بيان تلبيس التيمية، آية ﴿لما خلقتُ بيديَّ﴾ نموذجًا

هذا المقال كتبته بالمشاركة مع صديقي يزن حماد، فله الفضل والجهد الأكبر، وله الشكر على ما بذل وكتب.

ذكر ابنُ تيمية في «الرسالة المدنية» مناظرةً جرت بينه وبين أحد الأشاعرة، وأراد من سردِه لهذه المناظرة أن يوضح الأسبابَ الأربعةَ التي يجب عندها صرفُ الكلام من الحقيقة إلى المجاز. وكانت القضايا الخلافية بين المتكلمين وأهل الحديث التي اتفق هو ومناظرُه عليها ثلاثًا: (١) وصف الله بالعلو على العرش. و(٢) مسألة القرآن. و(٣) مسألة تأويل الصفات.

فاختار ابنُ تيمية أن يبدأ المناظرةَ في المسألة الثالثة وهي تأويل الصفات؛ «فإنها الأم والباقي من المسائل فرع عليها».1 ومن هنا انطلق ابنُ تيمية في سرد «الأسباب الأربعة التي لا بد منها في صرف الكلام من حقيقته إلى مجازه».2

وبعد أن سلّم الأشعريُ بهذه المقدمات، اختار ابنُ تيمية «صفةَ اليد» ليناظر فيها. ثم أكمل ابنُ تيمية سردَ الآيات التي تذكر اليدين لله، وبعدها ذكر تأويلات المتأولين لها، فمن تأويلاتهم لليد أنها تأتي:

  • «بمعنى النعمة والعطية، تسميةً للشيء باسم سببه، كما يسمى المطر والنبات سماء»،
  • «وقد تكون اليد بمعنى القدرة، تسمية للشيء باسم مسببه؛ لأن القدرة هي [التي] تحرك اليد، يقولون: فلان له يد في كذا وكذا… ومنه قوله: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، والنكاح كلام يقال، وإنما معناه أنه مقتدر عليه.»
  • «وقد يجعلون إضافة الفعل إليها إضافة الفعل إلى الشخص نفسه؛ لأن غالب الأفعال لما كانت باليد جعل ذكر اليد إشارة إلى أنه فعل بنفسه… والعرب تقول: يَدَاك أوْكَتَا، وفُوكَ نَفَخ؛ توبيخًا لكل من جَرَّ على نفسِه جريرةً؛ لأن أول ما قيل هذا لمن فعل بيديه وفمه.»

*****

الحجة الأولى: التثنية

يكمل ابن تيمية ويقول إنه لا ينكر المجاز في لغة العرب، ولا ينكر أنها تحتمل هذه التأويلات لليد، لكن ابن تيمية لديه إشكال خاص في صيغة معينة وردت بها الآيات، ويدعي أن تلك الصيغة اللغوية الواردة في القرآن لا يمكن أن تحتمل هذه التأويلات التي ذكروها، و«أن الآيات لا تقبل المجاز البتة من جهة نفس اللغة». يقول ابن تيمية:

المقام الأول: أن لفظ اليدين بصيغة التثنية لم يُستعمل في النعمة ولا في القدرة؛ لأن مِن لغة القوم استعمال الواحد في الجمع، كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، ولفظ الجمع في الواحد كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ، ولفظ الجمع في الاثنين كقوله: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا. أما استعمال لفظ الواحد في الاثنين، أو الاثنين في الواحد فلا أصل له؛ لأن هذه الألفاظ عدد وهي نصوصٌ في معناها لا يُتجَوَّز بها، ولا يجوز أن يُقال: عندي رجل، ويعني رجلين، ولا عندي رجلان، ويعني به الجنس؛ لأن اسم الواحد يدل على الجنس والجنس فيه شياع، وكذلك اسم الجمع فيه معنى الجنس، والجنس يحصل بحصول الواحد.
فقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ لا يجوز أن يُراد به القدرة؛ لأن القدرةَ صفةٌ واحدة، ولا يجوز أن يُعبَّر بالاثنين عن الواحد. ولا يجوز أن يُراد به النعمة؛ لأن نعم الله لا تحصى، فلا يجوز أن يعبر عن النعم التي لا تحصى بصيغة التثنية.

ولتلخيص هذا الكلام نقول: يدعي ابن تيمية أن اللفظ بصيغة المفرد قد يدل على الجمع، واللفظ بصيغة الجمع قد يدل على المفرد، واللفظ بصيغة الجمع قد يدل على التثنية. أما اللفظ المُثنَّى فلا يدل إلا على التثنية وفقط، فالواحد لا يدل على الاثنين بتاتًا، والاثنان لا يدلان على أيِّ شيءٍ إلا الاثنين وفقط.

إذن نعيد ونكرر، يقول ابن تيمية «أما استعمال لفظ الواحد في الاثنين، أو الاثنين في الواحد فلا أصل له». وبالتالي إذا قال الله إنه خلق آدم بيديه، فمن المستحيل أن نجد كلامًا يُقال فيه إنه خلق آدم بيده. بل لغة العرب لا تحتمل إلا شيئًا واحدًا فقط، وهو ذكر اليد مثناة دائمًا في خلق آدم. وإنما أراد ابنُ تيمية استخدام المثنى هنا لكي ينفي قول من يقول إنها قدرة؛ إذ القدرة لا تُثنَّى. فهدفه من كلامه في التثنية هو إبطال القول بالقدرة.

لكن إذا رجعنا إلى كلام الله نفسه، وجدنا أن نفس هذه الآية التي أتى فيها التعبير بالمثنى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، جاءت بقراءة أخرى مفردة ﴿بِيَدِي، ففي قراءة عاصم الجحدري، يقول الله: ﴿يا إبليس ما منعك أن تسجد لَمَّا خَلَقْتُ بِيَدِي﴾، بفتح اللام وتشديد الميم، وإفراد اليد.3 وهذه وإن كانت قراءة شاذة، إلا أنه يحتج بها في لغة العرب.

وإذا كان «استعمال لفظ الواحد في الاثنين… لا أصل له»، فما بال النبي ﷺ قد استعمله وقاله! ففي صحيحي البخاري ومسلم وفي حديث الشفاعة الشهير، يُروى أن رسول الله ﷺ قال: «فَيَأْتُونَ ‌آدَمَ عليه السلام فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ».4

وفي صحيح البخاري، رُوي أن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك.»5 هكذا بالتثنية، والله تعالى يقول في كتابه العزيز ﴿بيدك الخير بالإفراد.

ورُوي كذلك في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي، لا يدان لأحدٍ بقتالهم»6 والمعنى واضح وهو أن «اليدان» بالتثنية يُراد بها شيء واحد وهو القدرة أو القوة.

وبدلًا من نقل الأحاديث من كتب الصحاح، دعونا ننقل الأحاديث من كتب ابن تيمية التي خطها هو بيديه، كي لا يحتج محتجٌ ويقول: لعل ابن تيمية لا يدري هذه الأحاديث الموجودة في البخاري ومسلم! يقول ابن تيمية: «والمقصود هنا: أنه قد ثبت في الصحيحين حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «احتج ‌آدم وموسى: فقال موسى: يا ‌آدم؟ أنت أبو البشر الذي خلقك الله ‌بيده ونفخ فيك من روحه».7

هذا وقد التزمنا في الأمثلة السابقة بصحيحي البخاري ومسلم فقط، أما إذا أردنا التوسع خارج الصحيحين، فإليك ما رواه ابن ماجة في سننه أن رسول الله ﷺ قال: «ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شُحًّا مُطاعًا، وهوًى مُتبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرًا لا يدان لك به، فعليك خويصة نفسك».8 فهذه اليدان بالتثنية ويراد بها شيء واحد وهو القدرة.

وإذا ذهبنا إلى الصحابة رضوان الله عليهم، سنجد قول أبي بكر الصديق — رضي الله عنه — فيما يُروى عنه أنه «قام فخطب الناس واعتذر إليهم وقال: واللهِ ما كنت حريصًا على الإمارة يومًا ولا ليلةً قط، ولا كنت فيها راغبًا ولا سألتها اللهَ في سرٍ ولا علانية، ولكني اشفقت من الفتنة ومالي في الإمارة من راحة ولكن قُلدت أمرًا عظيمًا ما لي به طاقة ولا يدان إلا بتقوية الله».9 والمقصود هنا من كلام الصديق باليدين على التثنية شيء واحد وهو القوة أو القدرة.

وكذلك زوجة أبي ذر الغفاري، وكانت صحابيةً جليلة، فإنه «لما حضر أبا ذرّ الموتُ، بكت، فقال لها: ما يُبْكيك؟ قالت: أبكي لأنّه لا يدان لي بتغييبك، وليس لي ثوب يسعك».10 فهذه اليد مُثناه ومقصود بها القدرة.

وإذا تركنا كلامَ الله وكلامَ رسوله وكلام الصحابة وعدنا إلى كتابٍ آخر لابن تيمية الذي يقول هنا: «ولا يجوز أن يقال: عندي رجل، ويعني رجلين، ولا عندي رجلان، ويعني به الجنس»، سنجده يقول في مجموع الفتاوى: «والتثنية يراد بها: جنس التعديد من غير الاقتصار على اثنين فقط».11 وهذا تناقض ظاهرٌ بَيِّنٌ، فتارةً في كتابٍ يقول: إن التثنية لا يُراد بها الجنس، وتارة أخرى يقول: التثنية يراد بها الجنس من غير اقتصار على اثنين فقط.

بل لماذا نذهب إلى كتاب آخر لنبين تناقضَ الرجل في هذه المسألة، إنه قد تناقض في هذه الرسالة نفسها؛ فإذا كان ابن تيمية يقول في هذه الرسالة: إن «استعمال لفظ الواحد في الاثنين… لا أصل له» فإنك ستجده يقول قبلها بصفحة واحدة: «وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس». إذن ابن تيمية يقول: ليس من لغة العرب أن تستخدم لفظَ الواحد في الاثنين، ثم يأتي هو في نفس المسألة وهي خلق آدم، وفي نفس استدلاله بأن الله خلقه بيديه الاثنتين، وفي عين حجته في استخدام التثنية، ثم يقول هو: «خلق آدم بيده»، هكذا بالإفراد دون التثنية. فإما أن ابن تيمية لا يكتب بلغة العرب ولا يحسنها، أو هو متناقض، يكتب عبارةً ثم يكتب نقيضها بعدها بصفحة، وينقض هو بيمينه هذه القاعدة التي خطها بشماله.

بل لماذا نعود إلى صفحة أخرى من الرسالة! إن ابن تيمية لا يناقض نفسَه في كتبه المختلفة فحسب، ولا يناقض نفسَه في نفس الكتاب فحسب، ولا يناقض نفسه في صفحتين من نفس الكتاب، بل إن هذا الرجل يناقض نفسَه في نفس الصفحة، بل في نفس السطر، إذ يقول في السطر نفسه: «فالمفهوم من هذا الكلام: أن لله تعالى يدين مختصتان به، ذاتيتان له، كما يليق بجلاله، وأنه سبحانه خلق ‌آدم ‌بيده دون الملائكة وإبليس».12

ومثال ثانٍ لتناقضه في نفس السطر قوله:

فيكون إضافته إلى اليد إضافةً له إلى الفعل، كقوله ﴿بما قدمت يداك13

فهو يقول «إضافته إلى اليد» بالمفرد، والمثال الذي أتى به كانت اليد فيه مثناه.

ومثال ثالث لتناقضه مرتين في نفس السطر قوله:

وعدى الفعل إلى اليد بحرف الباء كقوله ﴿لما خلقت بيديّ، فإنه نص في أنه فعل الفعل بيده.

هذا ولفظ «بيده» الأخير هنا هو الذي جاء في ثلاث من أربع نسخ لهذا الكتاب حققها الوليد بن عبد الرحمن الفريّان، ووقع في نسخة واحدة فقط «بيديه»، وهي المثبتة عند نقلنا لنفس هذا النص فيما بعد.

إذن، الرد الأول من كلام الله، والثاني من كلام رسوله ﷺ المروي في الصحيحين، البخاري ومسلم، والثالث من كلام الرسول ﷺ المروي خارج الصحيحين، والرابع من كلام الصحابة، والخامس من كلام ابن تيمية نفسه في كتاب آخر، والسادس من كلامه في نفس هذا الكتاب، والسابع من كلامه في نفس السطر. وسنأتي بالثامن الآن من علماء اللغة، والتاسع من علماء التفسير والعاشر من كلام الشعراء العرب لنرى ما قيمة ما ذكره ابن تيمية في ميزان اللغة.

ومن المعلوم أن للنحو مدرستين شهيرتين، مدرسة الكوفة ومدرسة البصرة. أما إمام مدرسة الكوفة، وهو أبو زكريا الفراء، فقد ذكر في تفسيره لهذه الآية بعينها ما يُكذِّبُ قاعدةَ ابن تيمية، فيقول:

وقوله: ﴿بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ اجتمع القُرَّاء على التثنية، ولو قرأ قارئٌ ﴿بيدِي يريد يدًا على واحدة كان صَوابًا؛ كقول الشاعر:

أيها المبتغى فناءَ قريشٍ … بيد الله عُمرها والفناء

والواحد من هذا يكفي من الاثنين، وكذلك العينان والرجلان واليدان تكتفي إحداهما منَ الأخرى؛ لأن مَعْناهما واحد.14

تخيل أن يقول ابن تيمية إن «استعمال لفظ الواحد في الاثنين… لا أصل له» وإمام مدرسة الكوفة في النحو يقول إن معنى اليدين بالثنية، واليد بالإفراد، يجوز أن يكونا بمعنى واحد. وهذا الدليل وحده كاف للقضاء على فكرة ابن تيمية، يكفي فقط ذكر إمام مدرسة الكوفة في النحو، وتفسيره لهذه الآية، وإبطاله لقاعدة ابن تيمية، فلو لم يكن هناك دليل قط إلا كلام الفراء وهو من هو لكفى بكلامه كلامًا وبتفسيره تفسيرًا.

بل يذكر الإمام الفراء أمثلةً كثيرة على استخدام اللفظ بالمثنى والمقصود به واحد، فمن ذلك يقول:

وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما يقال كيف قال: فلا جناح عليهما، وإنما الجناح — فيما يذهب إليه الناسُ — على الزوج لأنه أخذ ما أعطى؟
ففي ذلك وجهان:
أن يراد الزوج دون المرأة، وإن كانا قد ذُكرا جميعًا. فى سورة الرحمن ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ وإنما يخرج اللؤلؤ والمرجان من الملح لا من العذب. ومنه ﴿نَسِيا ‌حُوتَهُما وإنما الناسي صاحب مُوسَى وحده. ومثله فِي الكلام أن تقول: عندي دابتان أركبهما وأستقي عليهما، وإنما يركب إحداهما ويستقى على الأخرى وقد يمكن أن يكونا جميعا تُركبان ويُستقى عليهما. وهذا من سعة العربية التي يحتج بسعتها.15

ونأتي بتفسير نفس هذه الآية من أحد أئمة اللغة العربية الكوفيين، وهو الإمام أحمد بن يحيى بن زيد، المعروف بثعلب، وكان أستاذًا للأخفش الأصغر ونفطويه وابن الأنباري. قال في «مجالسه» في تفسير هذه الآية:

﴿لما خلقت بيديّ قال: يقال الشيء في يدي ويديّ، ونظرت إليه بعيني وبعينيّ، إذا كان الواحد يدل على الاثنين، والاثنان يدلان على الواحد، جاز هذا.16

وإليك تفسير آخر لهذه الآية من إمام من أئمة اللغة وهو أبي علي الفارسي، ويكفيك لمعرفة قدره أنه كان أستاذًا لابن جني، فقد ذكر في «المسائل الحلبيات» قوله:

فإن قلت: فإن اليد إنما استُعملت بمعنى القوة إذا أُفرد اللفظ بها، كقول القائل: لا يد لي بهذا الأمر ولا قوة، وما في الآي من ذكرها مثنى ومجموع.
فالقول في ذلك: إنها تستعمل مثنى ومجموعًا في هذا المعنى، كما تستعمل فيه في الإفراد؛ ألا ترى أن ما ذكرناه عن سيبويه في هذا المعنى تثنية، وأن الأصمعي قد أنشد فيما جاء «اليد» فيه على التثنية، والمراد بها القوة، وذلك فيما قاله علي بن الغدير الغنوي:

وإذا رأيتَ المرءَ يَشْعَبُ أَمرَهُ … شَعْبَ الْعَصَا وَيَلَجُّ فِي الْعِصْيَانِ

فَاعْمَدْ لِمَا تَعْلُو فَمَالَكَ بِالَّذِي … لَا تَسْتَطِيعُ مِنَ الأُمُورِ يَدَانِ

وفي التنزيل: ﴿مما عملت أيدينا أنعامًا، كما قال: ﴿لما خلقت بيديّ. فالتثنية والجمع في هذا بمنزلةٍ كالإفراد في هذا المعنى. والتقدير: لما خلقت بقوتي17

أما ابن سِيدَه، وهو من أعظم أئمة الأندلس في اللغة العربية، فيحكي عن سيبويه قوله:

«وَقَوْلُهُمْ لَا يَدَيْنِ لَكَ بها، معناه لا قُوّة لَكَ بِهَا، ‌لَمْ ‌يَحْكِهِ ‌سِيبَوَيْهِ إِلا مُثنى؛ وَمَعْنَى التَّثْنِيَةِ هُنَا الْجَمْعُ وَالتَّكْثِيرُ كَقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ:
فكُلُّ رَفِيقَي كُلّ رَحْلٍ»18

وهنا سيبويه يقول إن اليد مثناه معناها القدرة. وفي كتاب «طبقات فحول الشعراء» لابن سلام، الذي عاش في القرن الثاني الهجري، يقول:

فَإِن تزجرانى يَا ابْن عَفَّان أزدجر … وَإِن تتركانى أحم عرضًا مُمنَّعا

 وَقَوله «تزجرانى» و«تتركانى» وَإِنَّمَا يُرِيد وَاحِدًا. وَقد تفعل هَذَا الْعَرَب قَالَ الفرزدق:

عَشِيَّة سَالَ المربدان كِلَاهُمَا … عجاجة موت بِالسُّيُوفِ الصوارم

وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب:

وَحَتَّى يؤوب القارظان كِلَاهُمَا … وينشر فى الْقَتْلَى كُلَيْب لِوَائِل

وَهُوَ رجل وَاحِد من عنزة ذهب أَن يجتنى الْقرظ فَلم يثبت أَنه رَجَعَ، وَقَول بشر بن أَبى خازم يدل على أَنه وَاحِد:

فرجى الْخَيْر وانتظرى إيابى … إِذا مَا القارظ العنزى آبا

وَقَالَ العجاج:

لَا تحسبن الخندقين والحفر …

وَهُوَ خَنْدَق وَاحِد

بل إن لابن عبد ربه الأندلسي فصلًا في كتابه «العقد الفريد» عنوانه «ما قالوه في تثنية الواحد»، وله باب آخر عنوانه «قولهم إفراد الجمع والاثنين».19 وقد ذكر الشاعر أبو علي الحاتمي، وكان يناظر المتنبي عند سيف الدولة، في كتابه «حلية المحاضرة» بابًا كان عنوانه «هذا باب ‌‌ما جُعل فيه الاثنان جمعًا» وله باب آخر عنوانه «هذا باب ‌‌لُفِظَ فيه بلفظِ الواحد يُراد به الاثنين».20 وأما ابن فارس فقد ذكر في كتابه «الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها» بابًا كان عنوانه «باب أمر الواحد بلفظ أمر الاثنين»21

بل دعونا نفترض أن ابن تيمية لم يقرأ هذه الكتب، لم يقرأ تفسير الفراء، ولا لسان العرب لابن منظور، ولا لابن عبد ربه، ولا لأبي علي الحاتمي، ولا لابن فارس، ولا لثعلب النحوي، ولا لأبي علي الفارسي، فإنه قطعًا قد قرأ كتاب ابن قتيبة الدينوري، وهو من علماء اللغة وكذلك من أهل الحديث والأثر، أي أنه — نظريًا — ينتمي إلى نفس طائفة ابن تيمية، وقد استدل ابنُ تيمية كثيرًا بكلامه في كتاب «تأويل مختلف الحديث»، وكذلك ذكر كثيرًا فقرات من كتابه «تأويل مشكل القرآن»، وهذا يعني أن ابن تيمية قطعًا قد قرأ كتاب ابن قتيبة «تأويل مشكل القرآن»، يقول ابن تيمية: «وكذلك قال ‌ابن ‌قتيبة في (كتاب المشكل): أقسام الروح»22، إذن قد قرأ ابن تيمية الكتابَ، واستدل به في مواضع كثيرة، بل نصّ صريحًا على اسمه وعلى نقلِه منه، وإذا رجعنا إلى هذا الكتاب، وجدنا ابن قتيبة يقول في مقدمته:

وللعرب المجازات في الكلام، ومعناها: طرق القول ومآخذه. ففيها الاستعارة، والتمثيل، والقلب، والتقديم، والتأخير، والحذف، والتكرار، والإخفاء، والإظهار، والتعريض، والإفصاح، والكناية، والإيضاح، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، والجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الاثنين، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص مع أشياء كثيرة ستراها في أبواب المجاز إن شاء الله تعالى.23

بل إن ابن قتيبة ذكر في نفس هذا الكتاب في «باب مخالفة ظاهر اللفظ معناه»، فقال: «‌‌ومنه أن تأمر الواحد والاثنين والثلاثة فما فوق أمرك الاثنين: فتقول: افعلا.»24

أما الثعلبي، فذكر في تفسيره لقوله تعالى ﴿ألقيا في جهنم وقال:

«‌أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ قال الخليل، والأخفش: هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين، وهو جيد حسن، فيقول: ويلك أرحلاها، وازجراها، وخذاه واطلقاه للواحد.» 25

لقد ذكرتُ أن هذه المسألة التي يدعي ابن تيمية أنها «لا أصل لها»، قد بُوبت لها الأبواب في كتب اللغة، وفي كتب المعاجم، وذُكرت في كتب التفسير، وذكرها النحاة والشعراء والمفسرون، والأدباء، وكل هذا قبل ابن تيمية بقرون، بل لقد قال بها الخليل بن أحمد، والأخفش، وسيبويه، والفراء، وابن فارس، وثعلب، وأبو علي الفارسي. بل إن الفراء وهو إمام مدرسة الكوفة، وسيبويه وهو إمام مدرسة البصرة، وبينهما من الحروب والعداء ما الله به عليم، حتى إنهما لا يكادان يتفقان على شيء، إلا أن أكبر مدرستين في اللغة في تاريخ المسلمين قد اتفقتا الاثنتان على شيءٍ واحد، وهو خطأ قاعدة ابن تيمية، وعلى عدم صدق دعواه.

لقد ذكرت فقط أبوابَ هذه المسألة في كتب اللغة، ولم أذكر الشواهد لها، إذ لو ذكرتها لملئت مئات الصفحات بها. ولو أراد أحد الاستزادة فليرجع إلى المصادر التي ذكرتها. هذا ونستعيذ بالله من أن نقول إن كلامنا هو القول الأوحد الذي قال به جميع أئمة اللغة والتفسير، بل إن بعضهم قال بخلافه، كالطبري وغيره،26 لكن الزعم أن هذا القول «لا أصل له» كما يقول ابن تيمية، زعم باطل كما رأيتم، لكننا لا نجرؤ أن نقول إن هذا هو القول الأوحد، بل اللغة تحتمل الخلاف كما هو معلوم في أكثر هذه المسائل.

إذن نعود إلى استدلال ابن تيمية الذي قاله لهذا الرجل، يقول ابن تيمية: «فقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ لا يجوز أن يراد به القدرة؛ لأن القدرة صفة واحدة، ولا يجوز أن يُعبَّر بالاثنين عن الواحد.»

ثم هاكم الشاعر الشهير عروة بن حزام، وهو من القرن الأول الهجري، وكان يحب ابنة عمه عفراء، ثم طلبت أمُّها مهرًا كبيرًا جدًا، فسافر إلى اليمن لطلب المال، فلما عاد وجدها قد تزوجت. فكتب ينشد شعرًا ويقول:

تحملتُ من عفراء ما ليس لي به …. ولا للجبال الراسيات يدان27

فأضاف اليدين بالمثنى إلى الجبال، وعبّر عنها بالقوة أو القدرة.

نقول: إذا كان استدلال ابن تيمية مبنيًا في أساسه على أن المُثنى لا يدل على الواحد، وأن القدرة صفةٌ واحدة، فإذا ثبت أن الاثنين يصح أن تدل على الواحد، وبالتالي يصح حمل اليدين على القدرة، فقد بطل استدلاله واستوت على الجودي، وقيل بُعدًا للقوم الظالمين.

أما الخطأ الآخر الذي وقع فيه ابن تيمية وهو قوله «لأن هذه الألفاظ عدد وهي نصوص في معناها لا يُتجوّز بها» فليس نزاعنا في أن الأعداد والأرقام لا يصح فيها المجاز، بل النزاع في خصوصية الاثنين تحديدًا، هل يصح أن تستخدم التثنية للدلالة على الواحد؟ ولا نتحدث هل تستخدم الأربعة أو الخمسة أو التسعة. ذلك أن للتثنية خصوصيةً كما رأينا. وليس هذا خاص بالتثنية فقط، بل إن قاعدته هذه لا تنطبق على السبعة ومضاعفاتها. ففي «‌تهذيب اللغة» للأزهري يقول:

والعرب ‌تضع ‌التسبيع ‌موضع ‌التضعيف ‌وإن ‌جاوز ‌السبع، والأصل فيه قول الله جل وعز: ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ثم قال النبيُ ﷺ ﴿الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة. قلت: وأرى قول الله جل ثناؤه لنبيه ﷺ ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم من باب التكثير والتضعيف لا من باب حصر العدد، ولم يُرِد الله جل ثناؤه أنه إن زاد على السبعين غفر لهم، ولكن المعنى: إن استكثرت من الدعاء والاستغفار للمنافقين لم يغفر الله لهم.28 

وقد قال إمامنا الزمخشري — رضوان الله عليه — في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾: «‌والسبعون ‌جار ‌مجرى ‌المثل ‌في ‌كلامهم ‌للتكثير».29

وكذلك قول الله ﴿يود أحدهم لو يُعمَّر ألف سنة﴾، مع أن أحدًا لا يود أن يُعمَّر ألف سنة فقط، وقد ذكر الطبري في تفسيره عن ابن عباس أن المقصود بالآية هو حبهم لطول الحياة.30 بل لقد نقل الطبري في تفسيره تحية هؤلاء المجوس بعضهم بعضًا بأن تمنوا: «عشرة آلاف عام» حرصًا منهم على الحياة.

إذن هذه القاعدة التي أطلقها ابن تيمية لا تجري ولا تنطبق في السبعين؛ إذ يستخدم للدلالة على الكثرة وليس نصًا في العدد، وكذلك لا يستقيم كلام ابن تيمية في رقم سبعة؛ إذ السبعة كذلك تدل على الكثرة وليست نصًا في العدد. واقرأ إن شئت تفسير الحديث الذي رُوي عن النبي الذي أخرجه البخاري في صحيحه: «‌المؤمن يأكل في مِعًى واحدٍ، والكافرُ يأكل في سبعةِ أمعاءٍ.»31 إذ لو أخذنا الحديث على ظاهره وأخذنا أن رقم سبعة هو «‌نصٌ لا يُتَجوَّز به»، لكان الواقعُ والمشاهدةُ يكذِّبان النبيَّ ﷺ؛ إذ الكفار ليس لهم سبعة أمعاء. فلا بد أن تدل هذه السبعة على الكثرة. بل حتى دلالة السبعة على الكثرة لا تكفي في المجاز؛ إذ الكافر ليس له أمعاء كثيرة، لا سبعة ولا أكثر من سبعة. لكن هذا الحديث يدل على أن الكافر يأكل بشهوةٍ وبتمتعٍ في الدنيا، أما المؤمن فهو متأدب بأدب الإسلام، لا يهمه كثرة النهم في الأكل ولا الانغماس في الملذات الدنيوية. فانظر إلى المجاز في استخدام الرقم سبعة، وانظر إلى المجاز الآخر في الدلالة على الكثرة بالشهوة وحب الدنيا. وبعد ما تتأمل هذا، ستعلم أن تطبيق قاعدة ابن تيمية في فهم النصوص لن يؤدي بك إلا إلى طريق واحد، وهو طريق الإلحاد وتكذيب النبي .

*****

الحجة الثانية: الباء

يقول ابن تيمية:

أما إذا أضاف الفعلَ إلى الفاعل، وعدَّى الفعلَ إلى اليد بحرف الباء، كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ فإنه نصٌ في أنه فَعَلَ الفعلَ بيديه؛ ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال: فعلت هذا بيديك ويقال: هذا فعلته يداك؛ لأن مجرد قوله: فعلت، كافٍ في الإضافة إلى الفاعل، فلو لم يُرِد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة، ولست تجد في كلام العرب ولا العجم إن شاء الله تعالى أن فصيحًا يقول: فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه، إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها.

خلاصة كلامه أنه يريد أن يقول إن الباء إذا أضافها الفاعلُ إلى وسيلةٍ، فلابد أن تدل على شيءٍ زائد، وليس مجرد أنه فعل هذا بنفسه وفقط، بل لا بد أن تدل أنه فعل بهذه الوسيلة أو هذه الواسطة حصرًا. فلا بد أن يكون له يد، وأنه فعل بهذه اليد، وليس مجرد أنه قام بنفسه أو فعل بنفسه. وهنا يريد ابن تيمية من استخدامه لهذه الحجة هو نفي من يقول إن معنى آية ﴿لما خلقت بيدي، هو: لما خلقت بنفسي.

أولًا: هذه القاعدة الثانية التي أقرها تتناقض مع الأولى، حيث إنه قبل أن اليدين بالمثنى قد تدل على النفس، والنفس واحدة. ففي نفس الوقت الذي يقول إن ذكر اليد بالمثنى إنما تدل على شيئين، إلا أنه قبل أن معنى اليدين هو النفس، والنفس واحدة.

ونقول ثانيًا: إن صح هذا الكلام الذي يزعمه، وهذه القاعدة التي نَظَّر لها، فإن أقصى ما فيها أن تدل على أنه فعل بواسطة، فلو قال قائل إن اليد ههنا هي القدرة، فيمكن أن يكون الله قد خلق آدم بقدرته، هذا إن كان ولا بد إثبات واسطة للخلق. فحتى هذه لا تدل على إثبات اليدين، ولا تدل على أن الخلق تم بهما. وقد أوردتُ هذا ابتداءً لأنه ينسف كلامه من أوله لآخره.

ثالثًا، نقول: هذا تحكم بارد حري ألا يُعبأ به، وقد بُلينا بقوم يظنون رمي الكلام دليلًا، فما الفرق بين قولي لمن جنى عليه فعله «يداك أوكتا وفوك نفخ» وقولي «بيديك ربطت وبفيك نفخت»، وما المانع أن يحتج المعتزليُ بأن دخول «ليس» على «مثل» بوجود «الكاف» ثم يأتي بعدها «شيء» كما في قوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء أن الصفات كلها منفية، حتى صفات المعاني، وأن التشبيه كله منفي من جميع الوجوه. وهذا هو الإلزام على أي شخص يتبنى قول ابن تيمية، فنقول: هات من كلام العرب شخصًا يقول: «ليس كمثله شيء» ويكون هناك وجه شبه من بعض الوجوه. فإن أراد إنسانٌ أن يرد على هذا المقال، فليبدأ بالإجابة عن هذا السؤال للدلالة على جديته وقيمته العلمية. وأعيده مرة ثانية: هات من كلام العرب عبارةً فيها النفي بـ «ليس» وتكون نفيًا للـ «مثل» مع دخول حرف «الكاف» ثم يأتي بعدها «شيء»، ويكون هناك وجه شبه من بعض الوجوه؟ نريد التركيب بهذه الصيغة تحديدًا؛ إذ هذا التركيب يحتمل ما لا تحتمله باقي التراكيب.

هذا ولم يقدم صاحبُنا دليلًا على تأثير الفرق الذي زعمه سوى ادعائه عدم وجود المعارض، فإذا أتيناه به على شرطه من التثنية والتعدية بالباء انقطع والحمد لله رب العالمين.

ونقول ردًا عليه، جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه أن موسى سأل ربه عن أدنى أهل الجنة منزلةً؟ فإجابه رب العزة بأنه سيكون له مثل ملوك الدنيا عشرة أضعاف، فسأله عن أعلى أهل الجنة منزلة؟ فقال الله: «أولئك الذين أردت غرست ‌كرامتهم ‌بيدي وختمت عليها».32 فإن كان ابن تيمية يقول: لا تجد في كلام العرب من يقول فعلت هذا بيدي ولا يكون له يد والفعل وقع بغيرها، فقل لي بالله: كيف يقول الله غرست كرامتهم بيدي، والكرامة أصلًا لا تُغرس. فهذا فعل نُسب إلى اليد وفيه الباء ولم يسند إلى اليد.

وكذلك قول الشاعر الجاهلي والصحابي بعد ذلك حميد بن ثور، إذ كتب يقول: 

قطعتهما ‌بيديْ ‌عوهجٍ … تُعيي المطيَّ بإصرارها33

والعوهج هي الناقة طويلة العنق. والباء أضيفت إلى يد الناقة، والناقة ليس لها يد، فالله يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ، فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ. فالناقة تمشي على أربع أرجل، وليس لها يد حقيقية. فها هو فعل أضيف إلى اليد لما ليس له يد حقيقية.

وإن شئت دليلًا ثالثًا، فهذا فعل أضيف إلى الفاعل، وعدي الفعل إلى اليد بحرف الباء، ومع ذلك ليس نصًا في أنه فعل الفعل بيديه، فذاك شُتَيم الفزاري، وهو شاعر جاهلي مخضرم، وأنشد أثناء حرب داحس والغبراء يقول: 

أدُّوا ذِمامةَ حِصنٍ أو خُذوا بِيَدٍ … حربًا تَحُشُّ الوقودَ الجَزْلَ والضَّرَما34

وقوله: «أدُّوا»: أي أوفوا. «ذِمامةَ حصن»: أي عهده وحقَّه وحرمته. «أو خُذوا بيدٍ حربًا»: أي ائذنوا بالحرب. «تَحُشُّ الوقودَ الجَزْلَ والضَّرَما»: أي تجمع لنارها الحطب الكبير والصغير فتشتعل اشتعالًا شديدًا. فهذا قوله «خُذوا بيدٍ حربًا» والحرب ليست شيئًا يؤخذ بالأيدي، بل معناها اقبلوها.

وكذلك نقول: جاء في «أمثال العرب» للمفضل الضبي المثل المعروف «بيديّ لا بيديك عمرو» بهذه الصيغة.35

والشاهد في قصة المثل أن عمرو هذا أراد أن يفتك بامرأة، وكان لها خاتم فيه سمّ فمصته وقالت: بيديّ لا بيديك عمرو. فذهب قولها مثلًا، أي أقتل نفسي بنفسي ولا تقتلني أنت، وقد قتلت نفسَها بمصها الخاتم، وهذا ليس باليدين حقيقة بل بالفم، مع أن هذه المرأة استعملت اليدين متعدية بالباء كما طلب، فإذا كان هذا مثلًا عربيًا شهيرًا جدًا، وقصته كما ترى، ومع هذا لم يكن القتل فيها باليدين، وإنما كان بالفم.

وليس هذا مقتصرًا فقط على اليد، بل يصح أن يُضاف الفعل إلى الفاعل، ويُعدّى الفعل إلى «العين» بالباء، ومع ذلك لا يقع الفعل بالعين، ولا حتى يكون للفاعل عين. وإليك ما ذكره البُحتري في ديوان الحماسة عن عبد الأعلى بن الصَّامت العبدِي:

أرَى الدَّهْرَ يَرْمِينِي بِعَيْنٍ بَصِيرَةٍ … وَيَرْصُدُنِي بِالْغَيْبِ مِنْ حَيْثُ لا أَرَى36

وذكر الجاحظ رحمه الله  في المحاسن والأضداد، أن إسماعيل بن طريح، قد حج في سنة من السنين، فوقفت عليه أعرابية جميلة. فقال لها: «هل لك أن تزوجيني نفسك»؟ فقالت من غير توقف:

بكى الحسبُ الزاكي بعينٍ غزيرةٍ … من الحسب المنقوص أن يُجمعا معا37

ونفس هذه الصياغة قد قالها قيس بن ذريح، وهو قيس لُبنى، حين بلغه أنه تم هدر دمه:

سأبكي على نفسي بعينٍ غزيرةٍ … بُكاءَ حَزينٍ في الوِثاقِ أَسيرِ38

وإليك بيت امرئ القيس في معلقته وهو يتحدث عن الليل فقال:

فقلت له لمَّا تمطَّى بصُلْبِه … وأردف أعجازًا وناء بكلكلِ

فهذا الليل يتمطى بظهره، وينوء بصدره، وهي أفعال أُسندت إلى الليل وعُدِّيت بالباء، وليس لليل لا ظهر ولا صدر.

فصحَّ أن يُضاف الفعل إلى الفاعل، ويُعدى بالباء، وتارة يكون للفاعل عين على الحقيقة كقيس لُبنى، وتارة أخرى لا يكون له لا عين ولا ظهر ولا صدر على الحقيقة كالدهر والحسب والليل. ولا أدري ما الفرق بين الليل الذي يتمطى (بـ)صلبه وليس له صلب، وينوء (بـ)صدره وليس له صدر، والحسب الذي يبكي (بـ)عينه وليس له عين، والله الذي يخلق (بـ)يده وليس له يد! وقد تعمدت أن أذكر فقط الشواهد التي فيها جوارح وأعضاء (كالظهر والصدر والعين واليد) منسوبة لما لا جوارح ولا أعضاء له كي يخرس المجسمة.

ولست تجد في كلام العرب «ولا العجم»

أما هذه الجرأة المتهورة التي يقوم بها ابن تيمية، فهذه تحتاج دراسة نفسية لهذا الرجل، إذ من الصعب أن تصدر من إنسان سوي العقل أو النفس، أيعقل أن يكون في كلامه في اللغة العربية كل هذه الإشكالات ثم يقول: «ولست تجد في كلام العرب ولا العجم إن شاء الله تعالى أن فصيحًا يقول: فعلت هذا بيدي، أو فلان فعل هذا بيديه، إلا ويكون فعله بيديه حقيقة، ولا يجوز أن يكون لا يد له، أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها».؟ إن هذا الرجل لا يدري شيئًا عن لغة العرب، فلماذا يتحدث عن اللغات الأخرى؟

ومع ذلك، سأذكر كلام العجم، وستجد فيه فعلًا تم باليد، وتمت إضافة الباء إلى اليد، ومع ذلك كان ذلك الشيء ليس له يد من الأساس. فأعظم شاعر إنجليزي في التاريخ، ويليام شكسبير، يقول في مسرحية (الملك جون)39: «A fellow by the hand of nature mark’d». ومعناها الحرفي: رجلٌ وُسِمَ بيد الطبيعة، لكن المقصود ليس أن الطبيعة لها يد حقيقية، بل المقصود: رجل جعلته الطبيعة مميزًا بعلامة واضحة.

وكذلك يقول شكسبير في مسرحية (تاجر البندقية)40: «.But sway’d and fashion’d by the hand of heaven» وترجمة هذه العبارة هي: ولكنه مُوجَّه ومُشكَّل بيد السماء. ومعلوم أن السماء ليس لها يد كي تُوجّه شيئًا.

أما ألكسندر بوشكن وهو أعظم شاعر روسي، فإنه يقول:41

Тебе рукой Фортуны своенравной
Указан путь и счастливый и славный

أي: لقد أُشير لك بيد الحظ المتقلب إلى طريق سعيد ومجيد.

وإليك بالفارسية، إذ يقول الشاعر والفيلسوف الفارسي ناصر خسرو، إذ كتب في قصيدته يقول: «به دست سالیان شسته زمان از موی تو قطران».42 والترجمة الحرفية هي: «غسل الزمانُ، بيد السنين، القطرانَ من شعرك.»
وسياق العبارة يتحدث عن أثر الزمن والسنين في الإنسان، ولا سيما تغيّر الشعر وذهاب سواده. و«السنين» لا يد لها على الحقيقة. فقول ناصر خسرو «به دست سالیان» لا يعني أن للسنين يدًا جارحة غسلت الشعرَ، بل يعني أن الفعل وقع بفعل مرور السنين وأثرها وقدرتها على تغيير حال الإنسان. فالعبارة تجعل “يد السنين» كناية عن سلطان الزمن وتأثيره، لا عن يد حسية حقيقية كما هو ظاهر.

فهذا كلام العرب، وكلام العجم، يستخدمون اليد، ويضيفون إليها «الباء» بالعربية و«by» بالإنجليزية، و«рукой» بالروسية، و«به» بالفارسية، ومع ذلك لم يكن الشيء المضاف له اليد، له بالفعل يد حقيقية ليفعل بها. فعجبًا لهذا الرجل الذي كلما قال كلمةً أو رأيًا، اجتمع عليه العربُ والعجمُ يكذبونه فيه! وأقسم بالله، لولا مخافة التطويل لذكرت أمثلةً من الألمانية والإيطالية واليونانية بل والصينية. لكن هذا القدر فيه الكفاية وزيادة.

*****

الحجة الثالثة: لا يقولون يد الهوى

يقول ابن تيمية بعد ذلك:

ومن ذلك أنهم إذا قالوا: بيده الملك، أو عملته يداك، فهما شيئان: أحدهما: إثبات اليد. والثاني: إضافة الملك والعمل إليها، والثاني يقع فيه التجوز كثيرًا، أما الأول فإنهم لا يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له يد حقيقة، ولا يقولون: يد الهوى ولا ‌يد ‌الماء، فهب أن قوله: ﴿بيده الملك، قد علم منه أن المراد بقدرته، لكن لا يتجوز بذلك إلا لمن له يد حقيقة.

فهذه آخر حججه الدفاعية، فلو ألزمته التأويل في آيةٍ كما هو ظاهر في هذه، ولو رددت على حجتيه بالتثنية والباء، فإنه يهرب إلى هذه الحجة الأخيرة، حيث إنه قد يلتزم أن معنى الآية مجازي، إلا أنها أيضا تُثبِت يدًا حقيقة؛ لأن اليد حتى وإن لم يُفعل بها، إلا أنه لا يصح أن تكون مجازًا إلا لمن له يد حقيقة. فكأنه يقول: لكي تستخدم اليد في المجاز، لا بد لهذا الشيء أن يكون له يد حقيقية، ثم بعد ذلك يمكن استخدامها في المجاز كما تحب.

وجدير بالذكر أن هذه الحجة قد نقلها ابن تيمية نقلًا من عثمان بن سعيد الدارمي، إذ يقول في نقضه على بشر المريسي: «فيستحيل في كلام العرب أن يُقال لمن ليس بذي يدين، أو لم يك قط ذا يدين: إن كفرَه وعملَه بما كسبت يداه… ويستحيل أن يقال: بما كسبت يد الساعة ويد العذاب، ويد القرآن؛ لأنه لا يقال: بيد شيء إلا وذلك الشيء معقول في القلوب أنه من ذوي الأيدي».43

وأقول: وأما قوله «إن العرب لا يطلقون هذا الكلام إلا لجنس له يد حقيقة، ولا يقولون: يد الهوى ولا يد الماء» فما يبدو لنا أن علم ابن تيمية بالشعر واللغة ضئيل، أفلم يسمع قول علي بن علي بن حسان وهو من الشعراء العباسيين وتوفي في القرن السادس إذ يقول:

لمّا تطاول هجره …. وخشيت أنّ العمر ينفدْ

خلّيت عنه يدَ الهوى …. وتركته والهجر في يدْ44

وقد كان محل هذا الشاعر في بغداد في الشرق، ويبدو أنه كذلك لم يسمع قولَ معاصره في الأندلس في الغرب، وهو ابن خفاجة المتوفى كذلك في السادس إذ يقول:

وَقد خَلَعَتْ لَيْلًا علينا يَدُ الْهوى …. رداءَ عناقٍ مَزَّقَتْهُ يَدُ الفَجْرِ45

أي: لقد ألبستنا يدُ الحبّ في الليل رداءً من العناق، ثم جاءت يدُ الفجر فمزّقت هذا الرداء. وقول أبي الفرج بن هندة، الذي عاش في الرابع جل حياته وتوفي مطلع القرن الخامس:

لِيَهْنِ الشَّامِتِينَ وَقَارُ خَدِّي .… وَإِنِّي نُهْبَةُ الزَّمَنِ الْوَقَاحِ

شَدَائِدُ لَوْ دَهَتْ مَاءً أَثَارَتْ …. غُبَارًا مِنْ ‌يَدِ ‌الْمَاءِ الْقُرَاحِ46

أي: دع الشامتين يفرحون بسكون وجهي وثباتي؛ فقد صرت هدفًا لمصائب الزمان القاسية. وهذه المصائب من شدتها لو أصابت ماءً صافيًا، لأخرجت منه غبارًا. فهذه «يد الماء» و«يد الهوى» التي ادعى أنها غير موجودة في كلام العرب.

وكذلك قول الشريف الرضي وقد عاش جل حياته في الرابع، وتوفي مطلع الخامس:

تجاذبني يد الأيام نفسي …. ويوشك أن يكون لها الغلاب.47

وقوله:

وَلي قَلْبٌ، إذا ذَكَرَ التّلاقي …. تظلم من يد البين المشتِّ

وقوله:

إذا ما حاجة قضيت بسيفي …. شكرت لها يد الليل البهيم

فهل للبين والأيام والليل يد، قلت الله أعلم بمن لم يفهم أدب القوم، كيف يقطع بذلك!

وقول أبي فراس الحمداني المتوفى في القرن الرابع:

إِذا اللَّيْلُ أَضْوَانِي بَسَطْتُ يَدَ الهَوَى …. وأَذْلَلتُ دَمْعًا مِنْ خَلائِقِه الكِبْر48

وكان محل دولة الحمدانيين في حلب. وكذلك قول شيخ الشعراء أبو الطيب المتنبي في نفس القرن وهو يقول:

وَلَوْلا أيادي الدّهْرِ في الجَمْعِ بَينَنا …. غَفَلْنَا فَلَمْ نَشْعُرْ لَهُ بذُنُوبِ49

أي: لولا أن الدهر قد أسدى إلينا أياديَ جميلةً بأن جمع بيننا، لكنا غفلنا عن ذنوبه ولم نشعر بما له من إساءات. وقول المتنبي كذلك:

وَكَم لِظَلامِ اللَيلِ عِندَكَ مِن يَدٍ … تُخَبِّرُ أَنَّ المانَوِيَّةَ تَكذِبُ50

والمانوية: هم أصحاب ماني وهم أهل الثنوية، يذهبون إلى أن ظلام الليل هو الشر، وأن النور هو الخير، والمتنبي يرد على هؤلاء الثنويين فيقول: ليس الأمر على ما وصفتموه، بل قد أجد ذلك بالعكس. فإن الليل قد وقاني شر الأعداء، بأن وَارَاني منهم بظلامه. وقوله:

بَدَرَت إِلَيكَ يَدَ الزَمانِ كَأَنَّها … وَجَدَتهُ مَشغولَ اليَدَينِ مُفَكِّرا51

وهذا البيت كان يتحدث فيه المتنبي عن الناقة، فقال إنها سبقت يدَ الزمان، وهي المصائب والكوارث، فكأنها وجدت الزمانَ نفسه مشغولًا فانتهزت الفرصة في قصدك والمجيء إليك. فهذه بالجمع ولزمه أن للهوى والماء وظلام الليل، والزمان والدهر أيدٍ حقيقة، وأن اليد تُخبّر، وأن الفكر يشغلها.

وقول ابن الرومي في القرن الثالث:

أنشب فيه الدهرُ أظفاره … وعضَّه بالناب والناجذِ

فهذا الدهر يغرس أظافرَه في الناس، وهذا الدهر يعض بأسنانه التي هي الناب والناجذ.

ومن مدّ عصر الاحتجاج إلى الرابع أو الثالث كان ما سبق حجة عليه، ومن حده بالثاني فهاك شواهده:

ذكر إمامُ اللغة أبو يوسف ابن السكيت المتوفى مطلع القرن الثالث ناقلًا ما كانت تقوله العرب في معنى جملة «لا أفعله ما…» فكتب يقول: «وكذلك يقال… ولا أفعله أخرى المنون، أي أُخْرَى الدهر. ولا أفعله يد الدهر، وقَفَا الدهر…».52

ونقل مثله الإمام أبو زيد الأنصاري، وكان بصريًا، وهو معاصر له: «ما زال على إست الدهر مجنونًا. وعلى أس الدهر: أي لم يزل يعرف بالجنون.»53 فهذه مجازات واضحة، فهذا الدهر له يد وقفا وإست!

وكِلا اللغويين عاش في القرن الثاني جُل حياته وهو ناقل عمن قبله. وجاء في العين لشيخنا الخليل بن أحمد رضي الله عنه، المتوفى في القرن الثاني، قوله: «[باب الجيم والسين والدال….] جدس: جَديسٌ حيٌّ كانوا يناسبون عادًا، وهم إخوةُ طَسمٍ، وكانت منازلهم اليمامة، قال: بوارُ طَسمٍ بيدِي جَديسِ.»54 ولعمري ما للقبائل يدان بالحقيقة، أو قل أيدٍ فلا فرق والله أعلم.

وقول بشار بن برد المتوفى في الثاني:

فبِيْنِي كما بَانَ الشبابُ إذا مضى …. وكانت يدٌ منه عليّ فَوَلَّتِ

فهل للشباب يد تكون على الشيء ثم تولي؟ قلتُ هو أعلم.

وبيت جرير الذي عاش في القرن الأول وتوفي مطلع الثاني، إذ يقول:

وما كان أبلانا يدُ الدهر نبوة … لدى الحرب أو عضَّ السنين الأمالسِ

فهذا بالتثنية كذلك. وبيت ليلى الأخيلية، وكانت في عالية نجد، من القرن الأول:

أَأَجْعَلُ مِثْلَ تَوْبَةَ في نَداهُ …. أَبا الذِّبان فُوهُ الدَّهْرَ دَامِ

وكان توبة بن الحمير رجلًا تحبه ليلى، ورفض أبوها زواجها منه، فقالت لعبد الملك بن مروان وكنيته أبو الذبان، إنه لا مثيل لتوبة وتأسفت على هذا الزمان السيء. والشاهد «فوه الدهر»، فأضِفْه إلى يده ويديه وأياديه وإسته وقفاه. وكذلك قول قيس بن الملوح في القرن الأول:

رمتني يدُ الأيام عن قوس غِرَّة … بسهمين في أعشار قلبي وفي سحري55

وإن لم يكفك ذلك فهاك من الجاهليين معهم، فهذا قول قيس ابن الخطيم وهو من شعراء الجاهلية وفرسانها وتوفي في زمن النبي، وكان في المدينة، قال:

بَنو خَطمَةَ الأَبطالُ إِنَّهُمُ بِها …. غُذوا وَعَلَيها يَنشَأونَ يَدَ الدَهرِ

وهذا كلام أبو ذؤيب الهذلي، وهو شاعر جاهلي مخضرم، أدرك الإسلام وأسلم، ومات في سنة ٢٦ للهجرة:

وَإِذا المَنِيَّةُ أَنشَبَت أَظفارَها … أَلفَيتَ كُلَّ تَميمَةٍ لا تَنفَعُ56

وهنا يتحدث عن الموت، ولم يضف له فقط اليد، بل أضاف له الأظافر، وأضاف إليه الفعل وهو غرز أظافره في الناس. والتميمة هي التي يعلقها الإنسان على صدره لتنجيه من المصائب.

وهذا كلام أمير الشعراء امرئ القيس إذ يقول:

لَقُلْتُ، مِنَ القَوْلِ، ما لا يَزَا …. لُ يُؤْثَرُ عَنِّي، يَدَ المُسْنَدِ

والمسند هو الدهر، فافهم.

بل ذاك كلام امرئ القيس في معلقته وهو يقول:

فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ … وَأَرْدَفَ أَعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ

وإذا قرأت هذا، ستدرك أن امرأ القيس يصوّر طول الليل وثقله على نفسه تصويرًا حسيًا، كأن الليل جسم عظيم له ظهر وأرداف وصدر، يتمطّى ويثقل ويبطئ في الانقضاء. «فقلت له» أي: قلتُ للّيل. «لما تمطّى بصلبه» تمطّى: تمدّد وتثاقل، كما يتمطّى الإنسان إذا مدّ جسمه. «صلبه»: ظهره أو عموده الفقري. «وأردف أعجازًا» أردف: أتبع شيئًا بشيء، أو جعل خلفه شيئًا آخر. «الأعجاز»: جمع عَجُز، وهو مؤخرة الشيء أو آخره. «وناء بكلكل» ناء: نهض بثقل، أو مال من شدة الحمل. «الكلكل»: الصدر، ويُستعمل غالبًا في صدر البعير أو الحيوان الضخم. وهذا الفعل (تمطى) منسوب لليل، وفيه تعدية بالباء (بصلبه)، ومعلوم أن الليل لا يتمطى، ولو تمطى فليس له صلب.

ولعمري لو ورد هذا البيت في القرآن، لقال ابنُ تيمية: إن لله صُلبًا وهو الظهر، وأعجازًا وهي المؤخرة، وكلكلًا وهو الصدر، ويجب أن نثبت لله ما أثبته لنفسه.

وقول سيدنا لبيد بن ربيعة في المعلقة عن الشمس:

حَتّى إِذا أَلقَت يَدًا في كافِرٍ … وَأَجَنَّ عَوراتِ الثُّغورِ ظَلامُها57

الكافر: الليل، سمي به لكفره الأشياء أي: لستره، والكَفْر: السَّتر، والإجنان الستر أيضًا. الثغر: موضع المخافة والجمع الثغور، وعورته أشده مخافة.

يقول: حتى إذا ألقت الشمسُ يدها في الليل أي ابتدأت في الغروب، وعبّر عن هذا المعنى بإلقاء اليد؛ لأن من ابتدأ بالشيء ألقى يده فيه.

وقوله في المعلقة:

وَغَداةِ ريحٍ — قَد وَزَعتُ — وَقِرَّةٍ … إِذ أَصبَحَت بِيَدِ الشَمالِ زِمامُها58

ومعنى البيت، وهو فيه يعد أوصافه وكرم خلقه، وقد جعل الريح شمالية، وعبّر عن ذلك بأن زمام الريح بيد جهة الشمال.

فهل للجهات كالشمال والجنوب أيدٍ، لعلك تعرف! وقبله من شعراء الجاهلية ثعلبة بن صُعَيْر المازني:

فَتَذَكَّرا ثقلًا رثيدًا بعد ما … ألقت ذُكاءُ يمينها في كَافِرِ59

وَذُكاء: اسم للشمس، وهي مشتقة من ذَكَت النار تَذْكُو، والكافِرُ هنا: الليل، وقوله: ألقت ذكاءُ يمينها في كافر، أي بدأت في المغيب.

فهذه أمثلة، توضح استعمالهم اليد واليدين بالتبادل كقولهم يد الدهر ويدا الدهر وأيادي الدهر، وأمثلة بالباء، وأخرى لاستعمال اليد والفم واليمين والقفا لما ليس له كالماء والهوى والشمس والليل والبين والدهر، والشواهد أكثر، ونكتفي بما تقدم.

*****

الخاتمة

وللتلخيص نقول: أراد ابنُ تيمية نفيَ تأويل اليد بالقدرة باستخدامه حجة التثنية، وأن التثنية في اللغة لا تأتي إلا للاثنين حصرًا، والقدرة لا تُثنى، فوجب أن يكون القصد بها شيئًا غير القدرة. وقد أبطلنا قولَه بكلام الله وكلام رسوله وكلام الصحابة وكلام علماء اللغة بمدارسهم المختلفة، بل بكلام علمائه هو.

وأراد أن ينفي تأويل اليد بالذات، فقد ذكر القرطبي تأويلَ مجاهد بن جبر لهذه الآية وقال: «قَالَ مُجَاهِدٌ: اليد ها هنا بمعنى التأكيد وَالصِّلَةِ، مَجَازُهُ لِمَا خَلَقْتُ أَنَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أَيْ يَبْقَى رَبُّكَ.»60 نقول: أراد ابن تيمية نفيَ تأويل ﴿لما خلقت بيدي بأن يكون معناه: لما خلقت أنا، بأن استخدم حجة إضافة الباء للواسطة. وقد ردننا عليه بكلام النبي في حديثٍ في صحيح مسلم، وبكلام شاعر جاهلي وصحابي، وبمثالٍ عربي من أشهر أمثلة العرب. وهو أن الفعل يضاف لليد ويكون قبله الباء، ومع ذلك لا يتم باليد.

ثم كانت آخر حجج ابن تيمية أن قال: إنه وإن تم الرد على حججه السابقة وأنه يصح المجاز في اليد، إلا أنه لا بد أن تكون هناك يد حقيقة حتى يصح استخدام المجاز بعد ذلك، ورددنا عليه بأبيات شعرية من الشرق في العراق، ومن الغرب في الأندلس، ومن نجد في الجزيرة العربية، ومن الشمال من حلب في سوريا، ومن القرن السادس، والخامس، والرابع، والثالث، والثاني، ومن الشعراء الجاهليين، ومن المعلقات، ومن شعراء المعلقات في غير معلقاتهم. أي أن العرب لم تتوقف في الزمان ولا في المكان عن استخدام هذا الأمر الذي نفاه هو وقال إنه ليس في لغة العرب.

وهذه شجيرة في شكل صورة لاختصار دليل ابن تيمية بأكثر طريقة موجزة ممكنة:

 

هذا وأريد أن أؤكد أن هذه الآية هي أقوى دليل نقلي على الإطلاق الذي يتبجح به هؤلاء المجسمة في إثبات اليدين لله، فكانت هذه الآية هي أول دليل استدل به في إثبات اليدين لله في كتابه «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»،61 وكانت هذه الآية هي أول دليل استدل به في «العقيدة الواسطية».62 وكانت هذه أقوى دليل استدل به في كتاب «بيان تلبيس الجهمية»،63 وكذلك كانت تلك الأدلة أقوى دليل في «العقيدة التدمرية».64 بل إن الذهبي في رسالته «إثبات اليد لله صفة من صفاته»، بدأ الرسالة هكذا:

إثبات اليد لله صفة من صفاته، قال تعالى: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي65

وقد ذكر الذهبيُ في هذه الرسالةِ ٧٨ نصًّا وخبرًا للاستدلال على إثبات اليد صفةً لله، وكانت هذه الآيةُ أولَ ما صدَّر به كلامَه، بل قدّمها على سائر أدلته الثمانية والسبعين. 

ثم إن العجيب من تناقض هؤلاء المجسمة أنهم لم يتفقوا على قولٍ واحد، فترى ابن تيمية يستدل بهذه على إثبات اليدين لله، لكن عثمان الدرامي في نقضه على بشر المريسي لم يكن استدلاله بالآية هو مجرد إثبات اليدين لله، بل يرى الدارمي إن الآية تدل على خصيصةٍ وفضيلةٍ لآدم وهي أن اللهَ مسَّه بيديه: «فَأَكَّدَ اللَّهُ لِآدَمَ الْفَضِيلَةَ الَّتِي كَرَّمَهُ وَشَرَّفَهُ بِهَا، وَآثَرَهُ عَلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ إِذْ كُلُّ عِبَادِهِ، خَلَقَهُمْ بِغَيْرِ مَسِيسٍ بِيَدٍ، وَخَلَقَ آدَمَ بِمَسِيسٍ».66

أما الآن، وبعد أن تم نسف دليلهم هذا، فلم يبق لديهم لا دليل من المنقول، ولا حجة من المعقول لإثبات عقائدهم الوثنية هذه، تعالى ربنا وتقدس. فالحمد لله الذي لم يجعل لهؤلاء حجة إلا وكانت وبالًا عليهم، وشاهدةً على تلبيسهم وتدليسهم، فلا هم أصابوا في عقولهم وأدلتهم المنطقية، ولا هم أصابوا في فهم اللغة، ولا هم أصابوا في فهم القرآن، ولا هم اتبعوا الأحاديث، ولا هم أصابوا في فهم كلام الصحابة، ولا كلام العرب، ولا أشعارهم في معلقاتهم، ولا أشعارهم في غير معلقاتهم، ولا حتى اتبعوا مدرسة واحدة من مدارس اللغة. فسبحان من تنزّه عن تجسيم المجسّمة، حتى انعقد برهانُ العقلِ ولسانُ العرب، ومعه لسان العجم، على فساد مذهبهم.

أتينا كي نرى فيما استدلُّوا … فكانَ حجاجُهم وهمًا وظنًّا

فقالَ: يدٌ، تكونُ كما أردتمْ … وأمّا الاثنتانِ فما أجزنا

فمعنى اثنينِ لا يأتي بفردٍ … ولا فردٌ يرادُ بما يُثنَّى

ومثَّلَ بالرجالِ وكانَ هزلًا … وبَسَّطَ بالحديثِ كما تمنَّى

وقالَ الباءُ إن لُصقت بعضوٍ … يكونُ به الوقوعُ ولا يُكنَّى

وقالَ القومُ ما نسبوا الأيادي … لمن ليست يداهُ كما عهدنا

فجئنا بالأدلّةِ دونَ لَأْيٍ … وأبطلنا الثلاثةَ واستزدنا

Facebook
Twitter
LinkedIn