هذا المقال هو ترجمة لورقةٍ بحثية نشرها الصديقُ العزيز الدكتور: محمد جمال عبد النور، المدرس بكلية أصول الدين، بجامعة الأزهر، والزميل بمركز الدراسات الإسلامية المسيحية، بأكسفورد. وقد نُشرت في مجلةٍ علمية بعنوان: «اللاهوت الإسلامي للزواج بين الأديان: بين العقيدة، والشريعة، والاجتهاد الفردي» (The Islamic Theology of Interfaith Marriages between Theology, Law and Individual Ijtihad.)
قررها أن أترجمها وأنشرها على هذا الموقع لزيادة الفائدة، وليعلم القارئ أن الإسلام به سعة، وأن الفقه ليس مقصورًا على آراء المتقدمين، وأن السياق التاريخي مهم في فهم الآيات القرآنية وعلاقة المسلم بغير المسلم. هذا ويجب التنويه على أن هذا البحث خاص بزواج المسلمة ابتداءً من غير المسلم، أما إن كانا متزوجين قبل ذلك، وأسلمت الزوجةُ، وبقي زوجها مسيحيًا، فهذا له شأن آخر وقصة مختلفة تمامًا، إذ المدونة الإسلامية فيها على الأقل ثمانية آراء، من ضمنها أن تبقى المسلمة مع زوجها (المسيحي) إن شاءت، وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب — رضي الله عنهما —. وللمزيد من التفصيل في هذا الأمر، يمكن الإطلاع على كتاب د. عبد الله الجديع «إسلام أحد الزوجين ومدى تأثيره على عقد النكاح». أما الآن، فأترك القارئ الكريم مع ترجمة تلك الورقة البحثية التي نشرها الدكتور الكريم.
******
الملخص
يشهد الفكر الإسلامي تزايدًا ملحوظًا في الدراسات التي تدعو إلى إعادة النظر في مسألة الزواج بين أشخاص من أديان مختلفة. ومن هذا المنطلق، تسعى هذه الورقة إلى توضيح البنية العقدية الإسلامية للزواج بين الأديان بوجه عام، مع تركيز خاص على مسألة الزواج من خارج جماعة المسلمين. وفي هذا السياق، تستعرض هذه الدراسة العوامل الدينية والاجتماعية التي أسهمت في ترسيخ الإجماع التقليدي القائم على تحريم هذا النوع من الزواج. تتناول المقالة أولًا إسهامات كل من الغزالي، وابن تيمية. في توسيع نطاق النقاش حول هذه القضية في بدايات الفكر الإسلامي. ثم تقدم بشكل جذّاب آراء لم تُدرس من قبل لكل من محمد عبده، وعبد الله العلايلي في شأن الزواج من خارج جماعة المسلمين.
وفي المحور الثالث، تشير الورقة إلى أن القاعدة الفقهية الإسلامية المعروفة بسد الذرائع، لا تكفي بمفردها لتبرير تحريم الزواج من خارج الدين الإسلامي، إذ تبيّن أن لجوء الفقيه إلى هذه القاعدة يعني ضمنًا إقراره بجواز المسألة من حيث الأصل. وأخيرًا، تؤكد المقالة على ضرورة إحياء فكرة الاجتهاد الفردي في التعامل مع هذه القضايا.
المقدمة
لطالما شكّلت مسألة الزواج بين الأديان موضوعًا مثيرًا للاهتمام والنقاش الواسع. فرغم ما تنطوي عليه هذه الزيجات من إمكانيات واعدة لتعزيز العلاقات بين أتباع الديانات المختلفة، إلا أنها لا تخلو من تحديات عميقة. إذ يواجه من يخوضون هذا النوع من الزواج صعوبات تتعلّق بالتكيّف الاجتماعي والانخراط، ليس فقط على المستوى الفردي، بل أيضًا ضمن نطاق عائلاتهم وأطفالهم في المستقبل. وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن العالم الذي نشهده اليوم، والذي تتسارع فيه وتيرة العولمة ويلتقي فيه الناس من خلفيات ثقافية مختلفة بوتيرة متزايدة، يجعل من المرجّح استمرار شيوع هذه الزيجات. ولهذا السبب، شهدت العقود الأخيرة اهتمامًا متجددًا بفهم هذه المسألة وإعادة طرحها للنقاش.
وعند تركيز البحث على البُعد الإسلامي لمسألة الزواج بين الأديان، تبرز أهمية خاصة لهذه القضية في الفكر الإسلامي المعاصر. وتكمن خطورتها في كونها قضية مركبة تتداخل فيها الشريعة مع العقيدة الإسلامية مع علم الاجتماع. ورغم وفرة الأبحاث التي تناولت الجانب الفقهي أو القانوني من المسألة، إلا أن الدراسات التي دمجت بين الأبعاد العقدية والاجتماعية لا تزال قليلة نسبيًا. ومن هنا، تسعى هذه الورقة إلى تناول هذين البُعدين معًا: العقدي والاجتماعي.
المنهجية
تعتمد هذه الورقة مقاربة تاريخية تمتد إلى مجالات العقيدة الإسلامية وعلم الاجتماع والفقه، لمعالجة مسألة الزواج بين الأديان، بدءًا من مرحلة الإسلام التأسيسي (أي ما يقارب القرون الأربعة الأولى)، مرورًا بالإسلام الكلاسيكي من القرن الخامس حتى القرن الثاني عشر، وصولًا إلى النقاشات الحديثة والمعاصرة. وعلى الرغم من أن هذا التقسيم الزمني يتماشى، في اعتقادي، مع التطورات العقدية والاجتماعية التي شهدها الموضوع، إلا أنني أُدرك أن مثل هذه التقسيمات بطبيعتها اعتباطية. فهي تهدف أساسًا إلى تنظيم النقاش مع الحفاظ على السياق التاريخي. وفي هذا السياق، يحسن التذكير بتحذير «ج. م. تريفليان» (G. M. Trevelyan) الذي قال: «على خلاف التواريخ التي تُعدّ وقائع ثابتة، فإن الفترات الزمنية ليست إلا تصنيفات ذهنية نُعيد من خلالها بناء الماضي. فهي أدوات مفيدة لتنظيم النقاش التاريخي، لكنها كثيرًا ما تبسّط الواقع أو تُضلّل الفهم الحقيقي للأحداث.»
تتناول هذه الورقة المسألة من خلال إسهامات عدد من العلماء الذين تميزوا في طرحهم لقضية الزواج بين الأديان، وهم: الغزالي، وابن تيمية، ومحمد عبده، وعبد الله العلايلي. كما تتطرق إلى آراء شخصيات أخرى مثل: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر، وابن عباس، ومحمد رشيد رضا، ومحمود شلتوت، والطاهر بن عاشور، وخالد أبو الفضل.
كما تتفاعل الورقة مع تفاسير قرآنية تقليدية متعددة، إلى جانب نصوص عقدية لها صلة مباشرة بالموضوع قيد الدراسة.
هناك نقطتان دقيقتان تستحقان الإشارة. أولًا، ما لم يُذكر غير ذلك، فإن مصطلح أهل الكتاب يُستخدم هنا بمعناه الواسع، ليشمل أتباع الديانات التوحيدية التي تؤمن بكتب مُنزَّلة، كالمسيحيين، واليهود، والمجوس، وربما — بحسب بعض المسلمين — يشمل أيضًا البوذيين والهندوس. وبناءً على ذلك، سيُستخدم مصطلح «الزواج من خارج الجماعة» (exogamy) غالبًا للإشارة إلى زواج المرأة المسلمة من رجل كتابي، في حين يُستخدم «الزواج الداخلي» (endogamy) للإشارة إلى زواج الرجل المسلم من امرأة كتابية.
ثانيًا، وفيما يتعلق بالاستناد إلى القرآن الكريم، تنخرط الورقة في تحليل عدد من الآيات القرآنية التي يُستشهد بها غالبًا في نقاشات الزواج بين الأديان عند المسلمين رجالًا ونساء. وهذه الآيات هي:
- سورة البقرة، الآية 221: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ، وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ، وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا، وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ، أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّار، وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ، وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
- سورة المائدة، الآية ٥: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ، وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ، وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ، وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
- سورة الممتحنة، الآية ١٠: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ، فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ، لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ، وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا، وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا، ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ، يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
النقاشات المبكرة حول الزواج بين الأديان
رغم أن الغالبية العظمى من المسلمين الأوائل أقرّوا بجواز زواج المسلم من امرأة نصرانية أو يهودية، إلا أن هذا النوع من الزواج كان يُنظر إليه دائمًا باعتباره غير مرغوب فيه. وتُعدّ قصة زواج حذيفة بن اليمان من امرأة يهودية مثالًا بارزًا على ذلك. فقد كان حذيفة واليًا على المدائن في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. وعندما بلغه خبر هذا الزواج، أرسل إلى حذيفة يطلب منه أن يطلقها. فردّ عليه حذيفة قائلًا: «لا أفعل حتى تخبرني: أحلال أم حرام، وما أردت بذلك!». فأجابه عمر: «لا بل حلال، ولكن في نساء الأعاجم خِلابة (خداع وجاذبية)، فإن أقبلتم عليهن غلبنكم على نسائكم.». وبناءً على هذا التعليل، اقتنع حذيفةُ وطلّق زوجته اليهودية.
ورغم أن تعليل «عمر» يستند في الأساس إلى دوافع اجتماعية، تتعلّق بحماية مصلحة النساء المسلمات، فقد ظهرت بعض الآراء ترفض زواج الرجل المسلم من غير المسلمة لأسباب عقدية. فعلى سبيل المثال، كان ابن عمر بن الخطاب إذا سُئل عن الزواج من امرأة نصرانية أو يهودية، يقول: «لقد حرّم الله على المؤمنين الزواج من نساء يشركن بالله، ولا أعلم شركًا أعظم من أن تقول المرأة إن المسيح ربها، وهو عبد من عباد الله». وقد وافقه ابن عباس على ذلك، بحسب بعض الروايات، إذ رأى أن هذا الحكم يشمل اليهوديات والنصرانيات معًا. ويجمع بين رأيي ابن عمر وابن عباس أمران: أولًا، اعتمادهما على القول بكفر أهل الكتاب بسبب نسبتهم الشرك إلى الله، وثانيًا، قراءتهما للآية المائدة ﴿اليوم أحل لكم الطيبات …﴾ التي تُجيز زواج المسلم من الكتابيات، في ضوء الآية ٢٢١ من البقرة ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ التي تحرّم الزواج من المشركات.
ومع ذلك، ظل رأي عمر الذي يعتبر زواج المسلم من يهودية أو نصرانية جائزًا — وإن كان غير مفضّل — هو الموقف الغالب. ولهذا السبب، اتفقت المذاهب الأربعة الكبرى في الفقه الإسلامي (الحنفي، المالكي، الشافعي، والحنبلي) على جواز زواج المسلم من يهودية أو نصرانية. وفي تفسيره «التحرير والتنوير» لا يكتفي ابن عاشور بتقرير هذا الإجماع على جواز الزواج الداخلي (رجل مسلم من امرأة كتابية)، بل يتناول أيضًا مسألة الزواج من خارج الجماعة (امرأة مسلمة من رجل كتابي)، كما سنرى لاحقًا.
ومع هذا، قدّم ابن جرير الطبري قراءة جديدة لهذا النقاش، إذ رأى أن بعض المفسرين — دون أن يسميهم — اعتبروا أن آية ﴿ولا تنكحوا المشركات حين يؤمن﴾ ليست منسوخة ولا مقيّدة بآية ﴿اليوم أحل لكم الطيبات﴾، بل يجب فهمها في سياقها التاريخي. والمقصود بـ «الفهم التاريخي» هنا هو أن المشركين المذكورين في الآية هم فئة محددة من الوثنيين الذين عاشوا في شبه الجزيرة العربية. واستشهد الطبري ببعض الروايات عن التابعين، والتي فسّروا فيها الآية على أنها تشير إلى الكفار الذين لا يؤمنون بكتاب سماوي. وبناءً عليه، لا تُطبَّق الآية على «أهل الكتاب». بل إن الطبري لم يكتفِ بطرح هذا التفسير كوجهة نظر ممكنة، بل اعتبره الأرجح والأكثر قبولًا.
وعلى الجانب الآخر، فرغم أن أغلب علماء الإسلام الأوائل أقرّوا بجواز زواج الرجل المسلم من كتابية (الزواج الداخلي)، إلا أن أحدًا منهم لم يُجز زواج المرأة المسلمة من غير المسلم (الزواج الخارجي). وقد عبّر خالد أبو الفضل عن ذلك بقوله: «لا أعرف رأيًا فقهيًا واحدًا يعارض هذا الحكم، وهو أمر غير معتاد في الفقه الإسلامي، حيث يكثر الخلاف بين الفقهاء، لكن هذه المسألة تحديدًا لم تكن محل خلاف». وتشير كاسيا علي (Kecia Ali) إلى أن الفقهاء المسلمين لم يكتفوا باعتبار زواج المسلمة من غير المسلم محظورًا، بل لم يروا حتى ضرورة لشرح أدلتهم أو التعليل لهذا الحكم. وحتى الطبري، الذي استوعب مختلف تفسيرات آية ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ لم يناقش قط احتمال جواز الزواج الخارجي، بغض النظر عن ديانة الطرف الآخر. والأمر ذاته ينطبق على ابن رشد، فرغم أنه تطرق إلى زواج المرأة من عبد، لم يتناول مسألة زواج المسلمة من غير المسلم في كتابه «بداية المجتهد».
وفي سياق الحديث عن العوامل الاجتماعية والتفوق اللاهوتي، يتبنى الغزالي في كتابه «الوسيط في المذهب» موقفًا يتّسق مع جواز الزواج الداخلي وتحريم الزواج الخارجي. فهو يرى أن الزواج الداخلي يمنح المسلم الأفضلية والسيادة، بينما يؤدي الزواج الخارجي إلى قلب المعادلة. ولهذا، فإن جواز الأول وتحريم الثاني يعكس توازن القوى الدينية والاجتماعية. ومع ذلك، فإن الرؤية اللاهوتية أو العقدية عند الغزالي أعمق مما يظهر في هذا الطرح السريع، وسنعود لتفصيلها لاحقًا.
يبدو أن الغزالي لم يكن حاسمًا تمامًا في تطبيق مصطلح الكفر على اليهود والنصارى. فبحسب ما أراه، هو يفرّق بين الكفر العام والكفر الخاص. فالأشخاص الذين لا يؤمنون بنبوة محمد، لكنهم يؤمنون بالله — مثل اليهود والنصارى — يرتكبون الكفر بالمعنى الخاص، لا العام. ولذلك، لا يمكن وصفهم بالكفار بالمطلق، لأنهم ما زالوا يؤمنون بالله. بل إن «الغزالي» يذهب في إحدى رسائله إلى حد اعتبار الديانة المسيحية ديانة توحيدية.
وقد أوضح إبراهيم موسى هذه المسألة في كتابه «Ghazali and the Poetics of Imagination»، قائلًا: «عندما يرفض مسيحي يعيش في زمن ما بعد محمد الاعتراف به كنبي، فإن هذا الشخص، بحسب الغزالي، يُعد «كافرًا» — لكن بشكل مفاجئ، لا يكون كفره مطلقًا، بل فقط بقدر رفضه لمحمد». ونقصان عقيدة هذا المسيحي لا يُنقص من إيمانه بوحدانية الله الذي يعترف به.
بالتالي، هناك درجات في مفهوم التوحيد، فإيمان المسيحي بالثالوث لا يعني بالضرورة أنه يعتقد أن الله ثلاثة في ذاته. بل يعترف المسيحيون أنفسهم بأن هذا ليس ما يقصدونه، بل إن الله واحد في جوهره، وثلاثي في صفاته. ووفقًا لمصطلحاتهم اللاهوتية، فالله واحد في الجوهر وثلاثي في الأقنوم.
وعليه، فإن التمييز بين الكفر العام والكفر الخاص هو الطريقة الأوضح لفهم تناقضات الغزالي الظاهرة. ففي كتابيه «الإحياء» و«الاقتصاد في الاعتقاد»، يؤكد الغزالي أن اليهود والنصارى — فضلًا عن غيرهم من غير الموحدين — يُعدّون كفارًا بسبب إنكارهم لنبوة محمد.
ومع ذلك، في كتابه «المنقذ من الضلال»، حين ناقش الغزالي آراء الفلاسفة الطبيعيين ومنهجهم في طلب الحقيقة، رأى أن الأساس الذي يُبنى عليه الإيمان هو أمران: (١) الإيمان بوجود الله، و(٢) الإيمان باليوم الآخر. وبذلك، فإن كل من يؤمن بالله واليوم الآخر يمكن اعتباره — بدرجة ما — مؤمنًا.
ويبدو أن هذا التباين في موقف الغزالي يعود إلى رؤيته المركّبة للأنظمة العقدية. فقد أشار إلى أن غالبية الناس لا يتبعون إلا مذهبًا واحدًا، وهو ما نشؤوا عليه وتربّوا فيه. ونادرًا ما نجد شخصًا لا ينتمي إلى مدرسة واحدة فقط. ولهذه الفئة، يرى الغزالي أن هناك ثلاث مراتب من الانتماء الفكري: الأولى، هي المدرسة التي يُجاهر بها أمام خصومه. والثانية، هي التي يُفصح عنها فقط أمام تلامذته المقربين. أما الثالثة، فهي ما لا يبوح به لأحد، ويحتفظ به لنفسه لأنه يؤمن به إيمانًا شخصيًا. وبخصوص المرتبتين الأوليين، فهما ناتجتان عن الوسط الاجتماعي والديني الذي تربى فيه. أما المرتبة الثالثة، فهي مسألة روحية خاصة بين العبد وربه، لا تُنال إلا عبر السموّ الإيماني وفتح الله لأبواب المعرفة. ولذلك، لا يكشفها إلا لمن بلغ مرتبة عليا من الإدراك والتأمل.
على نحو مشابه، يبدو أن ابن تيمية كان متحفظًا أيضًا في إطلاق وصف الكفار على اليهود والنصارى بمعناه المطلق. فعند سؤاله عن السبب الذي يجعل زواج المسلم من امرأة كتابية جائزًا رغم كونها غير مؤمنة، أجاب: «نكاح الكتابية جائز بالآية التي في المائدة ﴿اليوم أحل لكم الطيبات…﴾. وبما أن القرآن يخاطب الكتابيّين بصفتهم «أهل الكتاب»، فلا يصح وصفهم بالمشركين بشكل مطلق.
وقد استشهد بالآية التي تقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. واستخدمها ليؤكد أن القرآن لا يعتبر أهل الكتاب من المشركين، موضحًا أن الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا، لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ، سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ تتحدث عن شرك جزئي أو مقيّد، لا عن الشرك المطلق. فهؤلاء الأقوام ليسوا مشركين من حيث الأصل، وإن كانت بعض مظاهر الشرك قد دخلت إلى عقيدتهم لاحقًا. ومع ذلك، فإن القرآن لم يصفهم صراحة بالمشركين، بل نسب إليهم الوقوع في بعض صور الشرك. ولذلك، فإن تصنيفهم ضمن «الشرك المطلق» يُعد تأويلًا خاطئًا.
أما بالنسبة إلى سبب جواز الزواج الداخلي (زواج المسلم من كتابية) دون الزواج الخارجي (زواج المسلمة من غير مسلم)، فيرى ابن تيمية أن الأمر يعود إلى طبيعة الزواج نفسه، الذي يشبه — في نظره — نوعًا من الرق، ويوضح أن هناك حاجزين قد يمنعان الزواج: أحدهما الكفر، وهو حاجز ديني عقدي، والآخر الرق، وهو حاجز اجتماعي. ورغم أن الحاجز الأول لا ينطبق على اليهود والنصارى، فإن الثاني، في نظره، ينطبق. فهو يرى أن الزواج شكل من أشكال التبعية، مستشهدًا بقول منسوب إلى عمر بن الخطاب: «النكاح رقّ، فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته».
مناقشة الزواج بين الأديان في العصر الحديث
شكّلت الحداثة تحديًا وفرصة في آن واحد أمام المسلمين لإعادة التفكير في تراثهم الديني، بطريقة تُمكّنهم من تجاوز القيود التاريخية والاجتماعية التي كبّلت هذا التراث، دون التفريط بجوهره. وقد كانت هذه خطوة حتمية لتقليدٍ يدّعي حمل رسالة عالمية، ويستند إلى كتاب يُفترض أن صوته يتجاوز حدود الزمان والمكان. لكن رسم الخط الفاصل بين الاستفادة من الحداثة وبين الانقياد الكامل لها لم يكن بالأمر السهل. ولهذا برز مصلحون مثل محمد عبده، الذي عبّر عن انتمائه إلى التقليد الإسلامي من جهة، وفي الوقت نفسه أظهر تقديرًا للتحولات التي حملتها الحداثة.
وكما أعاد الغزالي تعريف مفاهيم إسلامية محورية كالعلم والفقه والتوحيد، سعى «عبده» إلى إعادة تعريف معنى الإسلام ذاته. وكان حذرًا في إطلاق وصف الكفر على غير المسلمين. ففي مجلته «المنار»، عبّر رشيد رضا، ناقلًا أفكار عبده، عن أن وصف الكافر لا ينطبق إلا على الملحدين، ولا يجوز أن يُطلق على غير المسلمين الذين يؤمنون بالله. بل ذهب عبده إلى القول إن من يصف غير المسلم بأنه كافر يرتكب فعلًا مذمومًا يتنافى مع جوهر العقيدة الإسلامية.
وفي تفسيره للآية الكريمة: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يُقبل منه﴾، رفض عبده الفهم التقليدي للآية، موضحًا أن المقصود بالإسلام فيها ليس الانتماء الاسمي للدين الإسلامي، بل هو حالة روحية داخلية. وعدّ عبده هذا الفهم الضيق للإسلام خطأً، بل ونوعًا من العنصرية. فالآية تتحدث عن إخلاص النية لله، لا عن الانتماء إلى منظومة دينية معينة. واستشهد في ذلك بوصف القرآن لإبراهيم — عليه السلام — بأنه كان «مسلمًا»، مع أن الإسلام — كديانة — لم يكن قد ظهر بعد. وبالتالي، فالصورة القرآنية للمسلم الحقيقي هي من يؤمن بالله إيمانًا صادقًا خاليًا من الشرك.
وبإعادة تعريفه لمفهوم المسلم، أزال محمد عبده الحاجز العقدي الذي حال دون جواز الزواج من غير المسلمين (الزواج الخارجي). وقد تمكّن من ذلك من خلال الاستناد إلى آية ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وليس إلى آية ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، إذ رأى أن لفظ الإسلام قد فُهم بطريقة مغلقة ومحدودة.
واستشهد في هذا السياق بآيات سورة النساء: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ، مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا * وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾.
في سياق تفسيره للآيات، يستشهد محمد عبده بتفسير الطبري، وينقل حديثًا يروي سبب نزولها، حيث دار جدال بين اليهود والنصارى والمسلمين، ادعى فيه كل فريق امتلاك الحقيقة العليا. وقد وفّر هذا الجدال سياقًا مثاليًا للتوضيح الإلهي. يدرك محمد عبده أن هذه الآيات تعالج آثار الانشغال المفرط بالتعصب الطائفي والعنصرية العقدية. فمثل هذا التعصب ينمّ عن مبالغة في التعلق بالهوية الشكلية للدين، واستخفاف بقيمة الإيمان الفعّال الذي يظهر من خلال العمل الصالح. وبعد تجاوزه للحاجز العقدي، انتقل عبده إلى الحاجز الاجتماعي، فآمن بالمساواة بين الرجال والنساء من حيث أهليتهم الدينية. لكن هذا التصور المتساوي، كما يرى، لم يتحقق فعليًا بعد في حياة المسلمين.
وفي انتقاده لأوضاع المسلمين في عصره، كتب محمد عبده أنهم لم يستفيدوا من الإصلاحات التي جاء بها الإسلام فيما يخص تنظيم العلاقة بين الجنسين، بل عادوا إلى ممارسات الجاهلية في احتقار المرأة. ويقول محمد عبده: إن من يتدبر آيات القرآن بتأمل، سيدرك بسرعة مدى انحراف المسلمين عن جوهر الإسلام الحقيقي.
وفي الوقت الذي تُتّخذ فيه آية ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِ﴾ كنقطة انطلاق في تحديد العلاقة بين الرجل والمرأة، فإن محمد عبده يفضل قراءة هذه العلاقة في ضوء آية البقرة: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾، ويستند إلى هذه الآية ليشبّه الزواج بحالة من العبودية، ثم يتوسّع في ذلك من خلال استدعاء مفهوم «الميثاق» في القرآن، الذي يربط بين الزوج والزوجة. ورغم أن محمد عبده لم يتناول مسألة الزواج الخارجي (زواج المرأة المسلمة من غير المسلم) بشكل مباشر، فإن هناك ما يدل على أنه كان يرى جوازه. أولًا، يذكر محمد رشيد رضا أن الفقهاء كانوا مجمعين على تحريمه، إلا أن محمد عبده لم يوافقهم في ذلك. ثانيًا، وبما أن محمد عبده فكك الحواجز العقدية والاجتماعية التي تمنع هذا الزواج، فإن القول بجوازه كان نتيجة منطقية لرؤيته.
أما مسألة من يُعدّ من «أهل الكتاب»، فلم يناقشها محمد عبده بشكل مباشر، لكن تلميذه رشيد رضا تطرّق إليها. وقد أوضح أن مصطلح «أهل الكتاب» يشير إلى أتباع الديانات التوحيدية التي أُنزلت عليها كتب سماوية، كاليهود والنصارى. ومع توسّع الدولة الإسلامية، بدأ يُدرج في هذا الإطار الزرادشتيون في إيران، والبوذيون فيما وراء النهر، والهندوس في الهند، وإن لم يكن هذا التوسيع محل إجماع بين العلماء المسلمين. وقد كان رشيد رضا من أولئك الذين وسّعوا نطاق المصطلح ليشمل أيضًا الصابئة، والزرادشتيين، والسامريين، والمانديين، والسيخ. ويرى أن القرآن لم يذكر سوى اليهود والنصارى والزرادشتيين والصابئة، ليس لأنهم وحدهم من أُنزِل عليهم كتاب، بل لأنهم كانوا الديانات الوحيدة المعروفة للعرب بحكم قربهم الجغرافي من العراق والبحرين. وبعد هذا التوسيع في مفهوم «أهل الكتاب»، رأى رشيد رضا أن من الجائز للمسلم أن يتزوج ليس فقط من يهودية أو نصرانية، بل من نساء ينتمين إلى تلك الديانات الأخرى أيضًا. وحين سُئل عن جواز زواج المسلم من نساء صينيات أو يابانيات أو هنديات، سواء كنّ كتابيات أم لا، أجاب بأننا إذا اعتبرنا كل مسلم تزوج امرأة صينية مرتدًا عن الإسلام — رغم أنه أسلم لاحقًا — فإننا نقع في تناقض عقدي. فإن كان سبب التحريم هو كونهن مشركات، يقول رشيد رضا، فإن آية ﴿ولا تنكحوا المشركات حين يؤمن﴾ لا تنطبق عليهن؛ لأن الآية خاصة بمشركات العرب تحديدًا.
ومن المهم الإشارة إلى أن رشيد رضا لم يكن وحده في هذا الاتجاه، بل شاركه فيه الغزالي، وابن تيمية، ومحمد عبده في تحفظهم تجاه وصف النصارى بالشرك المطلق. ففي كتاب «البحر الرائق شرح كنز الدقائق»، نقل ابن نُجيم الحنفي أن هذا أيضًا كان رأي علي بن أبي طالب. بل إن بعض علماء المذهب الحنفي ذهبوا إلى أبعد من ذلك فاعتبروا الصابئة والزرادشتيين من أهل الكتاب. أما محمد بن محمد الكشاني الحنفي فنُقل عنه أن الرأي المعتمد في المذهب الحنفي هو أن الشرك — في معناه المطلق — لا ينطبق على أهل الكتاب.
من جهة أخرى، وبما أنه لا توجد آية قرآنية صريحة تحرّم الزواج الخارجي (زواج المسلمة من غير المسلم) بشكل قاطع، فقد احتاج الفقهاء الذين يمنعون هذا النوع من الزواج إلى الاستناد إلى مبادئ فقهية مساندة لدعم موقفهم. لذلك، لجؤوا أساسًا إلى قاعدة سد الذرائع. وتعني هذه القاعدة في أصلها «المنع»، أي منع الوسائل المؤدية إلى نتائج يُتوقع منها أن تكون محرّمة. ومن التطبيقات الشائعة لهذا المبدأ: منع الوسيلة المباحة إذا كان يُتوقع أن تفضي إلى أمر محرّم.
فمثلًا، يوضح «محمد هشام كمالي» أن الخلوة تُعد محرّمة لأنها تُعد وسيلة قد تؤدي إلى الزنا، حتى وإن لم تقع المعصية فعليًا. ويقوم هذا المفهوم على فكرة منع الفساد قبل أن يحدث.
وانطلاقًا من هذا التصور، رأى بعض الفقهاء أن الاختلاط بالنساء غير المسلمات قد يُضعف إيمان الرجل المسلم، ويُهدد مستقبل أبنائه الديني. ومن هنا، اعتُبر سدّ الطريق المؤدي إلى هذا الخطر سببًا كافيًا لتحريم الزواج بين الأديان. أما محمد عبده، فقد تناول المسألة من منظور مختلف تمامًا، إذ رأى أن الزواج بين الأديان يمكن أن يسهم في تعزيز الفهم والرحمة بين أتباع الديانات التوحيدية، بما فيها الإسلام.
وفي هذا السياق، يستند محمد عبده إلى نقاط الالتقاء بين الإسلام وأهل الكتاب، ويرى أنه من الخطأ وضعهم في نفس خانة المشركين، خصوصًا وأن الله كثيرًا ما قرنهم بالمسلمين في نصوصه. ويستشهد لذلك بالآيات التالية لتدعيم وجهة نظره. كقوله تعالى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، وقوله ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، وقوله ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزلَ إِلَيْنَا وَأُنزلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
وعلى مستوى أعمق، يشير كل من محمد عبده ورشيد رضا إلى أن كثيرًا من مظاهر العداء بين الإسلام والديانات الكتابية ليست دينية خالصة، بل تحركها عوامل سياسية ومؤسساتية. وهذا لا يعني أن الخلافات العقائدية بين الديانات الثلاث غير مهمة، بل إن محمد عبده كان يرى أن هذه الخلافات قابلة للتقريب إذا وُجد حوار حقيقي وصادق.
ويردّ محمد عبده على من يقول إن ديانات أهل الكتاب قد شُوّهت، بأن الشيء ذاته يمكن أن يُقال عن الإسلام نفسه. ويستشهد بحديث للنبي محمد ﷺ يقول فيه: «لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه». قالوا: «اليهود والنصارى؟» قال: «فمن؟». ويعلّق محمد عبده على الحديث بأن الفرق الوحيد هو أن المسلمين لا يزالون يحتفظون بنصوص كتابهم محفوظة من التحريف، لكنهم مع ذلك انحرفوا في تأويله وتطبيق.
مداولات معاصرة
لم تلقَ الأفكار ذات النقلة النوعية التي طرحها محمد عبده حول الزواج بين الأديان صدىً واسعًا في القرن العشرين. بل إن أولئك الذين اعتبروا أنفسهم امتدادًا لفكره الإصلاحي، لم يتجاوزوا بهذا الموضوع نطاقه التقليدي. فعلى سبيل المثال، رأى محمود شلتوت (شيخ الأزهر في الفترة 1958–1963)، والذي يُعد الممثل الأبرز لأفكار محمد عبده الإصلاحية في القرن العشرين، أن زواج المرأة المسلمة من غير المسلم محظور بشكل قاطع، مؤكدًا أن هذه المسألة من مسائل الإجماع بين علماء المسلمين، والمعروفة لدى العامة والخاصة. ولذلك، فإن أي مسلم يعتقد بخلاف ذلك يكون، في نظره، قد تجاوز حدود الإسلام.
وانتقالًا من مسألة الزواج المختلط إلى الزواج الداخلي، عرض شلتوت رأيي عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، واتخذ مسارًا وسطيًا بإعادة النقاش إلى البُعد الاجتماعي. فإذا كانت القوامة للرجل، فإن الزواج الداخلي (أي مسلم بكتابية) لا بأس به، بل قد يُعد مرغوبًا لما فيه من إمكان نقل رسالة الإسلام إلى الزوجة وتبيان مزاياه لها. أما إن فُقدت القيادة بيد الرجل وأصبحت تربية الأطفال بيد الزوجة، فإن السماح بمثل هذا الزواج يُعد خروجًا عن حدود الإسلام.
وقد عبّر شلتوت عن امتعاضه من حال كثير من رجال المسلمين في عصره، ممن كانوا يشعرون بالدونية تجاه أزواجهم الأوروبيات، إذ تخلّوا عن إدارة شؤون أسرهم، ما أدى، في رأيه، إلى انحراف الأبناء عن قيم الإسلام وتربيتهم على الأعراف المسيحية أو اليهودية.
بل ذهب أبعد من ذلك، فدعا الحكومات إلى سنّ قوانين تمنع هذا النوع من الزواج حين يكون مهددًا للهوية الدينية والوطنية للرجل المسلم. وكان مقتنعًا بأن الحفاظ على الهوية الدينية والوطنية معًا، هو من أبسط واجبات المسلم، معتبرًا أن تلك الزيجات كانت مدمّرة للمجتمع المسلم، لأن رجال المسلمين قد تخلوا فيها عن هويتهم الدينية والوطنية وذابوا في ثقافات الغرب.
وبالرغم من أن هذه الآراء قد تبدو متشددة، فإن سياقها الاجتماعي والسياسي يُفسّرها. فقد شغل شلتوت منصبه في الأزهر في زمن بلغت فيه القومية الناصرية ذروتها، وكان العديد من العلماء المسلمين يردّون على تبعات الاستعمار وموجات التحديث الغربية.
وفي هذا السياق، جادل شلتوت بأن منع هذه الزيجات، أو على الأقل تقييدها، هو أكثر أهمية من قضايا مثل تحديد السن الأدنى للزواج، أو تعدد الزوجات، أو الطلاق، بل وحتى من انتقاد مفهوم «بيت الطاعة» عندما ترفض الزوجة طاعة زوجها.
وقد استحضر شلتوت هذه القضايا لأنه رآها منتشرة في زمنه، لكنه وجّه أنظار الحكومة نحو ما اعتبره تهديدًا أكبر، وهو الزواج بين الأديان المختلفة. إذ رأى أن هذا الزواج كان أداة لتغريب المجتمعات المسلمة وتفكيك هويتها.
وما زال الأزهر يتمسك بموقف شلتوت حتى يومنا هذا. فعندما سُئل المفتي الأسبق لمصر علي جمعة (تولى المنصب بين 2003–2013) عن الزواج المختلط، أجاب بأن «ذلك يتعارض مع القواعد العامة وممارسات الإسلام المعترف بها بين المسلمين». وأضاف أن تحريم زواج المرأة المسلمة من غير المسلم قد صار موضع إجماع مستند إلى القرآن، وبالتالي لا يجوز الاجتهاد فيه. وقد كرر شيخ الأزهر الحالي، أحمد الطيب، الموقف ذاته في خطاب ألقاه في البرلمان الألماني.
وفي المقابل، كان للمفكر اللبناني «عبد الله العلايلي» موقف معاكس. فقد رأى أن تحريم الزواج بين الأديان يُشكّل حجر عثرة أمام التجديد الديني. وبوصفه عالمًا تقليدي التكوين، طرح «العلايلي» النقاش من زاوية أصولية وتأويلية، وقدم الأفكار التالية:
أولًا، جادل «العلايلي» بأن إجماع العلماء على بطلان الزواج الخارجي (زواج المسلمة من غير المسلمين) ليس مُلزِمًا، لأنه إجماع متأخر بخلاف الإجماع المتقدم. أي أن الجيل الأول من الصحابة والفقهاء لم يتوصل إلى إجماع في هذه المسألة. لذا، ولكي يكون الإجماع المتأخر ملزمًا، فلا بد أن يُدعَم بدليل قاطع.
ثانيًا، تناول بالنقد آية ﴿ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا، ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم﴾، مشيرًا إلى أن الآية استخدمت كلمتين فضفاضتين هما «مشرك» و«خير»، وكلاهما لا يحمل دلالة قاطعة. فإذا نظرنا إليهما في سياقهما التاريخي، نجد أن كلمة «مشرك» كانت تُستخدم للإشارة إلى مشركي العرب، بينما كلمة «خير» تعبّر فقط عن الأفضلية، أي «من الأفضل أن يتزوج المؤمن مؤمنة». وعليه، فإنْ اعتبرنا أن «المشرك» في الآية يشمل «الكتابي» أيضًا، فإن ذلك يعني أن المسلم لا يجوز له الزواج من امرأة مسيحية، ما يناقض الآية نفسها، وبالتالي يصبح القرآن متناقضًا — وهو غير ممكن. ومن هنا، لا يستطيع لا المؤيدون ولا المعارضون للزواج بين الأديان إصدار حكم قاطع في ظل وجود كل هذه الاحتمالات التفسيرية. فإذا كان الدليل يحتمل وجوهًا متعددة من التأويل، فلا يمكن الادعاء بأنه دليل قاطع.
ثالثًا، رأى أن الاستدلال بآية ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ إشكالي أيضًا، لأنها تتحدث عن واقعة تاريخية معينة في سياق الإسلام المبكر، ولا يجوز تعميمها خارج ذلك الإطار. والآية وردت في سياق صلح الحديبية بين النبي ﷺ ومشركي مكة. وبحسب شروط هذا الصلح، كان على أي مسلم من مكة يُهاجر إلى المدينة أن يُعاد إليها، وإذا ارتدّ أحد من أهل المدينة عن الإسلام، فلا يُعاد إلى المدينة.
وقد نزلت هذه الآية تأمر المسلمين بالتحقق من إيمان النساء المهاجرات، فإذا تبيّن صدق إيمانهن فلا يُعدن إلى الكفار. كما استشهد «العلايلي» بحديث: «لا هجرة بعد الفتح»، ليقول إن أحكام الهجرة لم تعد سارية بعد فتح مكة.
قد يعترض البعض بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيرد «العلايلي» بأن الألفاظ نفسها في الآية ذات طابع تاريخي خاص، بدءًا من لفظ «المهاجرات» الذي لا يمكن فصله عن سياقه الزمني. وإن حاولنا تعميمه، فلن ينطبق إلا على النساء المسلمات المضطهدات، وليس جميع النساء المسلمات.
رابعًا، يرى أن آية ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ، وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ، وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ هي الأكثر صلة بالموضوع. فهو لا يرى أنها تدل على جواز الزواج الداخلي فحسب، بل تشمل كذلك الزواج الخارجي، موضحًا أن ما جعل العلماء يسيئون فهمها هو تجاهلهم للأساليب البلاغية في اللغة العربية التي استُخدمت في الآية. فقد لجأ القرآن إلى أسلوب يُعرف بـ «الاكتفاء»، حيث تحدثت الآية عن أمرين هما: الطعام والزواج من أهل الكتاب. ولأنها بدأت بقوله: «طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم»، لم يكن هناك حاجة لتكرار عبارة «وهم حل لكم» مرة أخرى عند الحديث عن الزواج، واكتفت الآية بقولها: «والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم». فالسياق يدل على أن حكم الزواج يُفهم من حكم الطعام، وكلاهما حلال. ويخلص «العلايلي» إلى أن هذا من الأساليب البلاغية التي يستخدمها القرآن كثيرًا.
قد يجادل بعض النقاد، استنادًا إلى مبادئ أصول الفقه، بأن الإيجاز في موضعٍ يتطلب الإيضاح يدل على التقييد (الاقتصار في مقام البيان يفيد الحصر). بمعنى، لو أن القرآن لم يضف عبارة «ونساؤكم حل لهم»، فإن هذا يُفهم على أن الإباحة — بخلاف الطعام — مقصورة على الزواج الداخلي، لا الزواج من خارج الجماعة، لأن السياق هنا يقتضي التوضيح لا الغموض. يردّ العلايلي على ذلك بالقول إن هذا الاستنتاج لا يصح إلا إذا لم يستخدم القرآن حرف العطف «و». فوفقًا لأصول الفقه الإسلامي، فإن استخدام حرف العطف «و» يولّد تماثلًا بين الأمرين المذكورين: الطعام والزواج بين الأديان. ومع ذلك، إذا قررت امرأة مسلمة، بدافع الحيطة، أن تتجنب الزواج من غير المسلم، فإن هذا قرار شخصي ومسألة منفصلة تمامًا.
لم يكن العلايلي وحده في تناوله التفسيري لمسألة الزواج الخارجي؛ فقد تناول الطاهر بن عاشور هذه القضية أيضًا من زاوية تفسيرية. ورغم أنه لم يذهب إلى مدى ما ذهب إليه العلايلي، فإنه طعن في الأسس التفسيرية التي بُني عليها القول بتحريم هذا الزواج. فقد أشار إلى أنه رغم غياب نص شرعي صريح يحرّم الزواج الخارجي (زواج المسلمة من غير المسلم)، فإن الفقهاء أجمعوا على تحريمه استنادًا إلى واحد من ثلاثة مصادر: السنّة، أو القياس، أو الإجماع. ويرى أن الاعتماد على الإجماع هو الأقوى بينها، نظرًا لغياب حديث صريح، ولأن تشبيه «الكتابي» بـ «الكافر» فيه إشكالات تفسيرية. ثم ختم رأيه بحجة اجتماعية، مفادها أن المرأة قد تتأثر بزوجها غير المسلم، مما يجعل هذا النوع من الزواج محفوفًا بالمخاطر.
وفي ختام النقاش، نجد صوتًا معاصرًا يتمثل في فتوى خالد أبو الفضل، وهي جديرة بالاهتمام. فعندما طُرح عليه نفس السؤال، أخذ الإجابة إلى مستوى مختلف، يتجاوز علم الاجتماع والعقيدة، باللجوء إلى ما يسميه «الاجتهاد الفردي». عبّر في البداية عن قناعته بأن الأدلة التي تمنع زواج المرأة المسلمة من الكتابي ليست مقنعة. وقال: «بكل صراحة، لا أرى أن هذه الأدلة قوية. الفقهاء تبنّوا موقفًا متشددًا جدًا؛ حتى أن بعضهم ذهب إلى أن المرأة المسلمة إذا تزوجت من كتابي فهي في حكم المرتدة. وأعتقد، والله أعلم، أن هذا الرأي غير منطقي، وأن الأدلة التي يستند إليها ليست قوية». لكنه في الوقت نفسه لم يمنح الموافقة الكاملة على هذا الزواج، بل رأى أنه ينبغي التعامل معه لا باعتباره «محرمًا»، بل «غير مستحب». ثم لفت النظر إلى الجانب الاجتماعي من المسألة، قائلاً: «توصلت إلى هذا الموقف بعد أن لاحظت أن أبناء الزيجات بين المسلمين وغير المسلمين في الغالب لا ينشؤون على أساس قوي من الهوية الإسلامية. وأرى أنه في بلدان مثل الولايات المتحدة، من الأفضل للأطفال أن ينشؤوا في كنف أبوين مسلمين. لا أشعر بالارتياح في أن أقول لامرأة مسلمة تزوجت من كتابي إنها ارتكبت إثمًا كبيرًا وعليها أن تنهي زواجها فورًا». وفي الصفحة نفسها، سألت امرأة أخرى إن كانت تُعدّ «كافرة» إذا تزوجت من كتابي، وكان جوابه كالآتي:
ردًا مباشرًا على سؤالك: هل أعتقد أن المرأة التي تتزوج من غير مسلم تُعد كافرة؟ الجواب لا، لا أرى ذلك. وهل أنصح بالزواج من شخص خارج الدين؟ أيضًا لا. من الناحية الدينية، أعتبر هذا النوع من الزواج من الأمور المكروهة لكل من الرجال والنساء المسلمين. وأقول ذلك استنادًا إلى واقع اجتماعي، وهو أن الأطفال الذين ينشأون في أسرة لا يعتنق فيها الأبوان نفس الدين غالبًا ما يمرّون بحالة من الارتباك، تؤدي بهم إلى فقدان الإيمان أو تبني موقف لا ديني. ومن خلال تجربتي التي تمتد لأكثر من ثلاثين عامًا في الغرب، رأيت حالات كثيرة تبدأ بالحب والأمل، لكنها تنتهي – بعد عشر أو عشرين أو ثلاثين سنة – بنهايات غير سعيدة.
نصيحتي الوحيدة لك هي أن تسألي نفسك: ما المكانة التي تحتلها العقيدة في حياتك؟ هل ستكونين سعيدة إن لم تستطيعي عبادة الله مع شريكك وفقًا لتعاليم الإسلام؟ وما مدى أهمية أن ينشأ أبناؤك على إيمان راسخ بالصلاة والصيام والشهادة وسائر أركان الدين؟ وحدك تستطيعين الإجابة بصدق عن هذه الأسئلة. ومهما كان قرارك، أدعو الله من كل قلبي أن يباركك، ويهديك، ويمنحك السعادة والتوفيق. وفي نهاية المطاف، وحده الله هو من يحكم عليك، على نواياك وأفعالك. وأنا على يقين بأن الله أعلم وأحكم.
سواء اتفقنا مع فتوى خالد أبو الفضل أم لا، فإنه يُشاد بشجاعته في التصدي لهذه المسألة، خاصة في ظل تردد كثير من العلماء المعاصرين وتجنبهم الخوض فيها رغم حساسيتها وأهميتها. وكما أشار «جواد» و«إلمالي-كاراكايا»، فإن عددًا من العلماء المسلمين في الغرب، ممن يتمتعون بالكفاءة ويحظون بدعم واسع في مجتمعاتهم، وكان بإمكانهم التأثير في الرأي الإسلامي الغربي، اختاروا التزام الصمت أو عدم الظهور العلني.
فعلى سبيل المثال، لم يصدر عن حمزة يوسف — رغم مكانته الكبيرة — أي تصريح علني حول هذا الموضوع. وكذلك عبد الحكيم مراد الذي رفض المشاركة في النقاش قائلًا: «للأسف، لا أظن أنني مؤهل للحديث عن أي جانب من هذه المسألة».
أما «إبراهيم موغرا»، فقد نبّه إلى أن عددًا متزايدًا من النساء المسلمات يتزوجن من رجال غير مسلمين، مؤكدًا على الحاجة الملحّة إلى التفكير الجاد في كيفية تعامل العلماء مع هذه الظاهرة، وما الذي يمكن أن يقدمه الفقهاء وعلماء الدين من إرشاد ودعم للنساء في مثل هذه الحالات.
ومن المهم الإشارة أيضًا إلى قرار الحكومة التونسية بالسماح بزواج المسلمات من غير المسلمين، والذي نال دعمًا رسميًا من «دار الإفتاء» في تونس، لكنه تسبب في انقسام داخل المجتمع التونسي بين مؤيد ومعارض، وقوبل برفض واسع النطاق من بلدان إسلامية أخرى، وعلى رأسها مصر. وقد أصدر الأزهر الشريف — باعتباره أعلى مرجعية دينية في العالم السني — بيانًا رفض فيه الاعتراف بهذا القرار، معتبرًا أن ما فعله الرئيس السبسي لا يُعد تجديدًا دينيًا، بل تخلّيًا عن الدين.
الاستنتاجات والتوصيات:
سعى هذا البحث إلى تحليل العوامل التي دفعت غالبية العلماء المسلمين إلى افتراض تحريم زواج المسلمات من «أهل الكتاب». وقد حدّد عاملين رئيسيين: أحدهما عقائدي، والآخر اجتماعي. يتمثل الحاجز العقائدي في الاعتقاد بأن أهل الكتاب مشركون، وبالتالي لا يجوز أن يكون رجالهم أزواجًا للمسلمات المؤمنات. أما الحاجز الاجتماعي، فيتجلى في تشبيه الزواج بـ «الرق»، إذ لا ينبغي للمرأة المسلمة أن تُعامل كخادمة لرجل غير مؤمن.
وعلى الرغم من أن الدراسة تناولت عددًا من الشخصيات، فإنها ركزت بشكل خاص على الغزالي وابن تيمية ومحمد عبده وعبد الله العلايلي بسبب تفرد مواقفهم. فقد تبين أن الغزالي وابن تيمية طعنا في الحاجز اللاهوتي عبر التشكيك في شرك أهل الكتاب، لكنهما لم يتعرضا للحاجز الاجتماعي. أما الأهم في هذه الورقة، فكان عرض آراء محمد عبده وعبد الله العلايلي، اللذين رفضا كلا الحاجزين: فقد أنكر محمد عبده اعتبار «الكتابي» كالكافر، ورفض أيضًا تشبيه الزواج بالرق. كما قام العلايلي بتفكيك الأسس التفسيرية التي يستند إليها تحريم الزواج الخارجي، ودافع كلاهما عن جواز زواج المسلمات من أهل الكتاب.
وتقودنا هذه النتائج إلى ثلاث توصيات رئيسية:
أولًا، رغم أن هذا البحث يدعو المرأة المسلمة إلى التفكير المتأني قبل الإقدام على الزواج الخارجي، ووعي التحديات المحيطة به، فإنه في الوقت نفسه يؤكد أن غياب النصوص الصريحة لا ينبغي أن يكون دافعًا للتحريم. إذ لا يصح أن نخلط بين ميولنا الفقهية الشخصية وإرادة الله. فإن تجاوزنا هذا الحد، نكون قد تعدّينا حدودنا تجاه إرادة الله، الذي هو المشرّع وحده. ويستشهد البحث بالآية: »قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالًا، قل آلله أذن لكم؟ أم على الله تفترون؟»
ثانيًا، من الضروري تفكيك الخطاب الذي يُظهر الإسلام وكأنه دين أبيض وأسود، لا مكان فيه للمناطق الرمادية. والمقصود هنا تلك العقلية التي لا تعترف بالاجتهاد الفردي، والتي تُضيّق مساحة الرأي الشخصي في غياب النصوص الصريحة. وقد نبّه النبي ﷺ إلى هذا المعنى في قوله: »استفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك.»
إحياء هذا النوع من الاجتهاد ضرورة ملحّة، خصوصًا في السياقات الغربية، لما لهذه القضايا من أثر وجودي عميق في حياة كثير من المسلمين.
ثالثًا، من المألوف أن يستخدم بعض العلماء مفهوم «سد الذرائع» كأداة تفسيرية لتحريم الزواج الخارجي. لكن الاعتماد على هذا المفهوم وحده لا يكفي، وذلك لسببين:
١- إن تحديد ما يُعدّ «ذريعة» بحد ذاته عملٌ ذاتي، يختلف من عالم لآخر.
٢- اللحظة التي يلجأ فيها الفقيه إلى «سد الذرائع» هي لحظة اعتراف ضمني بأن الأصل في المسألة هو الإباحة، وأن الله لم يمنعها بنص صريح، فلا حاجة حينئذ لإغلاق الباب.
إلا أن الفقيه، حين يتجاوز هذا الحد، قد يُخاطر بتجاوز دوره كمفسر للنص إلى دور المشرّع، وهو أمر في غاية الخطورة. ولهذا السبب، ينبغي الحذر من استخدام هذا المفهوم بشكل عشوائي، لأنه قد يؤدي إلى التحيّز والمزاجية. وقد أشار القرافي إلى طبيعة هذا المفهوم المتغيرة، وارتباطه بالسياق، فقال: «كما يجب سد الذرائع، يجب أحيانًا فتحها أيضًا».

