان أفضل منه.42
أما العلاقة بين المعتزلة والزيدية فهي مهمة لفهم هذه القضايا، لكن الغموض الذي يحيط بها يجعل من الصعب بحثها بتفصيل. فالخياط المعتزلي يذكر أن جعفر بن مبشر كان سببًا في انتقال بعض أتباع الزيدي سليمان بن جرير إلى الاعتزال، بينما يذكر الشهرستاني أن بعض المعتزلة، ومنهم جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب، كانوا يتبنون الآراء السياسية نفسها التي كان يتبناها سليمان بن جرير.43 وكان سليمان بن جرير يرى أن عليًا أفضل من غيره، لكنه كان يجيز إمامة المفضول مع وجود الأفضل؛ أي إنه كان يرى أن أبا بكر ونحوه يمكن أن يكونوا أئمة شرعيين مع اعتقاده أن عليًا أفضل منهم.
ويبدو أن الزيدية التي اقتربت من المعتزلة كانت جماعة من القرن التاسع الميلادي، شاركت في المناقشات الدائرة آنذاك حول علي وأبي بكر وغيرهما. وكانت هذه المناقشات تتعلق بقضايا سياسية معاصرة، ولم يكن الكلام عن شخصيات الماضي مجرد بحث تاريخي. وقدمت الزيدية نوعًا من الحل الوسط بين الاتجاهات المتصارعة، وإن اختلفت تفاصيل هذا الحل من شخص إلى آخر ومن زمن إلى آخر. ورغم وجود أوجه شبه بين هذا الموقف وموقف زيد بن علي نفسه، فإن تأثير زيد المباشر فيه كان محدودًا.
واستمر المعتزلة موجودين ما لا يقل عن قرنين آخرين. ولأن بعضهم تولى مناصب القضاء، فمن الطبيعي أنهم كانوا في الغالب مؤيدين للخلافة والسلطة القائمة. غير أن تصورهم السياسي الأساسي، القائم على التوفيق بين الاتجاهات المختلفة، لم ينجح في حل التوترات التي كانت تعاني منها الدولة. ومع ظهور أوضاع جديدة بعد سنة 950م لم يقدم المعتزلة حلولًا أو أفكارًا جديدة مناسبة لها، فبدأ نفوذهم يضعف تدريجيًا.
وتشبه المواقف السياسية للمعتزلة محاولات بعض الأباطرة البيزنطيين تهدئة دولتهم عن طريق فرض صيغ عقدية توفيقية من السلطة. فمثل هذه الحلول تبدو جذابة في ظاهرها، والسياسيون يميلون عادة إلى البحث عن حلول سريعة للمشكلات الآنية، لكنها لا تنجح في إرضاء المشاعر الدينية العميقة لدى الأطراف المتنازعة، ولذلك تفشل على المدى البعيد.
إن أثمن ما قدمه المعتزلة كان محاولتهم التوفيق بين العقل والنقل. ومع ذلك، فإنني أعتقد أنهم لم ينجحوا في صياغة هذا التوفيق بالقدر الذي نجح فيه الأشعري، الذي جعل الوحي هو الأصل، مع الإبقاء على دور مهم للعقل في مرتبة تالية. وعلى الصعيد السياسي، أدى ذلك إلى ترسيخ فكرة أن القرآن والسنة هما المرجع الأعلى، ما دام للرأي العام تأثير في الحياة السياسية. وكانت النتيجة النهائية انتصار «الكتلة الدستورية»، أو بعبارة دينية: انتصار أهل السنة.
أصول المعتزلة
يتحدث مؤرخو الفرق في العصور المتأخرة، ممن تأثروا بالتراث المعتزلي والأشعري أو اعتمدوا عليه اعتمادًا كبيرًا، عن المعتزلة باعتبارهم جماعة أسسها واصل بن عطاء، وأنها استمرت من بعده دون انقطاع. لكن خصوم المعتزلة في أوائل القرن التاسع الميلادي لم يكونوا ينظرون إلى الأمر بهذه الصورة الواضحة، كما أن كثيرًا من المصادر الأقدم لا تؤيد هذا التصور، بل تتعارض معه.
أما العلاقة بين واصل و«عمرو بن عبيد» فليست واضحة تمامًا. فالرواية المتأخرة الشائعة تقول إن عمرو كان تلميذًا لواصل، غير أن المصادر تذكرهما أحيانًا معًا وكأنهما في منزلة واحدة تقريبًا، بل إن بعضها ينسب تأسيس المعتزلة وقيادتها إلى عمرو وحده.44
ويزداد الأمر تعقيدًا بسبب وجود نص يذكر واصلًا وعمرو وشخصًا ثالثًا هو «ضرار» باعتبارهم «جذور» المعتزلة أو أسسها الأولى.45 ويصوَّر واصل وضرار في هذا النص على أن لهما مواقف سياسية قريبة من مواقف «أبي الهذيل»، في حين تشبه آراء عمرو آراء «بشر بن المعتمر». وكان ضرار من أوائل من اشتغلوا بعلم الكلام الفلسفي، ويقال إنه كان أبرز معلمي البصرة قبل أبي الهذيل.46 بل إن بعض الباحثين يرجح أنه أول من طرح الفكرة التي تبناها الأشاعرة لاحقًا، وهي أن الله يخلق أفعال الإنسان، بينما (يكتسبها) الإنسان ويُنسب إليه فعلها.
ويبدو أيضًا أن ضرار كان من الشخصيات التي أسهمت بقوة في نشوء التيار الفكري الذي خرج منه أبو الهذيل. وتدل النقول الواردة عن «ابن الراوندي» في كتاب الانتصار على أن الناس كانوا يعدّون ضرارًا وعددًا من غيره ضمن المعتزلة، رغم أن «الخياط» ومن جاء بعده من المعتزلة أنكروا ذلك. كما لا يوجد دليل على أن ضرار تأثر أصلًا بواصل أو عمرو.
ومن مجموع هذه الشواهد يمكن الوصول إلى نتيجة مهمة، وهي أنه لم تكن هناك جماعة محددة المعالم تُعرف بأتباع واصل وعمرو قبل منتصف القرن التاسع تقريبًا. ويبدو أن بداية تشكل هوية خاصة لهذه الجماعة تظهر في شعر بشر بن المعتمر، حين أعلن أنه يتبع عمرو بن عبيد، وأنه لا ينتمي إلى جماعات أخرى ربما كان من بينها أتباع ضرار أو أتباع جهم. أما اكتمال تشكل المعتزلة كفرقة متميزة فقد ظهر عندما وضع الخياط تعريفًا للمعتزلي، فجعله من يؤمن بالأصول الخمسة التي عددها.47 ومنذ ذلك الوقت اختفى الاستعمال الفضفاض القديم لكلمة «معتزلي»، وأصبحت المعتزلة جماعة فكرية واضحة الحدود، وإن بقيت بينها بعض الخلافات الداخلية.
وعند فهم هذه المرحلة يتضح أن إصرار بشر وغيره على الانتساب إلى واصل وعمرو كان في الأساس ردًا على اتهامهم بأنهم جهمية. فمجرد نفي التهمة لم يكن كافيًا؛ بل كان لا بد من إثبات انتماء إيجابي إلى شخصيات تحظى بالاحترام. ولهذا يبدو أن بشر اختار الانتساب إلى عمرو بن عبيد، لما كان يتمتع به من مكانة بين أهل الحديث، ولتقارب مواقفه السياسية مع مواقف بشر. بينما فضّل آخرون الانتساب إلى واصل. وربما كانت الشهرة الكبرى التي حظي بها واصل فيما بعد ترجع إلى أنه كان أقل ارتباطًا بالشبهات المتعلقة بالتعاطف مع العلويين.
وإذا افترضنا أن المعلومات المتوافرة عن واصل وعمرو كافية لمعرفة آرائهما، فإن بينهما قدرًا من التشابه. ويُعد واصل صاحب فكرة المنزلة بين المنزلتين، وهي الفكرة التي ترى أن المسلم الذي يرتكب كبيرة لا يُعد مؤمنًا كامل الإيمان كما قالت المرجئة، ولا كافرًا كما قالت الخوارج، بل يقع في منزلة وسطى بين الإيمان والكفر. ولم تكن هذه الفكرة نظرية مجردة، بل كانت لها نتائج سياسية وعملية مهمة. فالخوارج المتشددون كانوا يرون أن مرتكب الكبيرة يخرج من جماعة المسلمين ويجوز قتله. وبما أنهم كانوا يعتبرون الدولة الأموية دولة ظالمة ومذنبة، فقد رأوا أن الخروج عليها مشروع، بل واجب عند بعضهم. أما المرجئة فكان موقفهم يؤدي عمليًا إلى تأييد الحكم الأموي. وكان هناك أيضًا خوارج معتدلون قبلوا العيش في ظل الحكم الأموي بوصفه ضرورة عملية، من غير إقرار بظلمهم.
وقد عاش «واصل» في زمن خلافة «هشام»، ومن ثم ينبغي النظر إلى آرائه في سياق الأوضاع في العهد الأموي. وهي ليست بعيدة عن مواقف الخوارج المعتدلين؛ إذ إن «واصلًا» لا يبرر الظلم ولا يقول إن الظالم مؤمن، ومن جهة أخرى، ما دام الظالم ليس كافرًا، فلا يوجد التزام بقتاله (وإن كان قد توجد، ربما، مبررات لمعاقبته إذا توفرت القدرة على ذلك).48
كما نُسب إلى واصل موقف آخر يتمثل في الامتناع عن الحكم في النزاع الذي وقع بين «علي بن أبي طالب» وخصومه، أي أنه لم يصرح بأن أحد الطرفين كان على حق مطلق والآخر على باطل مطلق.49 وهذا الموقف يختلف عن فكرة المنزلة بين المنزلتين، لكنه يشترك معها في النزعة إلى الحياد والابتعاد عن الأحكام القاطعة. وإذا كانت هذه الآراء تعود فعلًا إلى واصل نفسه، وليست إسقاطًا متأخرًا من أفكار أبي الهذيل على الماضي، فإنها تدل على رفضه الانحياز إلى الموقف الشيعي أو الخارجي، كما تمهد للموقف السني اللاحق الذي قبل جميع الصحابة ولم يطعن في عدالتهم. ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار المعتزلة المتأخرين امتدادًا له من الناحية السياسية، وإن كانت تطبيقات هذا الحياد قد اختلفت من عصر إلى آخر.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن الروايات المتأخرة عن نشأة المعتزلة صحيحة بالكامل. فالأدلة تشير إلى أنه لم توجد فرقة معتزلية واضحة المعالم قبل سنة 800م تقريبًا، وربما تأخر ظهورها إلى نحو سنة 850م. وكان واصل وعمرو في الأصل جزءًا من جماعة واسعة ومتنوعة خرج منها فيما بعد العلماء والمحدثون وأهل الكلام.
وفي أواخر القرن الثامن الميلادي تقريبًا بدأ بعض أفراد هذه الجماعة يهتمون بالقضايا العقلية والفلسفية المرتبطة بالعقيدة، في حين رفض آخرون الخوض في هذه المناقشات. ومع مرور الوقت تعرّف أصحاب الاتجاه الكلامي الذين اتفقوا على الأصول الخمسة بعضهم إلى بعض، كما تعرّف إليهم الناس بوصفهم جماعة مستقلة، ومن هنا ظهرت المعتزلة كفرقة متميزة.
ولهذا يبدو من المستبعد أن يكون لواصل أو عمرو تأثير مباشر وحاسم في تكوين المعتزلة اللاحقين، باستثناء تأثيرهما العام في البيئة الفكرية التي خرجت منها هذه الفرقة. ومن المرجح أنهما أيدا الدعوة العباسية عندما سمعا بها، لكن من غير المحتمل أنهما كانا من دعاتها الرسميين أو من منظريها السياسيين، خلافًا لما ذهب إليه «هارالد صموئيل نيبيرج» (H. S. Nyberg). ومع ذلك، فإن هذه المسألة لا يمكن حسمها نهائيًا قبل تفسير بعض الأبيات الشعرية الغامضة المنسوبة إلى واصل وأتباعه والتي ما زالت محل نقاش بين الباحثين.
الاعتزال والإرجاء
يمكن ملاحظة تشابه واضح بين اسمي المعتزلة والمرجئة، ولا سيما عندما يُشار إلى مذهبيهما بالمصدرين المشتقين منهما: الاعتزال والإرجاء. فهل يدل هذا التشابه على أن الحركتين نشأتا في الفترة نفسها تقريبًا، وأن كلًّا منهما كان يمثل موقفًا مقابلًا للآخر ومكملًا له؟
أما الشق الثاني من هذا السؤال فالإجابة عنه ليست واضحة. فالمشكلة لا تكمن في كونهما متعارضين تمامًا، بل في صعوبة التمييز بينهما أحيانًا. فكثيرًا ما يجد الباحث نفسه مترددًا في تصنيف بعض الأشخاص: هل كانوا من المرجئة أم من المعتزلة؟ بل إن بعض الشخصيات وُصفت بأنها معتزلية، مع الإقرار بأنها تبنت بعض أفكار الإرجاء.50 صحيح أن هذه الأحكام قد تكون صادرة عن مصادر متأخرة استخدمت المصطلحات بمعانيها اللاحقة، لكن السؤال الأساسي يبقى: ما الفرق الأصلي الذي كان يفصل بين الفريقين؟
لقد كان كل من المرجئة والمعتزلة يسعى إلى إيجاد طريق وسط بين الشيعة والخوارج. وقد سُمّيت المرجئة بهذا الاسم لأنها كانت «تؤخر» أو «ترجئ» الحكم على العصاة من أفراد المجتمع الإسلامي إلى يوم القيامة، وتترك الفصل النهائي في أمرهم لله تعالى. أما في الحياة الدنيا فكانت تعاملهم بوصفهم مؤمنين. وانطلاقًا من هذا المبدأ، عرّفت المرجئةُ الإيمانَ بأنه التصديق العقلي بالعقائد الدينية، ويضاف إليه أحيانًا جانب وجداني مثل محبة الله، مع الإقرار العلني بهذا الإيمان. أما المعتزلة فقد أدخلوا العمل الصالح ضمن مفهوم الإيمان، وأكدوا بصورة خاصة أهمية الالتزام بالأعمال التي أمر الله بها.51
وفي ظل الدولة الأموية كان لهذا الخلاف أثر سياسي واضح. فالمرجئة، مع اعترافها بأن الأمويين ارتكبوا أخطاء وظلمًا، كانت مستعدة لاعتبارهم مؤمنين ولتأييد حكمهم. أما واصل بن عطاء ومن سار على نهجه فلم يكونوا يرون أن تلك الأخطاء تمنح الأمويين استحقاق الدعم والتأييد، وإن لم يحكموا عليهم بالكفر.
ومع قيام الدولة العباسية فقد هذا الخلاف كثيرًا من أهميته السياسية، لأن الحكام الجدد لم يكونوا يُنظر إليهم بوصفهم أهل ظلم وانحراف كما كان يُنظر إلى الأمويين. وأقصى ما يمكن قوله إن المعتزلة كانوا أشد صرامة قليلًا من المرجئة في موقفهم من مرتكبي الذنوب. وربما استمر التنافس بين الفريقين لأسباب شخصية وعلمية أيضًا. وكان من أبرز الشخصيات المرتبطة بالمرجئة «أبو حنيفة»، مع أنه لم يُعدّ في أي وقت من أصحاب البدع أو الفرق الخارجة عن الإسلام.
وقد تقبل بعض أتباعه من الحنفية الاتجاه الجديد في علم الكلام، لكنهم طوّروه في إطار رؤيتهم الخاصة لأصول الفقه ومناهج الاستنباط. وفي المقابل، دافع المعتزلة عن آرائهم العقائدية المميزة، ووجّهوا نقدًا للمناهج الفقهية التي ارتبطت بالمرجئة، وخاصة منهجي الرأي والقياس.52
ثم جاءت مرحلة لاحقة تبنى فيها الأشاعرة — وكان معظمهم من الشافعية — كثيرًا من الأساليب المنطقية والكلامية التي طورها المعتزلة، وشكّلوا مدرسة مستقلة. وعندئذ وجدوا أنفسهم في مواجهة المدرسة الماتريدية التي كانت ذات طابع حنفي شبه كامل. ولذلك فربما كان الانقسام بين المعتزلة والمرجئة في العصر العباسي المبكر أعمق مما يبدو للوهلة الأولى، إذ لم يكن مجرد خلاف في بعض المسائل العقدية، بل كان مرتبطًا أيضًا بخلفيات فقهية وعلمية مختلفة.
وكما أشار «نيبيرج» (Nyberg)، فإن المعنى الأصلي لكلمة الاعتزال قبل الإسلام كان يعني الابتعاد عن النزاع والامتناع عن الانحياز لأي طرف، أي اتخاذ موقف الحياد.53 وفي العصر الأموي أمكن تفسير هذا الحياد بطرق متعددة، بعضها كان منسجمًا مع التعاطف مع الدعوة العباسية، وإن لم يصل إلى حد المشاركة الفعلية في الدعاية لها. لكن بحلول القرن التاسع، في زمن «الخياط»، كانت التحولات السياسية قد غيّبت المعنى الأصلي للاعتزال. فلم يعد الحياد السياسي قضية مطروحة بإلحاح كما كان من قبل، ولذلك لم يعد لفظ الاعتزال يُستخدم للدلالة على الحياد، بل أصبح يشير إلى المنظومة العقدية الخاصة بالمعتزلة، أي إلى الأصول الخمسة التي تميز مذهبهم.54
ومن ثم لم يكن الانتماء إلى المعتزلة مرتبطًا بموقف سياسي معين، بل بالإيمان بهذه الأصول الخمسة. وقد رأينا سابقًا كيف انتقد «الإسكافيُ» «الجاحظَ» بسبب ما رآه فيه من نزعة عثمانية. وهذا يوضح أن المواقف السياسية لم تكن هي المعيار الحاسم في تحديد الهوية المعتزلية. واللافت أن أشهر الأصول الخمسة في نظر المعتزلة أنفسهم، وكذلك في نظر عامة الناس، كانت أصلي العدل والتوحيد، وهما في الحقيقة أبعد الأصول عن المجال السياسي المباشر. ولذلك، فمع أن للمعتزلة جانبًا سياسيًا بلا شك، فإن ازدهار فكرهم الكلامي لم يكن نتيجة للصراعات السياسية بقدر ما كان استجابة لحاجة فكرية عميقة.
فقد وجد المسلمون أنفسهم أمام تحدٍّ كبير يتمثل في التوفيق بين الدين الإسلامي الجديد وبين التراث الثقافي والفلسفي العريق للشعوب التي دخلت تحت الحكم الإسلامي. ومن هنا نشأت الحاجة إلى بناء منظومة عقلية قادرة على إزالة التوتر بين العقيدة الإسلامية والثقافات السابقة، وهو ما أسهم بقوة في تطور الفكر المعتزلي.
والصورة النهائية التي يمكن رسمها هي أن الاعتزال بدأ كحركة محدودة نسبيًا تدعو إلى الحياد السياسي داخل الأوساط الفكرية في البصرة خلال أواخر العصر الأموي. لكن هذه الحركة ذابت تدريجيًا في النشاط الفكري الواسع الذي شهدته المدينة. ثم، عندما بدأ بعض علماء البصرة يهتمون بالفلسفة اليونانية وبالمسائل الكلامية، وأطلق عليهم خصومهم لقب «الجهمية»، ردّوا على ذلك بإعلان انتسابهم إلى «عمرو بن عبيد» و«واصل بن عطاء»، كما أعادوا تعريف مفهوم الاعتزال تعريفًا عقديًا بدلًا من معناه السياسي القديم..
إن المعالجة الوافية للمسائل التي أُثيرت في هذه الدراسة تحتاج إلى مساحة أكبر بكثير مما هو متاح هنا. ومع ذلك، فإن بعض الفرضيات والاستنتاجات التي طُرحت تتمتع بدرجة معقولة من المصداقية والوجاهة الأولية، مما يبرر عرضها بصورتها الحالية ووضعها بين أيدي الباحثين الآخرين للنظر فيها ومناقشتها وتقييمها.


