اليونانيون الأحرار الشرفاء، والسلفية العبيد الأذلاء

يمكن تقسيم تاريخ اليونان إلى الفقرات والحقب التالية: الملكية (1200–900 ق.م) ثم الأرستقراطية (900–650 ق.م)، ثم عصر الطغيان (650–510 ق.م)، ثم بداية الديموقراطية في أثينا (508/507 ق.م)

لا تحتاج الملكيةُ إلى شرحٍ، فهي نظام معروف لدى الجميع. وبعد سقوطها، تلاها عصر الأرستقراطيين، والمقصود به هو سيطرة بعض الأُسر النبيلة على الحكم. ثم بعد ذلك جاء عصر الطغيان. ولم تكن كلمة «طاغية» (τύραννος) — والتي تُنطق (تورانوس) — كلمةً ذات دلالة مسيئة، بل كانت كلمة «طاغية» مجرد وصف لرجل هزم خصومَه ثم أجبر الجميعَ بعد ذلك على طاعة أوامره، دون أيِّ حمولة سلبية للمعنى. وإن شئت قل: إن كلمة «طاغية» في هذا الوقت كانت تعني رجلًا فاز بشيءٍ ما، ولا مُنازِع له فيه.

لكن ماذا لو علم القارئُ أن انتهاء عصر الطغاة وبداية عصر الديموقراطية اليونانية، تلك التي يُضرب بها المثل، كان بسبب رجلين اثنين ثائرين، قررا قتل الطاغية؟

كان الأثينيون يقيمون مهرجانًا كل أربع سنين بنسخة كبرى، وكل سنة بنسخة صغرى، وكان يُسمَّى مهرجان الباناثينايا (Panathenaea): أي مهرجان كل الأثينيين. كان المهرجان الكبير الذي أقيم عام ٥١٤ قبل الميلاد حدثًا مفصليًا في تاريخ اليونان، إذ قرر رجلان، هما «هارموديوس» (Harmodius) و«أريستوجيتون» (Aristogeiton) ومعهم عدد قليل من الرجال الآخرين اغتيالَ طاغية أثينا الملك «هيبياس» (Hippias). غير أنه، وقبل لحظات قليلة من تنفيذ عملية الاغتيال، رأى الرجلان أحدَ شركائهما في هذه العملية يتحدّث مع الطاغية بلهجة وطريقة ودّية. فظنّا أن هذا الرجل قد فضح أمرهما، وأخبر الملك بعملية الاغتيال ووشى بهما، فقررا على الفور اغتيال شقيق الملك وكان اسمه «هيبارخوس» (Hipparchus). وبعد ذلك مباشرة، قتل جنودُ الملك الرجل الأول «هارموديوس» وهو في مكانه، ثم ألقوا القبض على «أريستوجيتون» وعذّبوه وقتلوه بعد ذلك بقليل.1

لعل القارئ يسأل الآن: إذا مات الرجلان ولم يقتلا الملك، فكيف تقول إنهما أنهيا عصرَ الطغيان، لقد مات الرجلان ولا يزال الطاغيةُ حيًا يُرزق؟ لكن، فليصبر القارئ حتى أُكملَ له فصولَ هذه القصة وستستبين له الأمورُ واضحةً جلية.

كانت عملية الاغتيال الفاشلة هذه سببًا في جعل الطاغية أكثر طغيانيًا، إذ تحرّك الملك «هيبياس» بسرعة، وقرر الانتقام من جميع المعارضين، فقتل ونفى خصومَه وأعداءه المحتملين، وبدأ يحكم بقدرٍ أكبر من القسوة والظلم والجبروت. ولزيادة الطغيان طغيانًا، أقدم على تزويج ابنته من طاغية آخر كان يحكم مدينة «لامبساكوس» (Lampsacus).

غير أن تلك الجهود لم تُجدِ نفعًا. فقد واصل المعارضون المنفيّون خارج أثينا، وبمساعدة عائلات شديدة النفوذ والقوة، مضايقةَ النظام انطلاقًا من قواعدهم خارج البلاد. وأخيرًا، عام 510 قبل الميلاد، نجحوا في الحصول على دعمٍ عسكري من مدينة إسبرطة. وسرعان ما سقط الطغيان في أثينا، وأُقيم نظامُ حكمٍ جديد.

عمد أنصارُ هذا النظام الجديد إلى تمجيد الرجلين الثائرين «هارموديوس» و«أريستوجيتون»، كما شجّعوا مؤيديهم على الاقتداء بهما عند الضرورة دفاعًا عن النظام. بل إن الأثينيين قد أقاموا تمثالين لهذين الرجلين عام 509 قبل الميلاد. ولا نعرف كيف كانت تبدو تلك التماثيل، لكننا نعلم أنها كانت أولَ تماثيل تُنصب في أثينا لرجال عاديين معروفين بأعيانهم. إذا كانت جميعُ تماثيل اليونان هي تماثيل للآلهة، أو تماثيل عادية، لكن لم يسبق قط أن كان هناك تمثالٌ لإنسانٍ معروف في أثينا قبل هذين التمثالين. غير أن الرسالة التي حملتها تلك التماثيل إلى جميع الأثينيين كانت أهمَّ من أيِّ شيء آخر: إنَّ قتلَ الطاغية — أي التصرّف على مثال «هارموديوس» و«أريستوجيتون» — يعادل الأفعال العظيمة التي قام بها الآلهة، لذلك ستُقام لهما التماثيل لأن أفعالهما وأفعال الآلهة سواء.

وإلى جانب تمجيد هذا الفعل الثوري بإقامة التماثيل، كان أنصارُ النظام الجديد ينشدون أغانٍ يتعهّد فيها المغنون صراحةً بأن يتصرّفوا «تمامًا مثل هارموديوس وأريستوجيتون». وقد حفظ لنا نصُ كاتبٍ يوناني من أواخر القرن الثاني الميلادي أربعَ أغانٍ تُعرف باسم أهازيج قتل الطغاة (skolia). ومن بينها الأغنية الآتية:

«سأحمل سيفي في غصن آسٍ. تمامًا مثل هارموديوس وأريستوجيتون عندما قتلا الطاغية، وجعلا أثينا مكانًا للمساواة أمام القانون.»2 

وبعد ما يقرب من ٧٠ عامًا من استشهاد الرجلين أصدرت السلطاتُ في أثينا مرسومًا يقضي بتكريم أكبر أحفاد «هارموديوس» و«أريستوجيتون» سنًّا، تكريمًا دائمًا، عبر منحهم وجبات طعام مجانية في مركز رئاسة المدينة. ولا نعرف ما الحدث الذي ألهم السلطات بأن يقوموا بهذا الفعل تجاه أحفاد الشهيدين، لكن يبدو أن أحد الدوافع كان ضمان تبنّي الأثينيين الشباب لعقيدة قتل الطاغية والحفاظ على حيويتها بين مواطنين وُلدوا بعد الثورة الديمقراطية بعقود. لقد كان ذلك محاولة لمنع الجيل الراهن من الظن أن بقاء الديمقراطية والحفاظ عليها أمرًا مُسلّمًا به، بل عليهم أن يحافظوا عليها، ويحاربوا دونها.

ويبدو أن هذه الطريقة، أعني محاولة استعادة ذكرى «هارموديوس» و«أريستوجيتون» وتكريم أحفادهما، والسعي إلى تذكير الشعب والجيل الجديد بأن الديموقراطية الأثينية لا بد أن تُحمى بقتل الطاغية، أقول: يبدو أن هذه الطريقة وهذا التذكير كان ضروريًا للجيل الجديد، إذ بعد مئة عام فقط من سقوط الطغيان، حدث انقلاب على الديموقراطية الأثينية عام 410، وكان يسمى نظام الأربعمئة، لأن ٤٠٠ شخص فقط هم مَن كانوا يسيطرون على المدينة. إلا أن هذا النظام لم يستمر ولم يدم طويلًا، فقد امتنع الجيش والجنود من طاعة أوامرهم. وبعدما فشلوا وسقطوا، أقسم جميع الأثينيين قسمًا علنيًا بأن يتصرّفوا مثل «هارموديوس» و«أريستوجيتون» دفاعًا عن الديمقراطية ضد أي محاولة انقلاب لاحقة. وقد تعهّدوا في هذا القسم، من بين أمور أخرى، بما يلي:

«إن كان في مقدوري، فسأقتل — بالكلمة والفعل، بصوتي وبيدي — كل من يقمع الديمقراطية في أثينا، وكل من يتولّى منصبًا عامًا بعد قمعها، وكل من يحاول أن يصير طاغية أو يعين على إقامة طاغية… وإذا فقد أحدهم حياته وهو يقتل مثل هذا الشخص أو يحاول قتله، فسأُظهر له ولأبنائه من الإحسان ما أُظهر لهارموديوس وأريستوجيتون ولأبنائهما.»3 

امتدت فكرة قتل الطغاة لتشمل مدنًا أخرى غير أثينا، فسنجد مثلًا أن مدينة إريتريا القديمة (Eretria) كتبت أولَ قانون فيما يخص قتل الطغاة:

«يُحرَم الطاغية وذريته وكلُ من يحاول إقامة طغيان من الحقوق.

وكل من يقتل مناصِرَ الطاغية أو الطاغيةَ نفسه، إذا كان مواطنًا… يُمنَح… ويُقام قرب المذبح تمثاله البرونزي… ويكون له مقعد الشرف في المهرجانات التي ترعاها الدولة، ونفقة عامة في دار المجلس ما دام حيًا.»4

أريد أن أنتقل بالقارئ الكريم الآن إلى فترة زمنية تالية في التاريخ اليوناني، حقبة ما يعرف بالحلف الآخي (Achaean League)، ويُسمى بهذا الاسم لأن نواة إنشاء هذا الحلف كانت منطقة أخايا غرب اليونان. وكان هذا الحلف عبارة عن تحالف سياسي–عسكري بين عدد من المدن اليونانية. أو إن شئت قل: هو اتحاد فيدرالي بين عدة مدن يونانية؛ فكل مدينة تبقى مستقلة في شؤونها الداخلية لكنها تشترك مع المدن الأخرى في الحكم العام والقرار العسكري.

الذي أريد ذكره من هذا هو أن أبرز ثلاثة قادة في الحلف الآخائي، الذين شغلوا كلهم منصب القائد العام للحلف، كانوا جميعهم قتلة طغاة. أوّلهم «مارجوس من كارينيّا» (Margos of Keryneia) الذي لا نعرف عنه إلا القليل، لكننا نعلم أنه قتل طاغية مدينة بورا عام 275، ثم ضمّ تلك المدينة إلى الحلف الآخائي. ويُعدّ هذا أول عمل معروف لقتل طاغية في تاريخ الحلف. ونعلم أيضًا أنه بعد نحو عقدين، في عام 254، أصبح «مارجوس» أول عضو في الحلف يُنتخب قائدًا عامًا منفردًا، بعدما كان الحلف ينتخب سابقًا قائدين اثنين سنويًا. ويقودنا ذلك إلى استنتاج أن أعضاء الحلف نظروا إلى «مارجوس» بوصفه نموذجًا يُحتذى به، ورجلًا وضع معيارًا يقتدي به الآخرون: فقد كان، من جهة، رائدًا ثوريًا قتل طاغيةً فعلًا في سبيل الحرية، ومن جهة أخرى رجل دولة يمكن الوثوق به ومنحه السلطة دون خشية إساءة استخدامها.5 

أما القائد العظيم الثاني فهو «أراتوس من سيكيون» (Aratus of Sicyon)، أشهر أعضاء الحلف الآخائي وأكثرهم أهمية تاريخية. فقد أطاح «بنيقوقليس»، طاغية مدينة سيكيون، عام 251 ق.م. وهو في العشرين من عمره، ثم ضمّ المدينة إلى الحلف الآخائي الذي كان آنذاك في طوره الأول. وأقام له مواطنو مدينة سيكيون بعد موته تمثالًا عرفانًا بفضله؛ ويُرجّح، وإن لم يكن ذلك مؤكدًا، أنه صُوِّر فيه بصفة قاتل طاغية وليس بصفته قائدًا للحلف الآخائي. وفي مراحل لاحقة من حياته، انتُخب قائدًا عامًا، واشتهر بعدائه الشديد للطغاة، في الوقت الذي كان يعزّز فيه قوة الحلف ونفوذه. وعندما توفي، أنشأ أهل مدينة سيكيون طقوسًا وضريحًا تكريمًا له.6 

أما القائد العظيم الثالث والأخير في الحلف الآخائي فهو «فيلوبويمِن من ميجالوبوليس» (Philopoemen of Megalopolis). فقد تلقّى تربيته السياسية الأولى تحت إشرافٍ وتربيةٍ من أشخاص ثوريين مشهورين وقتلة طغاة. ولذلك كان من المتوقّع أن يسعى «فيلوبويمِن» هو الآخر إلى أن يصبح ثائرًا وقاتل طغاة شجاعًا. وقد أُتيحت له الفرصة في المواجهة الشهيرة مع «ماخانيداس»، طاغية مدينة إسبرطة، في معركة مانتينيا عام 207 قبل الميلاد. وقد كان «فيلوبويمِن» يترصّد الطاغية أثناء المعركة بحثًا عن فرصة لقتله، وحين سنحت له الفرصة، قتله بيده قتلًا بطوليًا. وقد أقام الآخائيون له لاحقًا تمثالًا في دلفي يصوّره في لحظة قتل الطاغية «ماخانيداس».7

ومن الواضح أن قاتل الطاغية كان يتمتع بمكانة رفيعة للغاية داخل الحلف الآخائي. وليس ذلك أمرًا مستغربًا، إذ كان الحلف في جانب منه مشروعًا مناهضًا للطغيان، بل إن معاداة الطغيان كانت أحد عناصر وحدته الأساسية. غير أن المدهش هو العدد الكبير من رجال الحلف الذين احتُفي بهم بوصفهم قتلة طغاة: «مارجوس»، و«أراتوس»، و«فيلوبويمِن»، و«إكاديموس»، و«ديموفانيس»، ولا شك أن هناك الكثير غيرهم. ويبدو أن قتل طاغية كان في الواقع طريقًا مضمونًا — وربما الطريق الأضمن — إلى نيل المكانة والنفوذ داخل الحلف.

ولقد وقعتُ على نصٍ في كتاب السياسة لأرسطو يقول فيه:

بما أن أعظم التجاوزات تنبع بوضوح من الرغبة في الكماليات، لا في الضروريات الأساسية (فعلى سبيل المثال، لا يصبح المرء طاغية ليتجنب ارتعاش البرد، ولذا تُمنح أعلى الأوسمة لمن يقتل طاغية، لا لمن يقتل لصًا).8

أريد أن أقف عند هذه النقطة التي كان فيها قتل الطاغية طريقًا مضمونًا إلى نيل النفوذ والمكانة بل وقيادة الحلف الآخائي، أو «تمنح له الأوسمة» بلفظ أرسطو، أو يُجعل له أولُ تمثال لإنسانٍ في تاريخ اليونان، أو تُكرَّم ذريتُه وأولادُه ويأكلون ويشربون على نفقة الدولة. أقول: أريد أن أقف عن نظرة اليونان — أصحاب العقيدة الوثنية — في القرن الخامس قبل الميلاد، إلى بعض الفرق الإسلامية — الموحدة بالله — بعد ذلك بأكثر من ألف و٥٠٠ عام، بل وحتى إلى يومنا هذا.

أقول: أريد أن أنتقل من قانون سنته أثينا يقول: «إذا نهض أحد ضد السلطة بقصد إقامة طغيان، أو ساعد على إقامة الطغيان، أو أسقط سلطة أثينا أو ديمقراطيتها، فإن من يقتل شخصًا ارتكب أيًا من هذه الأفعال لا يُعَدّ مُجرِمًا، ولا يتحمّل أي ذنب.»9 

أريد أن أنتقل من الوثنين ما قبل الميلاد إلى المسلمين، حيث يقول شيخ الحنابلة في زمانه، الإمام البربهاري، فيما ينقله عن الفضيل بن عياض، أن الفضيل قال:

لو كان لي دعوة ما جعلتها إلا في السلطان، فأُمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نُؤمر أن ندعو عليهم ‌وإن ‌جاروا ‌وظلموا.10

أما شيخهم ابن تيمية فيقول:

وإن من نهج أهل السنة والجماعة وسبيلهم مع ولاة أمرهم: أنهم يرون وجوب السمع والطاعة لهم في المنشط والمكرة أبرارًا كانوا أو فُجارًا، وإنما الطاعة في المعروف، فإن أمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وينصحون لهم، ولا يدعون عليهم بل يدعون لهم بالصلاح والمعافاة، ولا يرون جواز الخروج عليهم ولا قتالهم ولا نزع يد الطاعة منهم، ‌وإن ‌جاروا ‌وظلموا، بل يعدون ذلك من البدع المحدثة.11

أما كبريهم، (وهو صغير العقل، قليل الفهم) أحمد بن حنبل، فيقول:

«الغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يُترك. وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماضٍ ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائزة ونافذة، من دفعها إليهم أجزأت عنه برًا كان أو ‌فاجرًا.

وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولى جائزة تامة ركعتين، من أعادهما فهو مبتدع، تارك للآثار، مخالف للسنة، ليس له من فضل الجمعة شيءٌ إذا لم ير الصلاةَ خلف الأئمة مَن كانوا برهم وفاجرهم. فالسُّنة أن تُصلي معهم ركعتين، من أعادهما فهو مبتدع، وتدين بأنها تامة، ولا يكن في صدرك من ذلك شك. ومن خرج على إمام المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو بالغلبة فقد شق هذا الخارجُ عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله ﷺ، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية. ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق.»12

العجيب أن في الوقت الذي يقول فيه أحمد بن حنبل بأنه يجب الصلاة خلف الأئمة الفجرة، بل ولا تعيد صلاتك، ولا حتى يدخل في قلبك شك أن صلاتك ليست تامة، أقول: في حين يأمرك أحمد بن حنبل بأن تصلي رغمًا عن أنفك خلف الطغاة المجرمين الفاجرين، تجده يقول فيما ينقله ابنه عنه:

من قال ذلك القول لا يُصلى ‌خلفه الجمعة ولا غيرها: إلا أنَّا لا ندع إتيانها، فإن صلَّى رجلٌ أعاد الصلاةَ، يعني خلف من قال: القرآن مخلوق.

سألت أبي رحمه الله عن الصلاة خلف أهل البدع، قال: «لا يُصلى خلفهم مثل الجهمية والمعتزلة».13

هذه كانت أخلاق اليونانيين الوثنين الذين يعبدون زيوس، أما أحمد بن حنبل، وابن تيمية، والبربهاري، والفضيل بن عياض، وهذه الفئة المجرمة الذين ينتسبون للإسلام، فاليونانيون الوثنيون أكثر شرفًا منهم، وأكثر رجولةً ومروءةً ودينًا من هؤلاء الأذلاء الخانعين المنبطحين.

إن وثنية اليونان التي ترفض الذلّ أكرم وأشرف من إسلام ابن تيمية وابن حنبل وأمثالهما، وأقرب إلى الفضيلة من مذهب هؤلاء السلفية العبيد الذي يشرعن الخنوع والمهانة.

تخيل معي أن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ، إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾، فالهدف من الصلاة هو النهي عن الفحشاء والمنكر، فنقف نحن في صلاتنا ويؤمنا إمامٌ فاجرٌ قاتلٌ مجرمٌ سارق. تخيل أنَّ اللهَ يقول: صلِّ كي تنهاك الصلاةُ عن المنكر، فتأتي أنت برأسِ المنكر ويكون لك إمامًا في المحراب وتتقرب إلى الله بالصلاة خلفه. أقسم بمن رفع السماء بلا عمد، لو أراد إبليس أن يُدمِّر عقيدةَ المسلمين ويخالف دينَ الله، لما قال أفضل من الحديث الذي نسبوه للنبي: «صلوا خلف كل برٍّ وفاجر». هذا — وحق من قال أنا الله — لا يخرج إلا من فم إبليس ومن عاونه.

ورحم اللهُ شيخَنا أبا القاسم الكعبي البلخي وهو يذكر عقيدةَ المعتزلة فقال:

وأجمعوا (أي المعتزلة) أنَّ على المسلمين الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، واجبان بأيِّ جهةٍ استطاعوهما، بالسيفِ فما دونه.14

ورحم اللهُ الإمامَ الحسينَ بن عليٍّ عليهما السلام، حين أرسل إلى معاوية بن أبي سفيان، هذا الطاغية المجرم يقول له:

وما أظن لي عند الله عذرًا في ترك جهادك، وما أعلم فتنةً أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة.

وقد قرأت كتاب «الطاغية» للدكتور إمام عبد الفتاح إمام، وذكر فيه فكرةً أعجبتني كثيرًا، وهي أن اليونانيين والرومانيين لم يعرفوا قط فكرة تأليه الحاكم أو السلطان، وكانت هذه الفكرة معروفةً بكثرةٍ في مصر وحضارات آسيا والصين. وحين غزا «الإسكندر الأكبر» بلاد الشرق، وجاء إلى مصر قرر — على عادة المصريين — أن يكون ابنًا للإله آمون. ويذكر «ويل ديورانت» في «قصة الحضارة»: أن الإسكندر لو لم يضع نفسه بعد أن حكم المصريين موضع الإله، لكان من المحتمل أن يغضب المصريون لخروجه هذا الخروج العنيف عن السوابق المقررة عندهم.15 تخيل أن يغضب المصريون على الإسكندر لأنه لم يجعل نفسه إلهًا!

وشيئًا فشيئًا بدأ الإسكندر يعتقد أنه إلهٌ حقًّا وبأكثر من المعنى المجازي لهذا اللفظ! وهكذا بدأَت سياسته الخاصة بالمزج وإدماج العناصر المقدونية بالشرقية تأخذ منحًى جديدًا، عندما أزمع على اقتباس عادةٍ فارسيةٍ هي السجود — التي كان يتعين بمقتضاها على جميع من يقتربون من الملك أن يؤدوها! غير أن هذا الأمر كان يعني في نظر اليونانيين والمقدونيين عبادةً حقةً للإمبراطور، وهو أمرٌ لم يألفوه من قبلُ، ولقد كان الإسكندر على بيِّنةٍ من الموقف، وذلك لا يعني سوى شيءٍ واحدٍ هو أنه أراد تأليه نفسه، أراد أن يصبح إلهًا بالفعل.

وعندما ابتدع الإسكندر عادة السجود هذه، تطوَّرَت الأمور على نحوٍ غيرِ منتظَر؛ فقد عارضها المقدونيون بشدة، وأظهر البعض استياءه وغضبه، بل إن أحد قُواده فعل ما هو أسوأ من المعارضة؛ فعندما سمع بمطلب الإسكندر استولَت عليه نوبةٌ من الضحك! وأخيرًا اتفقوا معه على أن يقصرَ هذه العادة الآسيوية على الآسيويين فقط! وكان الإسكندر قد أُوتي قدرةً فائقة على الإحساس بما هو ممكنٌ من الأمور، فأسقط السجود من حسابه نهائيًّا! وهكذا نجد أن الإسكندر لم يفكِّر في تأليه نفسه إلا في الشرق، موطن تأليه الحكام.16

لذلك لا عجب أن يروي هؤلاء الكذابون العبيد الأذلاء حديثًا عن رسول الله يقول: «السلطان ‌ظل ‌الله ‌في ‌الأرض، فمن أكرمه أكرم الله، ومن أهانه أهانه الله».17

بل استمع عزيزي القارئ إلى آخر شيوحهم المعاصرين، ابن عثيمين، هذا الذليل المهان وهو يفسر حديث: «اسمع وأطع ولو جلد ظهرك وأخذ مالك» فيقول:

 

هذا هو الفارق الجوهري بين اليونان والسلفية: بين ثقافةٍ مجّدت الحرية واحتقرت الخضوع، ومذهبٍ قدّس الطاعة وشرعن الذلّ؛ بين أحرارٍ رأوا الكرامة شرط أي فضيلة، وعبيدٍ جعلوا المذلّة دينًا؛ بين رجالٍ واجهوا الطغيان، وأذلّاء احتموا به.

بين اليونان والسلفية هوّة أخلاقية: هناك الحرية أعلى الفضائل، وهنا فقه العبودية. هناك رجال، وهنا أذلّاء. هناك حرية تُنتج رجالًا، وهنا عبودية تُنتج أتباعًا. هناك مقاومة الظلم شرف، وهنا تبرير الظلم دين. هناك الإنسان غاية، وهنا الإنسان وسيلة في يد السلطان. هناك يُحتقر الطغيان، وهنا يُقدَّس. هناك الأخلاق فعل شجاع، وهنا الأخلاق صمت جبان. هناك الفضيلة تمرّ عبر الكرامة، وهنا تمرّ عبر الانبطاح. هناك يُدان الجائر، وهنا يُؤجَر الصابر عليه. هناك الشرف موقف، وهنا الشرف خضوع. هناك رجال يواجهون السلطة، وهنا أذلّاء ينبطحون لها.

Facebook
Twitter
LinkedIn