نقد مارتن ريس حول الضبط الدقيق

✦ المقدّمة

منذ مدّة وأنا أخوض نقاشات مطوّلة مع عدد من الأصدقاء والمهتمّين بالمباحث الفلسفية المتعلّقة بوجود الإله من عدمه. وقد اطّلعت على معظم ما طُرح في هذا الباب من أدلّة، سواء من الفلاسفة والمؤمنين بوجود الإله أو من المعارضين لذلك. ولم يكن هذا الاطلاع بدافع الجدل، بل بدافع قلقٍ وجوديّ حقيقيّ دفعني إلى دراسة المنطق دراسةً معمّقة، وسؤال المختصّين دون حرج، سعيًا لإرضاء أسئلة لا تكفّ عن ملاحقتي.

كنت قد اقتنعت بأن الفرق بين إنسان يعتقد بوجود الإله وآخر لا يعتقد بذلك ليس فرقًا فكريًا مجرّدًا، بل فرق يمسّ البنية النفسية والاجتماعية والوجودية للإنسان مسًّا جذريًا. كما ترسّخ عندي أنّ من مقتضيات العقل الإنساني السليم أن يبحث في هذه الأسئلة الكبرى، وأنّ من لا يسأل نفسه عنها قد عطّل أهمّ ما يقرّبه من العتبة الإنسانية: التفكير، والبحث، والفضول المعرفي.

وفي رحلتي هذه، وقفت على دليل النظم والعناية عند ابن رشد وغيره، ثم تعرّفت على ما يُسمّى في الفيزياء الحديثة بـ دليل الضبط الدقيق (Fine-Tuning). وأثناء ذلك أرسل لي أحد الأصدقاء كتاب الأرقام الستة (Just Six Numbers) للعالم مارتن ريس.

وهناك وجدت عبارة أقلقتني معرفيًا.

ليس لأنها قوية فحسب…

بل لأنها — لو كانت صحيحة — تهدم أكثر مما تبني.

✦ طرح مارتن ريس

يذكر ريس أن ضبط الثوابت الكونية أمامه أربعة احتمالات:

1. ضرورة فيزيائية/رياضية.

2. فاعل مختار (إله) ضبطها.

3. صدفة عمياء.

4. عدد لا نهائي من الأكوان (Multiverse)، ومع اللانهاية يصبح وجود كون مضبوط أمرًا لازمًا احتماليًا.

ثم يصرّح بأنه لا يجد (1) ولا (2) ولا (3) مقنعة، فيميل إلى (4).

أي: أن وجود عدد لا متناهٍ من الأكوان يجعل وجود كون منضبط كهذا أمرًا ضروريًا احتماليًا، دون الحاجة إلى افتراض فاعل مختار.

✦ تمهيد مفاهيمي: نوعا الفاعل

الفاعل بالاختيار

هو الذي يقصد الفعل أولًا ثم يُحدثه.

الفاعل بالطبع

هو الذي لا يقصد الفعل، لكن طبيعته تقتضي صدور الفعل منه بالضرورة.

✦ مبدأ معرفي أساسي

نحن — بالنظر إلى الأثر — نستطيع أن نحدّد نوع المؤثر:

هل هو فاعل بالطبع أم فاعل بالاختيار؟

هذا ليس مبدأً ميتافيزيقيًا نظريًا، بل نمارسه يوميًا:

في التحقيق الجنائي، وفي العلوم، وفي حياتنا العادية.

✦ أمثلة توضيحية

• سقوط أوراق الشجر → نعلم أن المؤثر فاعل بالطبع (الرياح).

• الاحتراق → فاعل بالطبع (النار).

• ساعة في الصحراء → ترتيب خاص + غاية محددة → فاعل بالاختيار.

لأن الطبيعة لا تقتضي صدور مثل هذا الترتيب الغائي.

✦ القاعدة المستخلصة

بعض أنواع الآثار لا يمكن أن تصدر عن فاعل بالطبع، بل لا بد أن يكون مصدرها فاعلًا بالاختيار.

ومن خصائص الأثر نعرف نوع الفاعل.

✦ موضع الإشكال مع ريس

ريس يقول:

اللانهاية الاحتمالية تفسّر وجود أي ترتيب خاص دون الحاجة إلى فاعل مختار.

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية…

هذه الفكرة لا تفسّر الضبط الدقيق فقط.

بل تهدم أصلًا المبدأ المعرفي الذي به نفرّق بين الفاعل بالطبع والفاعل بالاختيار في كل شيء.

✦ الصياغة النقدية

1. نحن نعرف نوع الفاعل من خلال الأثر.

2. هذا المبدأ نستخدمه في كل حياتنا.

3. لو قبلنا مبدأ ريس، فإن أي ترتيب خاص يمكن تفسيره باللانهاية الاحتمالية.

4. إذن: عندما أرى طعامًا مُعدًّا بعناية أمامي…

لا يحق لي معرفيًا أن أقول:

هذا يدل على فاعل مختار (والدتي)

بل يجب أن أقول — بكل رصانة إبستيمية! —

لعل هذا أحد الأكوان اللانهائية التي ظهر فيها هذا الطبق صدفةً ضرورية.

5. وعندما أرى كتابًا…

أو بيتًا…

أو ساعة…

ينبغي أن أُعلّق الحكم على وجود الفاعل المختار، احترامًا لقدسية الأكوان اللانهائية.

6. وهذا ينسف قدرتنا المعرفية بالكامل على الاستدلال من الأثر إلى الفاعل المختار.

7. لكننا نعلم — ضرورة عقلية وعملية — أن هذا الاستدلال صحيح ولا يمكن التخلي عنه.

8. إذن: مبدأ ريس يؤدي إلى عبث إبستيمي ممتنع عقلًا وواقعًا.

9. إذن: هذا المبدأ نفسه باطل.

✦ النتيجة الفلسفية الدقيقة

تفسير الضبط الدقيق بالـ Multiverse ليس تفسيرًا غير كافٍ فحسب…

بل هو تفسير ينقض المعيار المعرفي الذي نستخدمه للحكم أصلًا على أي أثر بأنه صادر عن فاعل مختار.

أي أنه لا يقدّم تفسيرًا بديلًا،

بل يهدم الأداة المعرفية التي بها نفسّر العالم.

✦ النقد الموجّه لفكرة “الاختيار” عند ريس

المفارقة العجيبة هنا:

ريس يكتب كتابًا كاملًا ليقنعنا بوجهة نظره…

يفترض ضمنيًا أننا سنفهم قصده، ونستدل من كتابه على وجود فاعل مختار قصد تأليفه.

لكنه — وفق مبدئه — لا يملك الحق المعرفي في هذا الافتراض!

فقد يكون هذا الكتاب أحد منتجات الأكوان اللانهائية، ظهر فيها نصٌّ مترابطٌ صدفةً ضرورةً احتمالية.

فكيف يثق إذن أن هذا الكتاب صادر عن اختياره هو، لا عن الاحتمالات اللانهائية؟

وهل يقبل ريس هذا الإلزام الإبستيمي أصلًا؟

أم أن مبدؤه صالح فقط عندما يهرب من دلالة الضبط الدقيق…

ويتوقف عن العمل فور دخوله مكتبه لكتابة كتابه؟

✦ الخاتمة

المشكلة في تفسير ريس ليست في كونه احتمالًا فيزيائيًا فحسب،

بل في كونه احتمالًا — لو سُلّم به — يهدم أسس المعرفة البشرية نفسها.

وما يهدم المعرفة لا يمكن أن يكون تفسيرًا معرفيًا مقبولًا

وهكذا يتبيّن أن المسألة لم تكن نقاشًا فيزيائيًا حول ثوابت كونية فحسب، ولا جدلًا فلسفيًا حول احتمالات مفتوحة، بل كانت في حقيقتها امتحانًا لمعيار المعرفة ذاته الذي به نقرأ العالم ونفهمه.

فإن قبلنا أن كل ترتيب خاص يمكن أن يكون ثمرة احتمال أعمى في أكوان لا متناهية، فقد سحبنا البساط من تحت أقدام عقولنا، وأسقطنا القاعدة التي بها نفرّق — في أبسط شؤون حياتنا — بين ما يصدر عن قصدٍ واختيار، وما يصدر عن طبيعةٍ واضطرار.

وعندها لا يعود الضبط الدقيق لغزًا يحتاج تفسيرًا، بل تصبح المعرفة كلها لغزًا لا يمكن تفسيره.

لكن العقل الذي دلّنا في كل موضع من حياتنا على أن الأثر يدل على نوع فاعله، هو نفسه الذي يقف أمام هذا الكون فيقرأ فيه ما يقرأه في الساعة الدقيقة، والكتاب المحكم، والبيت المبني بعناية.

ولذلك كان خطاب القرآن للعقل البشري من هذا الباب ذاته، لا من باب الغموض، بل من باب البداهة التي يعرفها كل إنسان في نفسه:

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾

﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾  [الطور: 35-36]

إنها ليست دعوة إلى قفزة إيمانية، بل إلى اتساقٍ معرفي؛ أن نُبقي على نفس المعيار الذي نثق به في كل شيء، حين ننظر إلى أعظم شيء.

فكما لا نقبل أن يكون كتابٌ بليغ قد كُتب صدفة، ولا بيتٌ محكم قد قام بلا بانٍ، فإن هذا الكون — بضبطه وغائيته — أولى أن يُقرأ القراءة نفسها.

﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾  [النمل: 88]

وهنا تتجلّى المفارقة:

أن التفسير الذي أراد أن يُغنينا عن افتراض الفاعل المختار، انتهى إلى هدم قدرتنا على إثبات أي فاعل مختار في أي موضع.

وما يهدم أصل المعرفة، لا يمكن أن يكون تفسيرًا معرفيًّا مقبولًا.

ولهذا كان القرآن يردّ الإنسان دائمًا إلى النظر، لا إلى الاحتمال؛ إلى القراءة، لا إلى التعلّق باللانهاية:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾  [آل عمران: 190]

فالآية في القرآن ليست معجزةً تُعطّل العقل، بل علامةً تُحرّكه.

وهكذا يعود السؤال إلى بساطته الأولى التي لا يستطيع الإنسان الفرار منها:

هل نثق بما يدلّنا عليه عقلنا في كل شيء… ثم نُعطّله فقط عندما ننظر إلى الكون كله؟

أم نُبقي على اتساقنا المعرفي، فنقرأ في هذا الوجود ما اعتدنا قراءته في كل أثرٍ من آثار القصد والاختيار؟

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾  [فصلت: 53]

وعندها لا يكون الإيمان قفزًا خارج العقل…

بل عودةً صادقةً إليه.

ثم إن الإنسان — في أعماقه — لا يعيش وفق فلسفة الاحتمال، بل وفق يقين الدلالة.

فهو إذا سمع طرقًا على بابه، لم يقل: لعلّ هذا صوتٌ تولّد صدفةً من حركة الهواء.

وإذا قرأ رسالة، لم يقل: لعلّ الحروف تراصّت بلا كاتب.

وإذا رأى أثر قدمٍ على الرمل، لم يحتمل في نفسه أنه تشكّل بلا عابر.

لأن فطرته ترفض هذا العبث المعرفي رفضًا قاطعًا.

وهذه الفطرة نفسها هي التي يستنطقها القرآن:

﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: 10]

ليس السؤال: هل توجد احتمالات؟

بل: هل يمكن للعقل أن يعيش وفقها؟

وهنا يتجلّى الفرق بين تفسيرٍ يُقال في الكتب، وتفسيرٍ يمكن للإنسان أن يحيا به.

إن التفسير المقبول ليس ما يمكن تخيّله نظريًا، بل ما يمكن أن ينسجم مع الطريقة التي يعرف بها الإنسان العالم فعلًا.

ولهذا لم يكن القرآن كتاب احتمالات، بل كتاب قراءة:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]

فالوجود عند القرآن نصٌّ مقروء، لا لغزٌ مُعلّق على احتمالاتٍ لا تنتهي.

وحين يتأمّل الإنسان هذا الاتساق العجيب بين طريقته في معرفة الأشياء الصغيرة، وطريقته في قراءة أعظم الأشياء، يدرك أن القضية لم تكن يومًا قفزةً من العقل إلى الإيمان… بل كانت دائمًا عودةً من التكلّف إلى البداهة.

عودةً من التعقيد إلى الفطرة.

﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]

فالفطرة هنا ليست شعورًا غامضًا، بل هي هذا النظام المعرفي البسيط الذي به يعرف الإنسان أن الأثر يدل على فاعله.

وعند هذه النقطة، يسقط التعارض الوهمي بين العقل والنص.

لأن النص لم يأتِ ليُعطّل العقل، بل ليُذكّره بما يعرفه، ثم يغفل عنه حين يواجه سؤال الكون كله.

﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ۝ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 20-21]

إنها دعوة للإبصار… لا للتخيّل.

ولهذا كان أعجب ما في هذا المسار أن التفسير الذي أراد أن يخلّص الإنسان من “افتراض الفاعل المختار”، انتهى إلى أن يجعله غير قادر على إثبات الاختيار حتى في أفعاله هو.

فإن كان كل ترتيب خاص يمكن تفسيره باللانهاية الاحتمالية، فلماذا يثق الإنسان أنه اختار هذه الكلمات؟

ولماذا يثق أنه قصد هذا المعنى؟

ولماذا يثق أن غيره يفهم قصده؟

وهنا تتهاوى الفلسفة على رأس صاحبها.

لأنها لا تعجز عن تفسير الكون فقط… بل تعجز عن تفسير الكتاب الذي كُتبت فيه.

ومن هنا نفهم سرّ كثرة الإحالة في القرآن إلى النظر في الخلق، لا إلى الجدل حوله:

﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: 101]

فالنظر يكفي.

لأن القاعدة التي بها تفهم الساعة، هي نفسها التي بها تفهم السماء.

وفي نهاية المطاف، لا يجد الإنسان نفسه أمام خيارٍ بين العلم والإيمان، ولا بين الفيزياء والميتافيزيقا، بل أمام خيارٍ أبسط بكثير:

هل يظلّ وفيًّا للمبدأ المعرفي الذي يعيش به…

أم يتخلّى عنه فقط ليهرب من دلالته عندما ينظر إلى الكون كله؟

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: 27]

فإن لم يكن باطلًا، فليس عبثًا.

وإن لم يكن عبثًا، فليس بلا قصد.

وإن لم يكن بلا قصد… فليس بلا فاعلٍ مختار.

وعندها يصبح الإيمان ليس إضافةً إلى العقل…

بل حفاظًا عليه

Facebook
Twitter
LinkedIn